ثقافة الابتزاز

حجم الخط
1

قصة الصحافيين الفرنسيين إيريك لوران وكاترين كَراسيي حقيقية، وإن اعتبرها وزير الخارجية الفرنسية فيلما رديئا. فالعلاقة بين الرداءة والحقيقة قائمة أبدا في الواقع، كما أن العلاقة بين الجمالي والخيالي مستمرة في الإبداع الأدبي والفني، وشتان بينهما.
تكمن رداءة القصة الحقيقية في كونها، وكأنها تتقدم إلينا من خلال فيلم رديء قوامه التضحية بالمبادئ الفنية، والقيم الأخلاقية، لأن الهم الأساس لمخرجه هو شباك التذاكر. وحين يغدو المال هو كل شيء، بالنسبة للفنان والإعلامي والكاتب، فمهما كانت درجة مصداقية أي منهم فإنها تتهاوى إلى حضيض الإسفاف واللامسؤولية.
يبدو لنا ذلك بجلاء فيما أقدم عليه الصحافيان الفرنسيان لوران وكَراسيي. أولا: يؤلفان كتابا حول المغرب أو الدولة المغربية، سيان. ثانيا: يجهزانه للنشر في دار فرنسية عريقة (لوسوي) نشرت أهم علامات الفكر الفرنسي المعاصر، أي ما يختزله الأنكلو ـ ساكسونيون في «النظرية الفرنسية»، من البنيوية والتفكيكية، إلى نظريات التأويل والعلوم المعرفية… ثالثا: يتصلان بالديوان الملكي لإعلان أنهما بصدد التحضير لنشر كتاب حول المغرب. رابعا: يطلبان ثلاثة ملايين أورو مقابل التخلي عن نشر الكتاب.
بين فكرة تأليف الكتاب، وفكرة التخلي عن نشره مقابل مبلغ ضخم من المال ابتزاز مقيت، وعنجهية من يرى أن له سلطة «إعلامية»، وتعاليا على من يراد ابتزازه لأنهما كانا يتوقعان أن الملك لا يمكنه إلا أن يرضخ لطلبهما لأنه في موقف ضعف. لكن صارت الأمور على غير ما يشتهيان، فكانت الفضيحة كبرى. ويعرف الجميع بقية تفاصيل القصة الحقيقية لهذا الفيلم الرديء، وإن كنت هنا أشدد على الموقف النبيل والشجاع الذي أقدم عليه الناشر بإلغائه نشر الكتاب معبرا عن استيائه من الابتزاز وضرب المصداقية.
ما يمكن أن نقرأه من خلال هذه القصة المبتذلة يتصل اتصالا وثيقا بثقافة الابتزاز والتزييف التي لا يمكنها أن تتشكل وتنمو وتزدهر إلا في أزمنة التردي السياسي والإعلامي والثقافي والأخلاقي، أو حين تتصل بأشخاص لا دين لهم ولا ملة. وجدتني، وأنا أتابع ما يكتب عن قصة الصحافيين، أستحضر قصة الحطيئة الذي كان على خلاف شعراء زمانه، لعلة في نفسه وحياته، يمارس الابتزاز للحصول على المال. كان كما تروي عنه كتب الأدب ينزل على القوم، فيمدحهم ثم لا يني يهجوهم، ولذلك كانوا يتقون شره، ويعملون على إرضائه. وشاع عنه هذا الخلق حتى أمسى لصيقا به. وكانت نهاية قصته مع الزبرقان بن بدر، الذي عندما هجاه، عمل عمر بن الخطاب على حبسه. وبما أنه كان شاعرا مفلقا، لا يؤاخذ على شعره ما يؤاخذ على سلوكه، بكى عمر متأثرا عندما وصف أولاده  بزغب الحواصل. فأطلق سراحه بعد أن تعهد منه بأنه لن يعود إلى هجاء الناس.
كان الحطيئة نشازا بين الشعراء العرب في كل التاريخ الأدبي حين كان الشاعر، مثل الإعلامي اليوم، يمارس دوره في القبيلة، يفتخر بمناقبها، ويعدد مثالب أعدائها، غير قابل للمساومة أو الابتزاز. سئل الحطيئة: من أشعر الناس؟ فأخرج لسانه، وقال: هذا إذا طمع. وحتى مع ظهور المدينة، وتداخل الثقافات ظل المدح والهجاء تعبيرين عن مواقف تعبر عن رؤية الشاعر إلى الممدوح أو المهجو. صحيح كان المال أساسيا في العلاقة بين الشاعر والطرف الثاني، لكنها لم تبن على أساس ما تقدمه لنا قصة الصحافيين الفرنسيين.
ازدهرت ثقافة الابتزاز مع العصر الحديث، وبالأخص مع الوسائط الجماهيرية حين صار الإعلام سلطة. وباتت الرغبة في الإثراء وتحقيق المزيد من المبيعات من القيم الأساسية السائدة. كما صارت ثقافة تسخير الإعلام من لدن الأنظمة المستبدة من بين تلك القيم. وليست ثقافة الابتزاز سوى الوجه الآخر لثقافة التسخير. إنهما معا تتصلان بالكتابة بهوى، وآخر مضاد. وكلاهما ينشد التحسين أو التقبيح، مقابل أجر مدفوع.
يشهد تاريخ الأنظمة الديكتاتورية والقمعية تسخيرها للكتاب والشعراء والإعلاميين، من الداخل والخارج، لترويج صورة إيجابية عنها مقابل إغداق الأموال والامتيازات عليها. تماما كما يلجأ بعض أصحاب النفوذ والمال والفن من المشاهير إلى تسخير كتاب مأجورين لكتابة سيرهم الذاتية بالكيفية التي يريدون من خلالها إبراز الجوانب التي يبغون متجاوزين عن جوانب حياتهم الكارثية، بهدف تلميع شخصياتهم، وتقديمها للقراء على النحو الذي يشتهون.
كما أنه في إطار الصراع بين الدول أو الرؤساء يتم تسخير إعلاميين وكتاب للهجوم على شخصيات أو دول بهدف تقبيح صورتهم وتشويهها بالحق والباطل، تنكيلا بهم وجرا للبلاء عليهم. ويشتد هذا النوع من الكتابات في لحظات الصراع بين دول الجوار، أو استهداف نظام ما من الأنظمة (الحرب الباردة مثال ساطع). وغالبا ما يتم التسخير من لدن أنظمة أو مؤسسات لها إمكانات مادية تدير بواسطتها عمليات مواجهة خصومها عن طريق التأليب ضدهم أو الكشف عن مثالبهم.
لا تختلف ثقافة الابتزاز عن أخذ الرهائن في الحروب، أو في لحظات السلم، كما نجد في فترات الانتخابات. وقد يمارسها الأفراد والمؤسسات في إطار بسط الهيمنة، وتحقيق الرغائب. تتعدد وجوهها وصورها، لكنها في العمق دليل على الاستغلال البشع، علاوة على كونها مبنية على الادعاء وتزييف الحقائق. وكل المبررات التي أدلى بها إريك لوران تثبت ذلك بجلاء.
تتأسس ثقافة الابتزاز على الاستعلاء لأن ممارسه يرى نفسه في موقع أعلى يسمح له باستغلال لحظات ضعف المبتز، فيساومه واضعا شروطه غير مراع لأي قيمة من قيم العمل الذي يقوم به. وحين يقدم الصحافيان الفرنسيان على فعلتهما الشنيعة مع ملك المغرب، فإنهما، من جهة، ينطلقان من موقف الاستعلاء ذاته. وهذا الموقف يبين بجلاء أن البلاد المستعمرة ما تزال عرضة لأهواء المستعمِر ومطامعه، ورغم مرور أزيد من عقود على الاستقلال، لم تتغير الرؤية، ولم يتغير المنظور أو المتخيل. ومن جهة ثانية، اعتاد مثل هذين الصحافيين على ممارسة ابتزاز الرؤساء والملوك، أو قبول تسخير أقلامهم لتلميع صور بعض الأنظمة، فلم يروا غضاضة في تكرار التجربة، ولهم ما يكفي من المعلومات الصحيحة والمزيفة يلفقونها للترهيب والتخويف والابتزاز.
كان موقف الديوان الملكي حكيما وصارما، واقتاد الصحافيين معا إلى المساءلة القضائية عن ممارستهما الشنيعة، كلفت ثقافة الابتزاز غاليا. وأهم ما في هذه القصة الحقيقة، أو الفيلم الرديء، أنهما يوقظان الحس المشترك إلى نوع من الممارسة الإعلامية لها تاريخها في الإعلام الحديث، ويبين بالملموس أن ليس كل ما ينشر في «الغرب» عن العرب والمسلمين يجب أن يعتمد على أنه الحقيقة التي لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها. ويبدو لي أن هذا أهم استنتاج يمكن الخروج به من وراء هذه القصة الرديئة. لقد تشكل لدينا، نحن العرب هذا المتخيل، وصرنا بمقتضاه نرى كل ما يأتي من أفكار وإعلام ونظريات من الغرب يجب اعتماده بدون مناقشة. والحال أن وراء الأجمة ما وراءها. وأن الفساد بكل أنواعه، ولاسيما في مجال الإعلام، يمكن أن يأتي من الغرب أيضا، مع تراجع القيم الفكرية والأخلاقية هناك أيضا.
لقد كانت عندي دائما حساسية تجاه هذا النوع من الكتابات التي يعمل على صناعتها إعلاميون وكتاب، عرب وأجانب، حول الوطن العربي. وكنت أتعامل معها دائما على أنها سرود لا تخلو من أباطيل. ثقافة الابتزاز تعبير عن فساد القيم، كما أن الخضوع لها، وممارسة التسخير ليسا سوى إدامة لثقافة الفساد.

كاتب مغربي 

سعيد يقطين

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية