هل تحدد لغة المصالح مستقبل العلاقة بين الكويت وإيران؟

حجم الخط
0

الكويت ـ «القدس العربي»: اتسمت العلاقات الكويتية – الإيرانية عبر مراحل تطورها بالهدوء والسلام في بداياتها في عهد شاه إيران وحالات من الصعود والهبوط شأنها شأن العلاقات الدولية عامة، وقد كانت مسيرة تلك العلاقات إيجابية في أغلب مراحلها لكن التوتر والأزمات بين الكويت وطهران بعد ذلك امتد على ثماني أو تسع سنوات هي فترة الحرب العراقية ـ الإيرانية. وإذا كانت لغة المصالح هي المسار الذي يحكم أي علاقة بين طرفين فإن إيران تعتبر دولة استراتيجية مهمة للكويت انطلاقا من ثقلها السياسي وموقعها المتميز. ومن ناحية أخرى ورغم صغر المساحة الجغرافية لدولة الكويت إلا أن موقعها الجيواستراتيجي في مثلث الأضلاع بين إيران والعراق والسعودية، فضلا عن مخزونها النفطي الهائل كل ذلك جعل منها قيمة كبيرة اقتصاديا وماديا. وفي هذا الإطار كانت العلاقات الكويتية -الإيرانية الأكثر حيوية بين دولة خليجية عربية وإيران خلال العقود الثلاثة الماضية انطلاقا من رؤية كلتا الدولتين للمصالح والتحديات المشتركة التي تواجههما. ويمكن عرض أبعاد تلك العلاقات على النحو التالي:
أولا: نبذة تاريخية حول العلاقات الكويتية-الإيرانية:
اتسمت العلاقات التاريخية بين ضفتي الخليج بالحيوية والديناميكية منذ قدم التاريخ ويتضح هذا في نموذج العلاقات الكويتية- الإيرانية، والتي شهدت كثيرا من الهجرات والتداخل، فضلا عن التبادل التجاري بين موانئ الكويت والمحمرة وبوشهر وبندر عباس، بالإضافة إلى تجارة الترانزيت (إعادة تصدير البضائع) والتي كان لها أسواقها الرائجة وعملاؤها الكثيرون في المدن الرئيسية في جميع أنحاء إيران إلى درجة تسمية أسواق البضائع الجيدة في إيران بالأسواق الكويتية. ومنذ استقلال دولة الكويت عام 1961 شهدت العلاقات الكويتية-الإيرانية تطورا ملحوظا، فقد اعترفت إيران رسميا بدولة الكويت عام 1961، وشهد شهر كانون الثاني/يناير عام 1962 افتتاح السفارة الإيرانية في الكويت، وفي عام 1973 أعلنت إيران وقوفها إلى جانب الكويت في حادثة الصامتة التي تمثلت في اعتداء العراق على الأراضي الكويتية، حيث أعلنت إيران استعدادها لإرسال قوات عسكرية للكويت بناء على رغبة أمير دولة الكويت، فضلا عن تصريح رئيس الوزراء الإيراني آنذاك بأن إيران لن تسمح بأي مسعى لإحداث تغييرات في الجغرافية السياسية للمنطقة، إلا أن قيام الثورة الإسلامية في إيران عام 1979 كان مصدر قلق بالنسبة للكويت ومن ثم فقد اتسم رد فعلها تجاه تلك الثورة بالحذر الشديد، ومع ذلك فقد كانت من أوائل الدول التي اعترفت رسميا بالنظام الإسلامي في إيران وكان نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الخارجية الشيخ صباح الأحمد أول مسؤول رفيع المستوى من منطقة الخليج يزور طهران بعد قيام الثورة.
ومع اندلاع الحرب العراقية- الإيرانية في ايلول/سبتمبر عام 1980 وتطورها على مدى ثماني سنوات أخذت العلاقات بين الدولتين شكل التوتر. فمع بداية الحرب أعلنت الكويت حيادها التام وطالبت الطرفين المتصارعين بوقف القتال، كما أعلن ولي العهد الكويتي ورئيس الوزراء أن الكويت تصر على إنهاء الحرب وهي مستعدة لبذل أي نوع من المساعي لإيجاد حل عادل يرضي الجارتين. إلا أنه مع تطور الحرب وتعرض الأراضي الكويتية لقصف بالصواريخ واعتداءات برية استهدفت أمنها واستقرارها أدركت الكويت أن ميزان القوى في الحرب قد ينقلب لصالح إيران، وهو الأمر الذي يمثل تهديدا واضحا لها فأعلنت دعمها المادي والسياسي والمعنوي للعراق مما أدى إلى توتر العلاقات الكويتية- الإيرانية حتى وصل الأمر ذروته مع طلب الكويت من الدول الكبرى رفع أعلامها على السفن والبواخر الكويتية التي تنقل النفط.
وكان الغزو العراقي لدولة الكويت عام 1990 إيذانا ببدء مرحلة جديدة من العلاقات بين الدولتين، فقد رفضت إيران منذ البداية هذا الاحتلال، كما رفضت إحداث أي تعديل في حدود الكويت، وصرح الرئيس الإيراني آنذاك بأنه حتى لو قبل العرب ضم الكويت فإن إيران لن تقبل ذلك، وفي 9 تشرين الثاني/نوفمبر عام 1990 كرر الرئيس الإيراني موقف بلاده الداعي إلى انسحاب العراق غير المشروط من الكويت ومعارضة تسليم أي جزر كويتية للعراق، كما أبلغت إيران الأمم المتحدة عزمها على الامتثال لقرار مجلس الأمن رقم 661 القاضي بفرض المقاطعة الشاملة على العراق مع تأكيد وزير الخارجية الإيراني التزام بلاده بالعقوبات الاقتصادية على بغداد كما قررتها الأمم المتحدة. ومما لاشك فيه أن إيران كانت سباقة لإدانة الغزو رغم بعض التنازلات التي قدمها العراق لطهران في ذلك الوقت في مقابل تأييدها لموقف العراق آنذاك. ومنذ ذلك الحين تسارعت وتيرة التعاون بين الجانبين خلال عقد التسعينيات وصولا للسنوات الأخيرة التي شهدت عدة أزمات يغلب عليها البعد الطاىفي إلا ان الحكومة الكويتية احتوت كل ما من شأنه أن يقطع «شعرة معاوية» بين البلدين انتهاء بخلية «العبدلي الإرهابية» التي اتهمت فيها النيابة العامة ضلوع إيران وحزب الله في تهديد كيان الكويت .

لابد من طاولة المفاوضات

وأوضح د.عويد المشعان الأستاذ في جامعة الكويت في حديثه لـ«القدس العربي» أن معالجة الخلافات حول «حقل الدرة» يجب ان يتم عبر القنوات الدبلوماسية، ومن خلال الجلوس على طاولة المفاوضات، ولكن إيران لديها نزعة توسعية، ولا تريد التفاوض، بينما الكويت قلبها مفتوح للحوار، معتبرا أن إيران دولة عدوانية لا تحب الخير لجيرانها، ولا تريد لهم الإستقرار. ورأى د. المشعان أن إيران لو ركنت إلى المفاوضات لكان بالإمكان حل النزاع بسهولة، مؤكدا في الوقت ذاته ان وجود المملكة العربية السعودية كطرف ثالث في النزاع على حقل الدرة، يدعم موقف الكويت بشكل كبير ويخضع إيران للمفاوضات، وخصوصا ان السعودية معروفة بإمكانياتها وقوتها.

الكويت ترفض المفاوضة الفردية بعيدا عن السعودية

من جهته، أوضح الكاتب والناشط السياسي، د.عايد المناع أن الخلاف حول «حقل الدرة» قديم ومجمد لفترة طويلة، وكان ينحصر في الجرف القاري الواقع بين البلدان الثلاثة، الكويت والسعودية وإيران، ولكن يبدو انه انسحب على حقل الدرة الذي في النسبة الأكبر منه للكويت، بينما لا تتجاوز حصة إيران في الحقل الـ 20 في المئة، ولكن إيران نتظر نظرة استعلائية بأنها الأصل الأقوى، وأن بقية الدول فروع تابعة لها، مبينا ان هذه النظرة لا تختلف كثيرا عن نظرة الرئيس العراقي السابق صدام حسين.
وبين أن إيران تريد ان يبقى الوضع قائما على ما هو عليه، ويمكن أن يأتي يوم نجدها تهيمن على الحقل كاملا، أما الكويت لأنها دولة مسالمة فربما تلجأ إلى الأمم المتحدة إذا لم يتم حل النزاع وديا بين الطرفين.
وأكد أن على إيران ان تدرك أن حق الكويت في حقل الدرة ثابت، ولن تتنازل عنه بأي شكل، وحتى إن احتلت ايران الحقل فمن حق الكويت ان تدفع إيران الثمن كما حصل مع صدام حينما غزا الكويت، وكيف احتشد المجتمع الدولي للدفاع عن الكويت، وكذلك ما صدر من قرارات دولية لإلزام النظام العراقي حينذاك بتعويض الكويت بمبالغ باهظة، استمرت حتى بعد عهد صدام.
وشرح المناع: أن إيران تريد التفاوض مع الكويت والسعودية كل على حدة، لأنها لا تريد ان تجابه بموقف قوي لبلدين عربيين على جانب الخليج، والكويت امكانياتها محدودة، وتعتقد إيران ان ذلك سيجبرها على التنازل عن بعض حقوقها. بينما السعودية تمثل خصما سياسيا شرسا لإيران، ولها أكثر من موضع في الصراع معها في سوريا والعراق واليمن، وهذا يوجد نوعا من الحساسية لدى الجانب الإيراني. مؤكدا في الوقت ذاته أن الكويت تتجنب المفاوضات الفردية، مبينا أن إيران يجب ان تدرك أن الكويت والسعودية أعضاء في منظومة واحدة هي مجلس التعاون وان وجودهما معا ليس من باب الإحتشاد.
 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية