بغداد ـ«القدس العربي»: حفل المشهد العراقي هذا الاسبوع بالعديد من التطورات على مختلف الصعد. فالحراك السياسي تركز على اجتماع الرئاسات الثلاث (الجمهورية والوزراء والنواب) الذي ناقش المواقف من الاصلاحات ومطالب التظاهرات، مع التركيز على نقاط الخلاف في قوانين الحرس الوطني والمصالحة ومدى دستورية قرارات رئيس الحكومة حيدر العبادي التي رفض رئيس الجمهورية بعضها مثل الغاء مناصب نوابه. وتزايدت مؤشرات الضغوط على العبادي من عدة جهات أولها القوى المتضررة من قرارات الإبعاد وتقليص المسؤوليات التي تتهمه بعدم دستورية بعض القرارات ومحاباة بعض القوى والجهات والتشكيك في قدرته على الالتزامات بتوقيتات الاصلاحات، والجهة الثانية هي جماهير المتظاهرين وبعض القوى السياسية والإعلام التي عكست مخاوف شعبية من عدم قدرة العبادي على تنفيذ الاصلاحات التي أعلن عنها وأهمها محاسبة كبار الفاسدين، وعدم ملامسة الاصلاحات للمطالب الرئيسية التي نادى بها المتظاهرون.
كما برز مؤشر خطير من خلال تدخل قادة الحشد الشعبي في قضايا السلطة القضائية، عندما زار قادة الحشد هادي العامري وابو مهدي المهندس لرئيس المحكمة الاتحادية مدحت المحمود وإعلانهما دعمه في وجه المطالب الجماهيرية باقالته لفشل السلطة القضائية في محاسبة الفاسدين ولتأثرها بضغوط بعض القوى السياسية. وتركز بوادر القلق الشعبي من محاولة تدخل الحشد الشعبي في قضايا لا علاقة بها كالقضاء لانتزاع دور سياسي خارج اختصاصها المعلن في مساندة القوات الحكومية في الحرب على تنظيم «الدولة»، كما فسرها الكثيرون بأنه بوادر تحد إيراني لإرادة الشعب العراقي.
ومرة أخرى أفشلت بعض القوى السياسية المتحكمة في السلطة، محاولة جديدة للمصالحة الوطنية وخاصة بين قوى المعارضة الخارجية والقوى السياسية المشاركة في العملية السياسية، عندما تعرضت فكرة ومحاولة لعقد اجتماع في الدوحة للمصالحة الوطنية، للنقد والتهجم والتهديد لأي قوى سياسية تشارك فيه من قبل القوى المتنفذة، مما أدى إلى ابتعاد العديد من الجهات الرئيسية عنه وتبروء الحكومة من الموافقة عليه، وليتأكد مجددا أن القوى المتنفذة في السلطة لا يمكن ان تسمح ولمدى بعيد للقوى المعارضة في الخارج للمشاركة في السلطة أو حتى الحياة السياسية للعراق.
وبرزت هذه الأيام دلالات جديدة على مدى فشل الدولة العراقية في اقناع شعبها بالأمل في عيش آمن ومستقبل واعد أو اصلاحات جدية لوقف انهيار الأوضاع في البلاد، عندما تناولت وسائل الإعلام موجة الهجرة غير الشرعية إلى الدول الأوروبية التي اندفع إليها آلاف الشباب والعائلات من العراقيين اليائسين من وطن عجزت فيه حكومته عن اقناعه بالبقاء فيه، ووصولهم إلى حالة الاستعداد للموت في سبيل الخلاص منه وإيجاد ملاذ آمن في أي مكان آخر غير بلدهم.
وأصبحت قضية الهجرة حديث الساعة لدى العراقيين هذه الأيام، حيث يتابعون بقلق الهجرة الشرعية وغير الشرعية للشباب والعائلات بين مؤيد لسعي المهاجرين للهجرة إلى أي بلد طلبا للحياة الطبيعية التي يفتقدها في العراق، وبين معارض لهجرة الشباب والكفاءات التي تعتبر خسارة صعبة التعويض للوطن، وبين منتقد العملية السياسية التي أوصلت البلد إلى حالة انعدام الأمن والاستقرار والمستقبل المجهول. كما يفكر الكثير بالانضمام إلى قوافل الهجرة غير الشرعية مستفيدا من التسهيلات التي تقدمها الدول الاوروبية للمهاجرين هذه الأيام.
وفي إقليم كردستان العراق، أخفق الاجتماع السابع للأحزاب الكردية الرئيسية في التوصل لحل وسط حول أزمة رئاسة الاقليم نتيجة تمسك كل طرف بموقفه وذلك بالرغم من تدخل بعض الدول لمحاولة التقريب في مواقف الأطراف كالولايات المتحدة وإيران وتركيا. ووصل الأمر إلى حد التهديد وتبادل الاتهامات بين طرفي الخلاف المتثمل بالحزب الديمقراطي الكردستاني الذي يصر على التمديد لزعيمه مسعود البارزاني ويدعمه بعض الأحزاب الصغيرة، وبين الطرف الآخر الذي يمثله أحزاب السليمانية كالاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة جلال الطالباني وحزب التغيير والحزبين الإسلاميين الكرديين الذين يصرون على آلية انتخاب رئيس الاقليم عبر البرلمان وتقليل صلاحياته ومأسسة قوات البيشمركة، وهو الأمر الذي رفضه الطرف الأول بكل قوة. ووصل الخلاف إلى حد التفكير باعلان انتخابات مبكرة لحسمه. وعلى المشهد الأمني في البلد، تصاعدت مؤخرا عمليات الخطف الفردي والجماعي من قبل عصابات وميليشيات متنفذة على الساحة العراقية. وقامت الميليشيات المسلحة بخطف 18 تركيا يعملون في مشروع في مدينة الصدر شرقي بغداد، كما وقعت عدة عمليات خطف لأفراد في بغداد وديالى خصوصا التي أصبحت فيها الميليشيات سيدة الشارع. ورغم ان رئيس الوزراء العبادي وصف الجماعات المسلحة التي تنفذ عمليات الخطف بأنها بخطورة الإرهاب نفسه وأنه سيواجهها بحزم ودون تساهل، ولكن يبدو أن الواقع يشير إلى صعوبة القضاء أو مواجهة هذه الجماعات المسلحة لكونها مدعومة من قوى سياسية داخل العراق وخارجه.
ويعتقد المتابعون أن أوضاع العراق تسير نحو المزيد من التأزم وعدم وضوح المستقبل وسط عدم جدية القوى الفاعلة في المشهد السياسي فيه، بل وافتقاد الإرادة لديهم، لإحداث اصلاحات أو تغييرات في الأوضاع التي يبدو أنهم يستفيدون من استمرارها بالوتيرة نفسها حتى ولو كانت ضد مصلحة الشعب .
مصطفى العبيدي