الانباء عن غرق سفن المهاجرين في البحر المتوسط وعن حاوية شحن اختنق فيها عشرات المهاجرين، المشاهد للمهاجرين وفي اذرعهم اطفالا يتسلقون الاسيجة التي تأخذ اوروبا في اقامتها، ومخيمات اللاجئين تعيد إلى الذاكرة مشاهد الثلاثينيات والاربعينيات. في حينه كنا نحن بلا جوازات سفر، محرومين من الوطن، معروفين كزائدين لا داعي لنا. اما اليوم فآخرون هم الذين يتركون لمصيرهم، وألمانيا، التي كانت صاحبة فكرة ابادة كل الزائدين وقائدة المنفذين، تكاد تكون اليوم هي الدولة الوحيدة في العالم المستعدة لان تقبل كل من يأتي إلى اراضيها ويدعي الاضطهاد.
كثيرون هم المصدومون من الفظائع التي تتدفق من افريقيا، من الشرق الاوسط ومن بنغلادش والباكستان، ويديرون السنتهم عند قراءة الانباء عن الطفلات التي تباع للبغاء، الاطفال الذين يجبرون على أن يكونوا جنودا في سن العاشرة، القرى التي تحرق بسكانها والمناطق الكاملة التي تذوي في الجفاف وفي الطوفان. ولكن آخرين، وهم كثيرون ايضا، غير مستعدين على الاطلاق لان يسمعوا عن ذلك. إذ أن الناس الذين يحصل لهم هذا هم سود، او مسلمون من التيار غير الصحيح او يزيديون، او من مجرد تعثر حظهم فيعيشون في مكان يعرض فيه تغيير المناخ حياة الانسان للخطر. قلة هم المستعدون لان يفتحوا ابوابهم وقلوبهم.
الوهم في أنه يمكن الفصل بين العالم الشبع و «المتحضر» وبين كل هذا بواسطة القوانين، الاسيجة، الاسلحة، السجون ومعسكرات الاعتقال لا يزال يوجه خطى الحكومات، ولكن التاريخ يدل على أن هذا وهم بالفعل.
ما يجري اليوم في اوروبا يشبه حراك الشعوب الكبير بين القرن الرابع والقرن الحادي عشر. فتغييرات مناخية ادت في حينه إلى اختلال التوازن بين شعوب آسيا الوسطى واوروبا وغيرت اوروبا من الاقصى إلى الاقصى. فغزو شعوب الصحارى، ممن دفعوا غربا الشعوب الجرمانية والسلافية، وحملات الاحتلال من شعوب الشمال الجوعى جعلت بريطانيا انجلترا، غاليا فرنكيا، بنونيا هنغاريا، الاجزاء الغربية من الامبراطورية البيزنطية بلغاريا، صربيا وكرواتيا، شرق الامبراطورية البيزنطية مسكن القبائل التركية، المناطق على طول الفولغا والدانيبر ـ روسيا. مئات السنين التي مرت إلى أن انتهت هذه المسيرة كانت مليئة بالدم، وفي النهاية نشأت في هذه الاماكن مجتمعات جديدة، مختلفة تماما عن سابقاتها.
لا توجد قوة يمكنها أن توقف حركة سكانية كهذه. إلى المكان الذي توجد فيه وفرة خيرات وقلة سكان سيتدفق الجوعى والمضطهدون.
تيارات الهجرة الاساس إلى اوروبا هي من افريقيا، من الشرق الاوسط ومن بنغلادش. وتكمن جذور الوضع الحالي في استعمار القرن الـ 19 وفي طمع القرن الـ 20، الذي أدى إلى سخونة الكرة الارضية. والنتيجة هي جفاف افريقيا وغرق بنغلادش. والتوقع هو ان تبتلع مناطق عديدة تقع على شواطيء البحار، والشرق الاوسط يصبح صحراء.
200 مليون لاجيء هم توقع فظ لما سيحصل. فجفاف افريقيا هو واحد من الاسباب للهجرة من هناك، لتفكك دولها الضعيفة وتحول معظم القارة إلى الفوضى. ويسيطر في القارة طغاة فاسدون، يبيعون مقدراتها الطبيعية للعالم الصناعي. وهذا الاخير لا يتردد في أي سبيل ويبيع السلاح مقابل المقدرات الطبيعية، وهكذا يضطرم الاشتعال.
ان انهيار الانظمة في شمال افريقيا، «الربيع العربي»، الذي اصبح شتاء والاضطراب في مصر وفي السودان يرتبط ارتباطا وثيقا بالنمو السكاني وبقلة المقدرات الوجودية الاساسية ـ الماء والغذاء، كما أن للطمع دورا هاما في ما يجري في ما كان العراق وسوريا. أما تركيا التي تزعم أنها تقاتل داعش، فانها تشتري منها النفط دون أن يرف لها جفن. ولولا تدخل الصين، روسيا وإيران، لانتهت الحروب في سوريا وفي السودان منذ زمن بعيد. كما أن انعدام الوسيلة لدى الغرب الشبع يرتبط بالطمع.
ففرض النظام في الشرق الاوسط لا يبدو ضروريا لبراك اوباما وزعماء اوروبا. فهل سيفتحون الان حربا عالمية مع إيران، روسيا والصين؟ من الافضل عقد الصفقات. وماذا عن ترميم افريقيا؟ من يهمه هذا؟
النتيجة ستكون اوروبا جديدة. القطار انطلق من المحطة ولم يعد ممكنا ايقافه. كان يمكن عمل ذلك في الماضي، عندما كان وقف سخونة الكوكب ممكنا، وهكذا ايضا منع اشعال نار الكراهية من خلال طمع العالم الشبع. ولكن يحتمل أن يكون هذا محتما. يحتمل إلا يكون بوسع الكوكب ان يستوعب اناسا كثيرين بهذا القدر، والعنف والفظاعات ضرورية من اجل تقليل اعدادهم.
على أي حال، فان عالم احفادنا، لن يكون مشابها في شيء للعالم الذي نتخيل ان يكون. لا يقين في أن عالم الغد سيكون عالما مسلما. فشعوب الصحارى وشعوب الشمال الذين اغرقوا اوروبا في العصور الوسطى، تبنوا المسيحية وثقافتها. ولكن الواضح هو أن هذا سيكون عالما آخر.
هآرتس7/9/2015
مينا روزين