1-المبتكر الشارد
____________
قبل أنْ أختفي، كنتُ قوي الخيال
كنتُ أبتكرُ رَجُلاً حالما أستيقظ، وكان ذلك الرجُلُ هو أنا
إثر ذلك يصير كل شيء ممكناً
فالرجل الذي هو أنا يبتكر لنفسه اسماً وأسرةً ووضعية اجتماعية
ثم إنه يشيد منزلا و يتخذ له في المنزل شقة و في الشقة أثاثاً
ثم بحركة من يده يُوجد لنفسه ثيابا وجوارب
وحذاء و محفظة جلدية مليئة بالملفات المهمة
بعدها كان الرجل، الذي هو أنا، يتوجه نحو باب الشقة
وعندئذ كنتُ أبتكر أولَ الأصوات المنبعثة من الخارج
في الطابق السفلي جارٌ يَزجر كلباً و الكلب يَهرّ
ويخربش بمخالبه محاولا أن يخرج
فوق سطح شقتي: لا شيء
لقد أسكنتُ نفسي في الطابق السادس كي أكون قريبا من ضوء
النهارِ، ما دمتُ قد ابتكرتُ سماء صافية في الأعلى
لكنني أصبتُ يوما بالشرود
أو لعلي تعبتُ من الابتكار
وحين فتحتُ باب الشقة كنتُ قد نسيتُ ابتكارَ السلالم
تمددتُ على بطني أمام الباب و طفقتُ أنظر إلى أسفل:
لا شيءً سوى الفراغ !
يالي منْ معتوه ! حتى الشارع نسيتُ أن أبتكره
وحتى اسم المدينة، التي كان ينبغي أن يوجد فيها الشارع لم يخطر لي ببال
حينئذ، شرعَت الدارُ تطفو على الفراغ
بسمائها الهادئة ، بالجار وكلبه
كانت وجهتنا مجهولة وكان الفضاء يهدهدنا
مثلما تهدهد الأمواج مركبا في البحر
2- الرجل العنيد
___________
في منتصف الليل
كان يَطلب الشمسَ
كان يريد الشمس
كان يُطالب بالشمس
في منتصف الليل، أجل
في منتصف الليل
(هل تتصورون أمرا كهذا ؟)
الشمس ! كان يصرخ
الشمس! كان يقول بلهجة آمرة
الشمس ! الشمس !
قيل له: ‘لماذا تَطلب الشمس ؟’
أجابَ: ‘لأنني أريد الضوءَ
أريد تسليطَ الضوء
على هذه القضية الدنيئة’
قيل له: ‘أية قضية دنيئة؟’
أجاب: ‘القضية الدنيئة
القضية الدنيئة التي هي حياتي هذه
أريد تسليط الضوء
على هذه القضية الدنيئة بكاملها’
قيل له: ‘حياتك؟
منذ متى كانت لك حياة أيها الشقي ؟
أنتَ لم تعش فيما مضى
سوى حياة الآخرين
ومن الواضح أنك شديد الاعتداد بنفسك
ما دمتَ تتحدث عن هذه الحياة
كما لو أنها حياتك
فإذا أنت تماديت فيما أنت فيه
فسوف يتم اعتقالك’
أجاب قائلاً: ‘أنتم تغيرون وجهةَ الحديث
أكلمكم عن الشمس
وتكلمونني عن الشرطة’
قيل له: ‘أنتَ تبحثُ عن المتاعب
إذْ تطالب بالشمس
في منتصف الليل
ومن يدري؟ فقد تطالب غدا بالظلمات
في وضَح النهار !’
أجاب قائلا: ‘و ما الذي يمنعني من ذلك؟
أنا لا أفقه شيئا في حساب الساعات
لستُ أعرف الحساب
ولستُ قادرا على اكتساب هذه العادة
أو تلك
كل ما أعرفه الآن
هو آن هناك ظلاما حالكا
وأنني وسط هذا الظلام الحالك
أطلب الشمس !
ورغم الجهد الذي بذلناه
لم نستطع أن نُسعفه
ولو ببصيص من ضوء الشمس
في ذلك الظلام الدامس
الذي كان يغمره بأكمله
وعندئذ
حتى لا يَستسلم
عندئذ
فتحَ عينيه على ضوء آخر
مختلف تماما
ثم مات.