أوروبا الفاجرة!

حجم الخط
14

ـ نادي ريال مدريد يتبرع بمليون يورو للاجئين السوريين في أوروبا.
ـ نادي بايرن ميونخ يتبرغ بمبلغ مماثل للاجئين ذاتهم.
ـ عشرات آلاف المواطنين الغربيين الشقر، شبان في مقتبل العمر، شيوخ، أطفال، نساء ورجال في خريف العمر، خرجوا في مظاهرات عارمة في باريس وبرلين وفيينا وستوكهولم ـ وغيرها ـ للتعبير عن تضامنهم مع اللاجئين السوريين في أوروبا.
ـ اثنا عشر ألف من سكان آيسلندا أطلقوا عريضة إلكترونية يعرضون فيها مساكنهم لإيواء اللاجئين وإطعامهم مجاناً.
ـ رئيس وزراء فنلندا يملك مسكنا شاغراً بشمال البلاد يقدّر أنه لا يستعمله إلا نادراً، فيقرر تخصيصه لإيواء لاجئين في بلاده.
ـ رئيس وزراء المجر السابق يحذو الحذو نفسه ويخصص بيته الثاني للاجئين.
ـ عشرات الشبان الدنماركيين يتركون رغد العيش في بلادهم ويسافرون إلى اليونان علّهم يجدون فرصة وطريقة لمساعدة اللاجئين السوريين.
ـ نشطاء ألمان، بينهم فنانون وخبراء لغات ولسانيات، أطلقوا موقعا إلكترونيا (فريزبوك) يلقّن اللاجئين أبجديات الكلام من أجل مساعدتهم في حياتهم الجديدة الصعبة بألمانيا.
ـ محبو كرة القدم في أكثر من بلد أوروبي حملوا مئات الشعارات المتعاطفة مع اللاجئين، وبحَّت حناجرهم ترثي حالهم وتدعو لإغاثتهم.
ـ مثقفون وسياسيون وحقوقيون ساروا على أقدامهم إلى محطات القطارات في النمسا وألمانيا وباريس لاستقبال لاجئين بالورود والأحضان.
ـ صحف بريطانية تطلق عرائض إلكترونية للضغط على حكومة ديفيد كاميرون باتجاه الموافقة على استقبال حصة من اللاجئين السوريين.
هذا غيض من فيض.
هذه أوروبا: القارة العجوز، الفاجرة، الداعرة، الاستعمارية، عديمة الأخلاق، التي ينتشر فيها الإلحاد والكفر والطلاق والتفكك الأسري والانحلال الأخلاقي، وإهمال الوالدين وزنا المحارم، والقتل والمخدرات.. وكل الآفات الموجودة وغير الموجودة.
هذه أوروبا: القارة التي تصوّت في الانتخابات لليمين المتطرف وتمنحه كل يوم مساحات إضافية في برلماناتها ومجالسها البلدية، تهب هكذا لنجدة لاجئين لا تربطها بهم صلة ولا يشبهونها إلا في الإنسانية.
هذه أوروبا: القارة التي يعيش فيها المرء سنوات في عمارة لا يعرف خلالها وجه جاره في الشقة المقابلة، وإن عرف الوجه لن يعرف الاسم.
اختار اللاجئون السوريون، العرب، مسلمين ومسيحيين، أوروبا صاحبة السوابق والأوصاف المذكورة أعلاه وساروا باتجاهها على الأقدام رغم خطورة المغامرة ومخاطر الموت والقتل والسطو.. قطعوا الجبال والغابات والبحار والاسلاك الشائكة، ومشوا في الليل والنهار ليصلوا إليها.
اختاروا؟ لا، هم لم يختاروا، لأن الاختيار يعني المفاضلة بين شيء وآخر بناء على أسباب ومقارنات. هم ساروا نحوها كأن سواها غير موجود.
ساروا باتجاه أوروبا، تاركين وراءهم بلدانا لا تقل غنى ماليا عن أوروبا الغربية، ومجتمعات وقطعانا من البشر تسمى «الأمة العربية والإسلامية» قيل عنها في القرآن الكريم أنها خير أمة أُخرجت للناس تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر.
ـ أمة ترى انها الأفضل فوق الأرض، وبأن الآخرين لا يستحقون شرف الوقوف أمامها.
ـ وتؤمن بأنها الأولى بالجنة وبالثواب الإلهي.
ـ أمة تنتشر فيها ملايين المساجد ولا يتوقف فيها نداء الآذان، ولا تنقطع عنها أصوات مقرئي القرآن، فلا يتجاوزان حدود طبل الأذن.
ـ أمة يركض الرجال فيها إلى المساجد ركضا للظفر بالصفوف الأولى، فإذا ما فرغوا من صلاتهم منع أحدهم الآخر من أن يقطع الشارع قبله، وداس بعضهم بعضا وسرق وخان بعضهم بعضا.
ـ أمة يسمع رجالها في المساجد أفضل النصح وأسمى الكلام عن الأخلاق والدنيا والدين، فيفعلون عكسه تماما ما أن يتركوا تلك المساجد.
ـ أمة يخبئ جوف أرضها ثلث (أو أكثر) ثروات الأرض.
ـ أمة لديها كل ما يجعل منها الأقوى والأذكى والأفضل، فاختارت أن تأخذ كل ما يجعل منها مسخرة وذليلة خانعة وعلى هامش الأمم.
أزمة اللاجئين كانت علامة إضافية على الهوة السحيقة بين «الأمتين».. أمتنا وأمتهم.
صحيح أن أوروبا اضطرت اضطرارا إلى استقبال اللاجئين بعد ضجة عالمية، وأن الصورة ليست كلها وردية زاهية. وصحيح أن هناك دولا عربية وإسلامية استقبلت لاجئين سوريين وغير سوريين، وأن الصورة ليست كلها سوداء قاتمة.
لكن هناك الاصح: حكومات الدول الأوروبية اضطرت لاستقبال موجات اللاجئين السوريين بعد ضغوط من رأيها العام ومن شعوبها ونخبها. الحكومات هناك لديها مصالح وحسابات انتخابية، فتتريث وتخشى، غير أن إنسانية الإنسان تدفقت فأجبرت الحكومات على التراجع والتنازل. هناك فرق شاسع بين الحكومات والرأي العام، لكن علاقة التأثير قوية.
أما حكومات بعض الدول العربية والإسلامية التي استقبلت لاجئين سوريين، ففعلت مجبرة بأمر واقع فُرض عليها، وليس باختيارها وإرادتها. لو خُير لبنان لَرَفَضَ استقبال ظِلَّ لاجئ واحد. ولو خُيِّرت تركيا لاختارت خمسين لاجئا وصدّت الآخرين.
هنا، لا فرق بين حاكم ومحكوم، الواحد أسوأ من الآخر، ولا قوة لإنسانية الإنسان كي تتدفق وتجبر الحكومات على شيء. الفرق شاسع بين الحاكمين (ليس الحكومات) والقطعان (ليس الرأي العام)، لكن علاقة التأثير منعدمة. لا احد منهما يؤمن بالآخر أو يؤثر فيه.

٭ كاتب صحافي جزائري

توفيق رباحي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية