كل الـذي تـعرفه ذاكـرتي عن وصـول المسؤولين الكبار هو أنه يتم اقتـياد البشـر إلى حيث يجيئون سواء أكان المقتـادون موظفين أو مدرسين أو طلابا أثناء الـدوام أو بعده، ويتم إجبارهم على حمل صور للقـائد قد خرجت من المـستودع بعد تنـظيفها عدا تلـك المعـلقة في كل مكـان باستـثناء دورات الميـاه، أو إجبـارهم على حمـل لافتـات ربمـا لـم يقـرؤوها تحـمل كلمـات تحمد الله سبحانه أنه منـح سـوريا الرئيـس الأسـد الأب و بعده الابن ، وكل من لم يحضـر حتـى لأسـباب صحية كان يتم التعامل معهم على أنهم كفرة، كانت كثـيرة تلك الباصـات التي كـانت تنـطلق من مـراكز الـمدن إلى المـحافظات حـين يزورها مسـؤول كـبير أو تكـون هـناك مناسـبة.
لم تكن الزيارة التي قامت بها المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل إلى مدينة إيسن التي أقيم فيها منذ سنة ونصف لأجل دعم مرشح حزبها لرئاسة البلدية مشابهة لزيارة الرئيس بشار الأسد لمدينة القامشلي، كنت أحاول بين الحين والآخر أن أوقظ ذاكرتي بأن زعيمة هذا البلد ستزور أبناء إيسن في مدينتهم فلماذا حركة المرور والباصات عادية، ولا يتم قطع الطريق وتترك السيارات على الطرقات، وليذهب الناس إلى الجحيم فالمسؤولة الكبيرة عن هذا البلد ستزورهم.
على الرغم من أني كنت أعي أني في بلد أوروبي ولا سيما ألمانيا فلماذا تأتيني هذه الأفكار، ربما كان الأمر متعلقاً بذاكرة لا تستطيع التعامل مع مشهد جديد عليها، لذلك كانت مصرة على الخروج بكل مافيها من صور، صور قطع الطرقات حين كان رئيس فرع أمني أو أبنه يتجول في شارع ما.
استعداداً للقاء ميركل ولأجل أن أكون من الذين يستطيعون رؤية هذه الزعيمة التي تعتبر قائدة أوروبا، ولم يبق حدث مهم على مستوى العالم إلا وشاركت فيه، كنت حاضراً قبل موعد كلمتها بساعتين لأحجز مكاني في الصفوف الأمامية، كانت هناك استعدادات فنية أخيرة للحفل، كلما كان يمر الوقت كنت ألتفت حولي لأسعد نفسي حين يأتي الآخرون بأني جالس في الصفوف الأمامية، لكن هذا الشعور كان صعباً، حيث حتى إلقاء ميركل لكلمتها كان يستطيع أي شخص الوصول إلى الكراسي الأمامية.
ثمة موضوع سرق مني راحتي على امتداد الساعات التي حضرت فيها المكان الذي كانت ستأتيه ميركل، وهو كيس كبير لأغراض كنت أخطأت في توقيتها واشتريتها بالإضافة لبعض الأوراق الشخصية، وباعتبار ملامحي شرق أوسطية كنت أخشى أن يقوم رجال البوليس الذين كانوا قادمين لتنظيم لحراسة المناسبة بتفتيشها وهذا ما كان سيؤلمني، إلا أن الساعات كلها مرت دون أن يقترب أحد مني ودون أن ينتشر القناصة على أسطح المباني لحراسة ميركل.
بعـد انتهاء مرشح حزب ميركل من كلمته والاسـتعداد لقدومها، قام بعض المنظمين الشباب من حزبها بتوزيع حبلين على طرفي الطريق الذي ستأتي فيه ميركل من الكنيسة إلى المنصة لكي تستطيع المرور بينهم،علماً أن المسافة بينهما كانت اقل من مئتي متر، فوجئت بنفسي أني أحمل الحبل واقوم بحراسـتها مجازياً، إلى ذلك الحين أيضاً كنت أتوقع قدوم الحشـود الكبيرة على غرار ماكان يُجيء بالناس في سـوريا حين زيارة الرئيس إلى مكان ما، كل لحظة كنت أنقص من أهمية المسؤول في بلدي والناس الذين يُجيء بهم إلى ساحات إلقاء كلماتهم حتى وصلت إلى المحافظ، للأسف خابت توقعاتي و الحضور كان قليلاً لم يتجاوز عدد المئات وأغلبهم كان من أنصار حزبها والأجانب .
كنت أتبادل مع صديق لي المزاح وأقول له: لن أسمح لك بأن تقترب من ميركل فأنا أمسك الحبل واحرسها،وإذا بميركل تقترب، حين وجدت البعض من الحاضرين يمدون يدهم لمصافحتها أحسست بنفسي أنه يجب القيام بشيء مماثل فقمت بمصافحتها.
لم يرو لي جدي ولا أبي أنهما كانا قريبين لمسافة متر كما حدث بيني وبين ميركل من بشار الأسد ولا وأبيه وهما اللذان ماكان ولم يكن في سوريا رئيس غيرهما منذ 45 سنة، وكل شيء في ذاكرتهم عن هذين الرئيسين يتعلق بالمجازر والقتل والإعتقال والرعب و الإكراه .
لو أن ما حدث لميركل وهي تلقي كلمتها حدث لبشار الأسد وهو ما قام به المعارضون لها بالهتاف ضدها ورفع لافتات لا تبعد عنها إلا حوالي مئتي متر لكان أمر بدفنهم في الأرض التي احتجوا فيها هذا ناهيك لو أنهم قاموا باستخدام صفارات في غاية الإزعاج على مدار كلمة ميركل التي لم تتفوه بحرف لهم ولا كان للشرطة الحق في منعها لأجل ألا تصل ميركل رسالتها للجمهور.
بعد أن أنهت ميركل كلمتها وقبل نهاية الحفل، سمعت موسيقى نهـض الجالسـون معها ووقفوا باحترام تأكدت من أنه النشـيد الوطني الألماني كانت سيكارتي بيدي رميتهـا على الأرض وأطـفاتها ووقفـت احـتراماً لنـشيد بلـدٍ يفتحـون بيوتهم لأخـوة حـين يقـتلون بعضـهم.
كرم يوسف