لا نستطيع أن نفرض حلاً

حجم الخط
1

في كل مرة نصطف جميعاً أمام خطاب سياسي يتناول الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان وقضايا العالم، يحدثنا كثيرون من أرباب السياسة في بعض دول العالم عن حقوق الشعوب وكرامتها وأولوياتها وضرورة تطبيق القرارات الدولية والتدخل لتوفير تلك المفاهيم لصالح الناس المنادين بها، لكن ما أن يأتي الحديث عن الفلسطينيين حتى تتغير المفاهيم وتنقلب نوابض المنطق.
مع تعاظم ثورات الربيع العربي المزعوم تعالت الأصوات بضرورة كسر القيود وحماية مفاهيم الحرية واحترام قرار البشر في الانعتاق والكرامة والديمقراطية، وإنفاذ أحكام القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية.
وقد جاء ذلك متمماً لمحطات تاريخية رأينا فيها تدخلات عسكرية وفرضاً لعقوبات اقتصادية، وإعلاناً واضحاً وفعلياً لمناطق حظر الطيران، وتزويداً لجيوش متعددة بالسلاح وتحريكاً لترسانات عسكرية وصنوف العتاد والجيوش على أشكالها، بحجج السعي لضمان حرية البشر وكراماتهم وتخليصهم من عتاة الغاشمين.
وفي التاريخ القريب شواهد لتحالفات وأحلافٍ وحروبٍ ومعارك وقرارات متزايدة لمجلس الأمن، وتدخلات عسكرية ولجان تحقيق وإصرار كبير على تغيير الأمر الواقع وإزاحة حكام وزعماء والإتيان بغيرهم.
لكن ما أن يأتي الخطاب على الفلسطينيين فإن منطق البعض العقيم ينصب على عدم إمكانية فرض حل ما أو تطبيق قرارات الشرعية الدولية، أو حتى إنفاذ أحكام القانون الدولي، بل يقتصر الحديث على أن الحل لن يأتي سوى من قبل الطرفين وبقرارهما المشترك وبإرادتهما القائمة على التفاوض المشترك والوصول إلى صيغة نهائية لحل الصراع.. سبحان الله.
احتلال لم يقبل في مفاوضاته سوى الدخول في نقاشات استنزافية لعقدين من الزمن، بينما يقتل مع صبيحة كل يوم المزيد من الأرض العربية دونما رادع أو ضغط من جهة ما، هذا الاحتلال سيقبل بحلٍ مشترك ووفاق مع خصمه، واتفاق لحل الصراع مستند لقرارات الشرعية الدولية؟ كيف وهذا الاحتلال يدعي رغبته بالسلام، بينما يفعل عكس ذلك تماماً ببنائه المستوطنات وجدار الفصل العنصري وحصار القدس وغزة، ورفضه إطلاق سراح الأسرى واستمراره في تهويد الأرض وسرقة الماء ومصادرة ابسط مقومات الحياة؟
منطق أعوج ومقلوب يدل على قرار انبطاحي لدى أصحابه، يقيهم من حنق لوبيات الضغط الصهيونية، التي لا ترى سوى إسرائيل اليوم، ولا تفكر بالغد ومستقبل دولة يستمر قادتها معتقدين بأنهم بالجدار والحواجز والمستوطنات والاعتقال سيضمنون مستقبلا زاهراً لأبنائهم.
محتل يدعو للمفاوضات دونما شروط ، بينما يشترط يهودية دولته وعدم العودة لحدود حزيران 1967 ويصر على تنازلنا عن حق العودة والقدس لتبقى له عاصمة أبدية كما يقول.
إذا هو يشترط ويلتهم ويعتقل ويبتلع والعالم المتردد يدعونا لنتحدث مع هذا الاحتلال، والوصول إلى صيغة توافقية تشكل أساساً لحلٍ نهائي، بل يقر البعض بأن أشهراً محدودة تفصلنا عن انتهاء حل الدولتين بالكامل.
منطق يقول بعض المتنورين في إسرائيل بأنه يفرض الحل على الضحية من دون أن تنال الضحية حقوقها فعليه تكون حكومة إسرائيل قد تجاهلت الدعوات الداخلية المحذرة من عواقب الاعتداد بالنفس وبسط القوة والغطرسة.
إن الفلسطينيين لا يطلبون الأساطيل والسلاح والبطش والقتل، بل اننا نقف ضد أية قطرة تنزف من أي من أبناء البشر بغض النظر عن دينهم وعرقهم. المطلوب حقيقة هو طلاق العقلية الانبطاحية أمام إسرائيل وكأنها أكبر من البشر والقانون الدولي والقرارات الدولية. المطلوب ضغط اقتصادي وسياسي ومعنوي وتنفيذ لقرارات الأمم المتحدة على أرضية حل الصراع، لا السماح لإسرائيل بالتمادي فتفصل للفلسطينيين الحل كما تراه هي فتؤسس من جديد للشرارة الأولى لصراعٍ يتجدد.
يقول البعض بأن الإحرار هم من يصنعون السلام والسلام لن يحققه الفلسطينيون دونما حرية وعدالة، لذلك كفى لسياسة العجز المطبق أمام المحتل.
إن حل الصراع على أرضية العدل ستضمن للجميع حياة كريمة، لكن رفض الحق بالحياة للفلسطينيين ربما لن يمنع الشباب الفلسطيني، الذي أقرأ باهتمام ما يقوله عبر شبكات التواصل الاجتماعي من الضغط على قيادته لرفع سقف المطالب لتكون حيفا وعكا والمجدل جزءاً من الدولة الفلسطينية الوليدة.. مرة أخرى التزاماً بقرار دولي سابق (قرار التقسيم) الذي جمع كغيره غبار الأيام والعقود.
كاتب وسياسي فلسطيني

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية