لا جديد سوى المزيد من الغموض في تصريحات رئيس الوزراء الأردني الدكتور عبدالله النسور حول وجود «مليوني» فلسطيني ضمن حزمة الأجانب واللاجئين في الأردن.
مع التقدير الشديد للحكومة ولرئيسها الصديق لا زالت قواعد اللعبة هي نفسها عندما يتعلق الأمر بنقاش المكونات ودستورية «المواطنة» في الأردن.. عبارات مغمغمة ومباغتة وتثير الجدل وبدون شفافية ووضوح وتكتم غير مبرر يثير القلق أكثر ما يدفع للاستقرار وللمنهجية العلمية.
خمسة وزراء سابقين، واحدهم حالي، سألوني شخصيا عن مقاصد الرئيس النسور وعن الرقم الذي ذكره على هامش مؤتمر استثماري..حتى الطاقم الوزاري العامل مع النسور لا يعلم ولا يعرف عن ماذا يتحدث الرئيس.
خلافا لعشرات السياسيين والأصدقاء الذين طالبوني باعتباري متابعا «مناوب» لقصة الأرقام الوطنية بمعرفة سر الرقم الذي استعمله النسور وهو يتحدث عن مليوني فلسطيني في الأردن ضمن قائمة الضيوف واللاجئين وهو عدد زاد وترعرع ولم يتضح بعد ما إذا كان يتحدث عن النازحين او اللاجئين الأردنيين او اللاجئين غير الأردنيين او الذين سحبت منهم أرقام وطنية أو الحاصلين على جواز سفر من فئة «بلا».
تلك بطبيعة الحال مسألة لا تخص النسور وحده فأن تكون بيروقراطيا في الأردن وخصوصا من الحرس القديم يعني ان تسترسل في التعليقات غير الواضحة وفي اللغة المطاطة والمفردات حمالة الأوجه كلما طرح سؤال عن المواطنة والهوية.
ويعني ايضا ان تغمز وتلمز ثم تفاجئ من يستفسر منك بقاعدة مترسخة في الذهن الجماعي للمستوى البيروقراطي وتقول: لا تتحدث عن المشكلات فالظروف لا تسمح خصوصا إذا كانت المشكلة تتعلق بمكونات المجتمع.
لم أسمع في العالم زعماء سياسيين يرفضون التحدث عن مشكلات بلادهم وأخطاء اداراتهم كما سمعت في بلدي الأردن.. نخبتنا متميزة جدا في السكوت عن الحق والباطنية في التحليل رغم ان كل قواعد العلم في الدنيا تقول بان بداية حل أي مشكلة تبدأ من الاعتراف بها.
لا تستطيع اعداد طبق من «العجة بدون تكسير بيض» إلا في حالة النخبة الأردنية التي تنشد وتغني بالمشكلات ليلا نهارا لكن عند الاستفسار منها تعالجك بقاعدة «دع الخلق للخالق» او بمقولة «معيب ان نتحدث عن أخطاء الدولة او الادارة».
لا اعرف فعلا طريقة لحل أي مشكلة ادارية بدون التحدث عنها ولا لمعالجة أي خطأ بدون التحدث عنه إلا إذا كان بامكان الفصيحين في النخبة اياها إعداد طبق العجة فعلا بدون تكسير البيض أو حتى بدون بيض من أساسه.
مشكلة المكونات وتحديد من هو «الأردني» ومن هو «المواطن» مزمنة ومتجذرة في الحالة الادارية الأردنية… فقط عند هذا المنحنى يطالبك الجميع بالسكوت فيما تتلاعب الحكومات بالحقائق وهي تخيف الناس من بعبع التوجس من «خدمة اسرائيل».
عندما يتعلق الأمر بتسييس الأرقام وتحصيل مصالح يتحول اللاجىء «الأردني» إلى رقم حقيقي ومواطن «فُل أوبشن» لكن عندما يتعلق الأمر بقانون الانتخاب وتقسيمات الدوائر ومحاصصات الوظائف البائسة يصبح الحديث عن الأرقام والعدالة والانصاف والمواطنة ضربا من الخيانة.
هو تقليد قديم بكل الأحوال.. إخفاء الأرقام الاحصائية الدقيقة واخراجها فجأة بناء على بوصلة سياسية وإرباك الجميع..تبرز هذه اللعبة فقط عندما يتعلق الأمر بالفئات الاجتماعية وستحصل على جائزة إذا وجدت مسؤولا واحدا في البلاد يتحدث معك بلغة الأرقام الحقيقية للأردنيين من مختلف تصنيفاتهم.
أي نقاش في المسألة الاحصائية خصوصا عندما يتعلق الأمر بالديمغرافيا والمكونات سيقودك فورا إلى علبة الاتهامات الموسمية التي تبدأ من العمالة لاسرائيل وتنتهي بالتوطين والوطن البديل وبالجاسوسية في بعض الأحيان.
بالمقابل لا يتهم اي موظف أو مسؤول بأي شيء وهو يعرض الأرقام بالقطعة وبصورة غير شفافة حتى لو أدت الأرقام المسيسة الغامضة الخالية من الشروحات لأي «شروخات» في جسد الوحدة الوطنية أو أثارت أي نقاشات لا مسوغ لها.
والأرقام الحقيقية الشفافة تختفي تماما من المشهد عندما يتعلق الأمر بكل ما له علاقة بالضفة الغربية وبقرار فك الارتباط وحملة البطاقات الخضراء والصفراء..هنا تحديدا الأرقام والتعليمات الحقيقية «سر نووي» لا يمكن ولا يجوز ومن المعيب التحدث عنه.
تعليمات فك الارتباط لا زالت سرية وتنمو كالخيار المهرمن في الظل والعتمة ولا يوجد مواطن أردني من جماعة الارتباط يعرف ان وضعه أصلا قانوني أم غير قانوني لأن أهواء الموظفين وأحيانا الأجهزة الأمنية هي التي تحكم حقا دستوريا مثل المواطنة.
لا تعلن السلطات أرقام حملة البطاقات ولا ارقام من سحبت منهم قيودهم المدنية ولا أرقام من تطبق عليهم أو لا تطبق تعليمات فك الارتباط التي غادرت نصها الأصلي تماما لأن التعليمات لا زالت مصنفة في بند «سري ومكتوم».
شخصيا أقولها وأجري على الله.. أشك في أن الإخفاء المقصود لهذه الأرقام والتلاعب بها احيانا يستهدف حماية الأردن والتصدي للوطن البديل أو حتى حماية النظام لأن مضار إخفاء الأرقام أكبر بكثير من كشفها.
إعلامي أردني من أسرة «القدس العربي»
بسام البدارين