لم يقتل المتوسط «إيلان شنو» بل قتل الإنسانية

حجم الخط
1

«من غُصَّ داوى بشرب الماء غصته فكيف يصنع من قد غُصَّ بالماءِ».
كأني بهذا البيت من شعر» أبي بكر بن أبي داود « يلخص الحالة الّتي وصل إليها أكبر عدد من اللاجئين السوريين الفارين من جحيم الموت، عبر البحر المتوسط الذي أصبح وحشاً كاسراً، كلما تلاطمت أمواجه أبتلعت عشرات السوريين الفارين، الباحثين عن الأمن المفقود في موطنهم سوريا،التي مزقت أوصالها براميل طائرات الأسد، المنصبة عليهم مثل حبات مطر موت وليس مطر سقية ورحمة، كما قطعت حواجز نظام الأسد ومراكز جيشه الوطني كافة السبل أمامهم، فلم يكن لهم بديل عن ركوب البحر الذي لم يكن أقل قسوة من براميل الأسد وحلفائه ومواليه.
من دخل ديار أوروبا فهو آمن، هكذا ظن أو كان يظن بعض أو كثير ممن لجأ أو كان له محاولة اللجوء إلى أوروبا من السوريين، فإذا بأوروبا تتخبط بين معارض ورافض ومرحب وما بين متهم ومشكك في «داعشية» اللاجئين الفارين من الموت إلى ديار «أوروبا». وإذا ببحر أوروبا يبتلع أحلامهم في البحث عن حياة.
لم يكن صيفا هذا العام دافئا بل كان صيفاً بـاردا ببرودة «الموت» الذي سيق إليه الآلاف من السوريين ليكونوا طعاماً لأسماك البحر التي لم تكن رحيمة بهم كما لم يفعل «بشارالأسد» المسبب الأول لمأساتهم المستدامة التي لا يعرف لشمسها غروب.
لم يقتل على شاطئ المتوسط إيلان شنو بل قتلت الإنسانية بموت طفل الإنسانية، الذي أغرق معه كل صوت أدعى أنه مقدس لحقوق الطفل وشرعة حقوق الانسان المزعومة، هو الطفل الكردي البالغ من العمر ثلاث سنوات تربعت صورته على معظم وسائل الإعلام العالمي والمحلي، ليتحول إلى رمز من رموز الإنسانية كما كان «محمد الدرّة».
إيلان شنو الذي قذفت أمواج المتوسط المفترسة جسده النحيل، كي يوصل رسالة إلى المجتمع الدولي والإنساني، مفادها أعلم أنكم ستبكونني يوما أو يومين وربما ثلاثة، وأعلم أنني سأدفن في وطني، ولكنني أعلم أيضاً أنني لست الطفل المقدس عندكم وروحي ليست عزيزة عليكم كما هي أرواح ملايين السوريين التي أزهقها نظام الأسد، ولكن لي رجاء قبل أن أدفن تحت التراب وتدفن معي قصتي والإنسانية جمعاء، أن تتذكروا من سيموت بعدي من أطفال فأنا منهم وهم مني، فماذا أنتم فاعلون؟؟.
قد حرك الطفل السوري الغريق، مشاعر آلاف الأوروبين بين باك وشاك ومتخوف فكانت نتيجته مزيدا من التخبط على مستوى صناع القرار الأوروبي.
ومازال هذا التخبط على مستوى الدول الأوروبية مستمرا، رغم ما تم أخيراً من تداعي بعض الدول النافذة هناك إلى وضع استراتيجية موحدة لمواجهة هذا التسونامي البشري القادم من الشرق، ومع ذلك لاتزال دول مثل بريطانيا تفضل المقاربة الأمنية على غيرها فهاهي تزج بمزيد من الحرّاس والكلاب البوليسية وتفرض عقوبات مالية على أصحاب الشاحنات التي يشك في أنها حملت بعض اللاجئين، رغم أن تصريحات رئيس الوزراء البريطاني عن رغبة بلاده في استقبال عدد من اللاجئين السوريين على أراضيها.
ويظل السؤال معلقاً، هل غرق الطفل السوري المستضعف بالأرض على شواطئ المتوسط وما أثاره غرقه بهذه الطريقة المؤلمة، هل سيقود غرق الطفل »ألان شنو« إلى حراك حقيقي ينهي مأساة مابقي من أطفال سوريا،أم أنها زوبعة في فنجان سرعان ما تنتهي؟
«لا يحق لكم اليوم أن تطردوا السوريين، وأن توصدوا أبوابكم ونوافذكم في وجوههم وتقطعوا لهم آخرسبل النجاة بأهليهم وأنفسهم من المحرقة السورية .
الدول الأوروبية تحصد ما زرعته، عندما صمّت أذانها عن صرخات أطفال سوريا، وتعمدت عدم تقديم مقومات الصمود للأهالي في مناطقهم المنكوبة، وردع نظامي «الأسد، ونوري المالكي» وظلت تراقب عن بعد المجزرة المستدامة بحق السوريين، ساكنة »سكون المقابر في ليل طويل «.
على دول المجتمع الأوروبي مجتمعة أن تنحي الجانب القانوني والعنصري، وتغلب الجانب الأخلاقي من أجل مساعدة آلاف الأشخاص الذين غامروا بحياتهم من أجل الوصول إلى الحلم الأوروبي.
ليس مقبولاً اليوم أن تقوم دول مثل «بلجيكا و سلوفاكيا» أن تتحدث عن استقبال لاجئين من دين معين «مسحيين» بما يشير إلى نوع من التعصب، والعنصرية، وما بينهما من تشكيك في فئة معينةه من اللاجئين ينتمون لدين مخالف.
ولا يفيد اللاجئين بشيء، ما تم تبادله من اتهامات بين قادة بعض الدول الأوروبية مثل ما فعل، وزير الخارجية الفرنسي، لوران فابيوس،فقد هاجم الحكومة المجرية هجوما لاذعاً بسبب ما أسماه السياسة «المخزية» التي تتعامل بها المجر مع قضية اللاجئين، ولن ينقذ السوريين أو يضمن تأمين المفقود، مطالبات النمسا، فقد طالبت ألمانيا على لسان وزيرة داخليتها، يوهانا ميكل لايتنر، بتوضيح موقفها من قواعد اللجوء في أوروبا والتي تستند إلى ما يعرف بلائحة «دبلن»،
ليس من المنطقي والمعقول في حال كان هناك من مازال يؤمن بهذه العبارات أن تتحدث يعض الدول عن منظومة القيم الأوروبية، وسواحل أوروبا تبتلع مزيد من اللاجئين السوريين.
ولم يعد مقبولاً وليس من الإنسانية بشيء، أن يقول رئيس الوزراء المجري، فيكتور أوروبان: أن «الذين اقترحوا نظام الحصص للمهاجرين، يعلمون أنه ليس حلاً، والبحر مستمر بأبتلاع عشرات الأرواح البريئة المستضعفة في الأرض.
عندما تكتفي دول الاتحاد الأوروبي ومن خلفها حلف «الناتو» بمتابعة الأخبار التي تصلهم عبر نشرات الأخبار أو مواقع التواصل الإجتماعي التي تتحدث عن تدمير سوريا الوطن والإنسان، ويكتفون بإصدار تقارير إنشائية تحمل ما تحمله من عبارات الشجب والإدانة عليهم أن يدركوا أن الشعب السوري سئم تكرارها، وستكون النتيجة الحتمية سيلا جارفا بل طوفانا من المهاجرين »غير النظاميين « يطرقون أبوابكم بحثاً عن الأمان وذلك بسبب أن دولكم في الأصل لم تمكنهم من الاستقرار في بلدانهم، ولم تقدم لهم ما يدافعون به عن أنفسهم ضد القتل المستدام الذي تقوم به مليشيات طائفية عابرة للحدود.
يظل السؤال معلقاً، هل غرق الطفل السوري المستضعف بالأرض على شواطئ المتوسط وما أثاره غرقه بهذه الطريقة المؤلمة، هل سيقود غرق الطفل إيلان شنو إلى حراك حقيقي ينهي مأساة مابقي من أطفال سوريا،أم أنها زوبعة في فنجان سرعان ما تنتهي؟
لم يعد الوقت يسمح أو يتيح لقادة العالم أن يراقبوا الموت المستدام في سوريا عن بعد، ولم يعد الوقت متاحا بالقدر الذي يسمح بتمرير كل تلك الجرائم بحق الإنسانية، وأن تظل أوروبا ساكنة سكون المقابر في ليل سوريا الطويل.

ميسرة بكور
كاتب وباحث سياسي سوري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية