يروي أبي عن جدتي رحمها الله ان عمتها كانت لها ابنة غاية في الجمال ماتت صغيرة في سن السادسة عشرة فكانت كلما رأت التطورات على لباس النساء بالتلوين المبالغ فيه و التضييق و الكشف تسري عن نفسها فتقول «الحمد لله اللي ماتت روزا قبل ما يخف الجورجيت» و الجورجيت كان القماش الذي يصنع منه غطاء الوجه و كان أسود غامقا ثم بدأ يخف تدريجيا تعذرا للرؤية والحرارة حتى نزع النقاب تماما وتبعه الحجاب في مدينة الخليل حيث كانت النساء يلبسن طاقة فوق طاقة وكأنهن دروع محصنة!
لو كانت العمة أم روزا تعيش الآن ورأت التحولات على اللباس والأزياء والأخلاق والفكر لتمنت أن تموت هي بنفسها قبل أن تشهد يوما تتعرى فيه النساء المسلمات قصدا و أمام محارمهن! وذلك البهلول من الرجال يبتسم لابنته أو زوجته أو أخته بل و ربما يلقي عليها عبارات الإعجاب و الثناء! أو يلبسن ولكن لباسهن هو عري مقنع .
ان النظر إلى ثقافة اللباس والأزياء كأمور ثانوية هو تسطيح للقضية وحصر أعوج لها في عالم القماش والألوان والموضات بينما هي في الحقيقة أفكار وأخلاق وممارسات تتجلى أخيرا في الاختيار، فعندما عصى آدم ربه و أذنب كان العري وظهور السوءات أول عقوبة ظاهرة وكان أول التكفير بالمسارعة إلى الستر « و طفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة» و في ذلك رسالة واضحة ان المظهر مرتبط بالمخبر والجوهر ومخبر عنه وعن التحولات التي تطرأ عليه.
وبعيدا عن الفرضية و الواجب الديني الذي يضع إطارا معينا لملابس البشر، رجالا ونساء، فلقد جاء علم الطاقة مثلا الذي يستحوذ على اهتمام البشر حديثا ليؤكد أهمية تغطية منطقة كالبطن لأن كشفها يؤدي إلى فقد الطاقة ونقص المناعة و بالتالي الإصابة بالأمراض، و لو جئنا و طبقنا هذه الجزئية و المثال على عالم الأزياء لوجدنا انتشار الموضات المخصصة تماما لإظهار هذه المنطقة وقد انتشرت و تم توطينها في بلادنا بأسماء مثل «بابا سمحلي» لا ندري ايقصد بها التندر او الطرفة ام بيان الانتقاد و بؤس الحال!
ان المتابع لعالم صناعة الأزياء و التنافس المحموم فيه وسيطرته على العقول سيوقن أن الأمر يتعدى مقصا وقماشا وخيطا و ذوق مصمم، فحتى الأذواق وليدة الفكرة ووليدة التربية و لولا أن الأزياء تحمل رسالة و فكرة لما رأيت بعض الشعوب تحرص على ارتداء زيها الشعبي كالباكستان مثلا و لا تستبدله بغيره مهما كانت الظروف و المغريات!
كنت سابقا أتساءل عن معنى الآية القرانية « ان الذين يحبون ان تشيع الفاحشة في الذين آمنوا» فكيف يمكن ان يصل الضلال والشيطنة بشخص إلى درجة ان يكون شيوع الفاحشة محببا إلى قلبه، قريبا إلى نفسه يعمل له بكلتا يديه!
في لحظة صدق إنثوية يجب ان نعترف أننا كنساء نحب الجمال ونحب الثناء عليه ربما أكثر من الرجال و ليس ذلك بعيب ولا حرام بشرط ان يكون مصدر الثناء مقبولا حلالا ولكن استحسانه من غريب لا يحق له أن يرى دقة الخصر و جمال الشكل وانسيابية الانثناءات يدل على انحراف في النفس وطلب لشهوة!
لا يمكن ان يفسر الوقوف امام المرآة لساعات و زيادة الهندمة بمجرد الرغبة في الترتيب فذاك يمكن تحصيله بجهد أقل و تكلف أقل و لكن بذل الجهد و الكشف او الاخفاء من ورائه رسالة تدعو الناظر للمزيد او تقول له توقف ليس لك بعد الظاهر العام شيء! لقد اقترح الدكتور مصطفى محمود رحمه الله على شركات التجميل و المساحيق ان يكونوا صادقين في الترويج الإعلاني و الهدف منه و طرح عليهم شعارا لدعاية بعنوان «الروج المناسب للرجل المناسب!» فالتي تضع الأحمر و الأزرق و ألوان الطيف تبعث رسالة للناظر ولا يمكن ان يكون الأمر عشوائيا دون هدف!
نعود اذن للحلقة الأولى فاللباس مظهر من مظاهر الايمان كما أن اللباس ايضا دليل حضارة فالمجتمعات المستهلكة من امثال المجتمعات العربية تابعة تتلقف ما ترمي لنا به الحضارة الأوروبية كل موسم بموضة جديدة دون ان نعي بأننا نتبع ميتا فأوروبا وصلت الآن كما يصف مالك بن نبي إلى طور الحضارة الذي يستثمر في الغريزة وهذا التطور يؤدي إلى افلاس المخزون الروحي و بالتالي انهيار الحضارة مهما كانت قوتها المادية. إن الخطورة الاكبر التي يعانيها مجتمعنا هو حالة الرضوخ و الاستسلام لثقافة السوق فنجد الفتيات من أسر عربية محافظة ينجرفن مع التيار و يلبسن الموضات الغريبة، التي تظهر العورات وتشعل الغرائز، حتى في الدوائر الضيقة والمغلقة، ثم تأتي أم جاهلة تتذرع أنها لم تقدر على اقناع ابنتها أو توجيه خيارها!
ولا يظن الرجال انهم معفيون من الواجب فلولا وجود عيون زائغة تبحث عن حرام لا يحل لها و شهوة لا يستحقونها و غريزة تنحي عقولهم لما وجدت نساء تحاول ارضاء رغبات ومتطلبات وأهواء نفوس مريضة تبحث عن قضاء رخيص سريع للحاجات!
إن الداهية الأكبر أن تتكشف نفوس وعقول أصحاب الستر فيصبح الإغراء بالحجاب لا يختلف عن الإغراء بالبنطال!
النقطة الاخيرة ان المبالغة في التستر مع عدم مراعاة ظروف الزمن لها انعكاساتها السلبية ففي بعض بلادنا العربية تحولت المرأة إلى لغز و كأنها كائن فضائي يراد معرفة أسراره وزادت الامراض النفسية و الاخلاقية لما اقترنت المبالغة في اللباس بغياب للفهم و الأخلاق!
إن حجاب الفطرة السليمة لن يمنع النساء من الفاعلية في المجتمع، كما لم يمنعهن في عهد النبوة الأولى، ولكن يجب أن يقابله رجال تحجبت نفوسهم عن الخيانة.
د.ديمة طارق طهبوب