أوّلاً: نحوَ استعادة الوجود الشِّعريّ الكاشِف، ومُجاوَزة نظام التَّمركُز:
إنَّ أيّة رغبة في استئناف الحداثة، ينبغي أن تنطلِقَ من السَّعي إلى مُجاوَزة نظام التَّمركُز الميتافيزيقيّ، ولاسيما من مُحاوَلة نسف تقابُل الثُّنائيّات الميتافيزيقيّة بغيةَ تمزيق سُلطة الذّات المُتحكِّمة مُسَبَّقاً بِعوالمها الشِّعريّة بتشتيت تمثُّلها الواعي للخارِج الذي تطويه على مركزيَّتها.
ولعلَّ الخُطوة الطَّموحة الأُولى لتحقيق ذلكَ تكونُ بِمُجاوَزة ثُنائيّة (الخارج الدّاخل) الميتافيزيقيّة، فمشكلة الوجود الخارجيّ في العالَم، وعلاقة الذّات به، مشكلة زائفة؛ ذلكَ أنَّ الكائن الإنسانيّ بما هو موجود في العالَم؛ فهو موجودٌ بطبيعته دائماً خارِجَ ذاته.
إنَّ الذّات لا تحتاجُ بحالٍ من الأحوال أنْ تُغادِرَ فضاءَها الدّاخليّ، فهيَ ببنيتها الأوَّليّة موجودة في الخارج؛ إذ لا يوجد أيُّ انفصالٍ بينَ الكون والإنسان، وجميعُ الفعاليّات المُوحِّدة للذّات لا تكشفُ إلا تبعثرها وانفصالها عن نفْسها، فهيَ مكانٌ كُلُّهُ خارِجٌ وتشظِّ واختلاف.
وبهذا الفهم يحلُّ التَّعدُّدُ غير المُتناهي لِلذّات مكانَ الوَحدة والانسجام غير المُتناهي، وتسقطُ الهُوِيّة المُتعالية لتظهَرَ الانفصالاتُ التي تخترِقُ الذّات، وتقتحِمُ فكرةُ الغيريّة استقرارَها الزّائف ويقينَها الهشّ، مُؤكِّدةً أن الأصل هوَ انتشار الدَّلالة وتشتُّتها المُستمرّ باتجاه العُبور والتَّجاوز والانفتاح نحوَ المجهول. وهذا الفهمُ يقلبُ جذريّاً القانونَ الحركيَّ القديمَ للحداثة الشِّعريّة، حيثُ لا تعودُ الحركيّة تنطلِقُ من الخارج المُتبعثِر نحوَ الدّاخل المُتماسِك؛ وإنَّما تنطلِقُ بصورة نظَريّة توضيحيّة فحسب من الدّاخلِ نحوَ الخارج، أو لنقُل على نحوٍ مُباشَر: هي حركيَّةٌ موجودة في الخارج أصلاً.
إنَّ ما يُمكِنُ أن أدعوه بـِ(تعثُّر الكشف في الحداثة الشِّعريّة) ناجِمٌ عن تغوُّل ذات الشّاعر على العمليّة الإبداعيّة الشِّعرية؛ إذ لطالَما صادرَتْ هذه الذّات مُسَبَّقاً الشِّعرَ ورُؤاه وكشوفه، سواءٌ أكانَ ذلكَ فيما عُرِفَ بالشِّعر الرُّؤيويّ، أو كانَ ذلك فيما عُرِفَ بالشِّعر اليوميّ.
لقد تاهَ الشِّعر الحديث في ثُنائيّة ميتافيزيقيّة مُصطنَعة، فتوزَّعَ هذا الشِّعْرُ بينَ وهم إحضار المَعيش ومُطابَقتِهِ في القصيدة اليوميّة، ووهم إحضار الغائب ومُطابقته في القصيدة الكِّلّية. ففي الشِّعر اليوميّ عمِدَ الشّاعِرُ الحديث إلى إلحاق ذاتِهِ الشِّعريّة الافتراضيّة بذاته الوقائعيّة المَعيشة، فطوى قصيدتَهُ على مركزيّة العالَم اليوميّ المُسَبَّق، وتوهَّمَ أنَّهُ بذلكَ ينجو من الإيديولوجيا بالقبض على حركة الشُّعور في الكلام بوصفها قبضاً على سياقات العالَم الخارجيّ التي ينبعُ منها الكشف. أمّا في الشِّعر الرُّؤيويّ، فقد عَمِدَ الشّاعر الحديث إلى إلحاق ذاته الشِّعريّة الافتراضيّة بذاتِهِ الوقائعيّة المُؤدلَجة، والمُتكوِّرة على رُؤىً شموليّة، فظنَّ أنَّهُ يقبضُ بذلكَ وتبعاً لحركة اللاشُعور في اللُّغة على أنساق كُلِّيّة ينبعُ منها الكشف، غيرَ أنَّ هذا الفعل لم يكُن في معظم الأحيان سوى استجابة قَبْليّة تطوي القصيدة الحديثة على مركزيّات إيديولوجيّة تُصادِرُ مُسَبَّقاً الرُّؤى والمجهول.
وهكذا، سقطَتِ القصائد الحديثة في المُطابَقات الميتافيزيقيّة الزّائفة، وكشَفَتْ آليّات خَلْق العالَم الشِّعريّ فضيحةَ الحداثة وتناقُضاتِها، فهيَ من ناحية أُولى تنصاعُ لسُلطة الذّات الوقائعيّة التي تتحكَّمُ بها قَبْليّاً، وهيَ من ناحيةٍ ثانية، تمسَخُ هذه الذّات وتُفقِرُها عندما يتمُّ اختزالُها إمّا بمحتوىً إيديولوجيّ، أو بمحتوىً يوميّ ليسَ سوى إعادة تدوير مقلوبة للإيديولوجيا، ليخسَرَ الشِّعر الحديث بناءً على ذلكَ خُصوصيَّتَهُ الوجوديّة الجَماليّة، وتخسَرَ الذّات الشِّعريّة الافتراضيّة إمكانيّات انفتاحها الحُرّ المُختلِف نحوَ المجهول.
إنَّ الدَّعوة إلى مُجاوَزة ثُنائيّة (الشِّعر الرُّؤيويّ الشِّعر اليوميّ) البالية، هيَ في عُمقها دعوة إلى مُجاوَزة نسيان الوجود الشِّعريّ الأصيل، انطلاقاً من مُجاوَزة نسيان الوجود في العالَم، وهو الأمر الذي يُمثِّلُ إشكاليّة حداثيّة جوهريّة تمَّ بمقتضاها توظيف اللُّغة لصالح مُطابَقة المُسَبَّقات الإيديولوجيّة والتَّمركُز عليها، وهذا كانَ يعني في لُبِّهِ فصل اللُّغة عن الوجود بالتَّعامُل معها بوصفها أداةً ميتافيزيقيّة مُتعاليّة تستعمِلُها ذاتُ الشاعر الوقائعيّة تقنيّاً للتّحكُّم بعالَمها الخارجيّ والسَّيطرة عليه وطيِّهِ على مُطابَقات مركزيّة قَبْليّة.
ولعلَّ أصل الإشكاليّة في نظَريّات الشِّعر الحديث تعودُ إلى الفَهم الإبستمولوجيّ (المعرفيّ) للشِّعر، وذلكَ بمعنى أن يتمَّ فَهم الجَماليّ كأنَّهُ قيمة مُضافة من الخارج إلى اللُّغويّ، وليسَ ناجماً في صلب بنيته عن حركيّة الوجود في العالَم. ولهذا فإنَّ أوَّل خُطوة لِمُجاوَزة هذه الإشكاليّة تكونُ بإعادة الاعتبار لوَحدة اللُّغة والوجود بوصفها منبعَ الجَمال الشِّعريّ. وهوَ الأمرُ الذي يسمَحُ باستعادة الشِّعر أسئلةَ الذّات والوجود الأصلية، واستئناف الحداثة بما هيَ خيانة لكُلّ استقرارٍ وجُمود ومألوف، واحتفاء بكُلِّ تجاوُزٍ وتحوُّلٍ واختلاف. ولا يعني هذا التّفسير أنَّني أُروِّجُ هُنا لـِ( شعرٍ وجوديّ)؛ إذ لا يوجد شيء اسمُهُ ) قصيدة وجوديّة( و)قصيدة غير وجوديّة(، إنَّما يُمكِنُ القول إنَّ كُلّ قصيدة مُبتكَرة هيَ قصيدة وجوديّة. ويتّضِحُ هذا المنحى أكثَر عندما نعي أنَّ اللُّغة في فهمها الأصيل لم تعُدْ هُنا والوجود هُناك، فاللُّغَةُ ليست أداة اتّصال فحسب، وليست مُجرَّد وسيلة تعبير تحملُ المفردات والأفكار والمعاني: إنَّها المكان الذي يكشف فيه العالَمُ عن ذاته، وتتحرَّكُ ضمنَهُ حياةُ الإنسان. فالتجربِةُ الوقائعيّة ليست مُستقلّة عن اللُّغة، كأنَّها مرآتها، أو كأنَّ عناصرَ العالَم موضوعات موجودة خارج اللُّغة، ويتمُّ إحضارُها والتَّحكُّم بها ميتافيزيقيّاً؛ على العكس من ذلك: لقد أصبحَتِ اللُّغَةُ كينونةَ الإنسان، وأصبَحَ الإنسانُ كينونةً لُغويّة، وبات الوجود في العالَم وجوداً لغويّاً في أصله.
وبهذه الصّورة، يُمكِنُ للشِّعر الحديث أن يُعيدَ النَّظَرَ في مُنطلقاتِهِ الإبستمولوجيّة، وأن يبدأ بدايةً جديدة تُمَكِّنُهُ من فتح الشِّعريّ على مُمكناتِهِ الثَّرّة، انطلاقاً من تخليص الوجوديّ من قُيودِهِ القَبْليّة، ودمج حركيّته في حركيّة الخَلْق الإبداعيّ الشِّعريّ، ثُمَّ فتح الرُّؤى على المُستقبَل، وهو الأمر الذي يجعلُ الوجودَ لِلشِّعر مُحقَّقاً بدءاً من قاعدة أنَّ الشِّعر لِلوجود.
ثانياً: الذّات بوصفِها دازِناً، وحركيّة التَّخارُج:
لقد دَعَتِ الحداثةُ الشِّعريّة إلى تحرير الوعي من الأوهام والخرافات والأساطير، لكنَّها أَخْفَفَتْ إلى حدٍّ بعيد في تحقيق ذلكَ، لأنَّها استبدَلَتْ بتلكَ القُيود الكابحة قيوداً أخرى، وهيَ المسألةُ التي تجعَلُ تثويرَ الحداثة قضيّة مُلِحَّة تبدأُ بخيانة أوهامِها المُتراكِمة، بهدف الوصول إلى حداثة حُرَّة جديدة تتعيَّنُ بالانتقال من مدار تحرير الوعي إلى مدار تحرير الوجود!
إنَّ الشِّعر الجديد هو الشِّعر الذي لا يكفُّ عن الكفاح على طريق التَّخفُّف من تحكُّم الذّات بِمُنفتحات عالَمه، مُتحوِّلاً من قصديّات الوعي إلى قصديّات الوجود، وناقلاً مركز ثقل الذّات من الوعي بوصفِهِ سُلطة مُسَبَّقة كابحة، إلى الوجود بوصف الإنسان موجوداً في العالَم بطبيعته، ومفتوحاً بأصله على المُمكنات المُحتمَلَة بما هيَ ظواهر يكشفُها الوجود الذي يتَّجهُ إليه، فتنبسِطُ فعاليّاتُهُ أمامَهُ، وبأساليب وكيفيّات مُتعدِّدة ومُتنوِّعة في عالَم الخبرة المعيشة.
وأريدُ بهذا التّأويل أنْ أحتفيَ بدلالتيْن جوهريتيْن؛ أوَّلهما تتعلَّقُ بفكرة أنَّ وجود الإنسان خارج ذاته، وتحطيمه الدَّؤوب لوهم المُجاوَرة بينَ كائن يُسمَّى الموجود البشريّ، وفضاء آخَر يُسمَّى العالَم، يسمَحُ لقصديّة الوجود أن تنقُلَ مفهوم الذّات إلى مفهوم أوسع أصطلح عليه بـِ (الدَّازِن) المأخوذ من مُصطلَح (Dasein) الألمانيّ، والذي أشتقُّهُ عربيّاً على وزن ( فاعل)؛ وهوَ يعني وجود الموجود البشريّ في العالَم بما هو وجودٌ يُجاوِزُ ثنائيّةَ الحداثة الشِّعريّة الميتافيزيقيّة (ذات موضوع(، ويُفَسِّرُ القصيدة بناءً على ذلكَ بوصفها أوَّلاً وأخيراً وجوداً وكينونة.
وترتبطُ الدّلالةُ الجوهريّةُ الثانية بما اصطلحتُ عليه بمصطلح )التَّخارُج( على وزن (تفاعُل)؛ والتَّخارُج مُشْتَقٌ من الخارج؛ أي المعروض في الخارج، والذّاتيَّةُ تستمدُّ ماهيَّتَها من كونها (دازِناً) موجوداً ومُنكشِفاً في العالَم الخارجيّ، وتخارُجُ الدّازِن هو الحركيّة القصديّة التي تبسطُ بها هذهِ( الذّاتُ الدّازِنُ) المُتَّجهة نحوَ العالَم أساليبَ وجودها المختلفة فيه، إذ يحدث التَّفاعُل بينَ الذّات وعالَمها، لتنبسِطَ بناءً على هذا التّفاعُل أساليبُ وجود الدّازِن في العالَم.
وهكذا، ينتقلُ( الدّازِنُ) بمفهوم الذّات نحوَ مُجاوَزة النَّظَر إليها بوصفها ذاتاً إنسانيّة مُتعالية ومُجرَّدة ومُنفصِلة عن العالَم، ليُنظَرَ إليها بوصفها هي نفسها أساليب وكيفيات وجودها المُتنوِّعة في العالَم. وهو الفهم الذي يعني أنَّ ( الدّازِنَ الشَّعريَّ) يبسطُ أساليبَ وجودٍ جديدة في العالَم الشِّعريّ ليسَتْ سوى شيء النَّصّ غير المحدود، والذي يُعرَّفُ بأنَّهُ ذلكَ الانفتاح المُتعلِّق بالإمكانيّات الجديدة النّابعة من قدرة( الدّازِن الشِّعريّ) على أن يقذفَ نفسَهُ خارِجَ ذاته، ويُولِّدَ عالَماً شعرياً جديداً يُمثِّلُ زيادةً في الوجود.
شاعر سوري
مازن أكثم سليمان