كثيرا ما نقرأ: (هيمن الخوف والرعب) على الناس.
أو: (هيمن العدو على مقدرات البلاد).
وهو أسلوب شائع منتشر، ولكنه لا يعبر في اللغة الفصيحة عن المعنى المراد.
نبدأ من (أمِنَ) وهو لفظ دالّ على الطّمأنِينة. وهذا المعنَى باقٍ في جميع اشتقاقاته. إذ هي ضدُّ الخوف، واشْتُقّتْ من هذا الجذر ألفاظ منها (همن) حيث تغيّرت الهمزة إلى الهاء. فلفظ (المهيمن)، هو من (همن) وهذا الأخير تطوّر في الجذر (أمن) ومن ثَمّ جعل اللغويون والمفسرون معني المهيمن: الشّاهد. ولكن الاستعمال القرآني لا يساعد على الأخذ بذلك، فلنقرأ هاتين الآيتين: «وأنزلنا إليك الكتابَ بالحقّ مصدّقا لما بين يديه من الكتاب ومُهَيْمِناً عليه» (المائدة 48). «هو اللّهُ الذي لا إلهَ إلا هو الـمَلِكُ القُدّوسُ السَّلامُ المؤمنُ الـمُهَيْمِنُ» (الحشر 23).
• أمّا أولاهما فهي في سياق الحديث عن الكتب السّماويّة التي سبقت القرآن الكريم، و(هيمنته) عليها. وقد اضطربت أقوال المفسّرين فيه كثيرا، فالذين لحظوا معنى (أمن) فيه انقسموا إلى فريقين، ما بين قائل إنّ معناه (أمين عليه وشاهد) وقائل (مُؤْتَـمَن). والذين لم يلحظوا ذلك اختلفوا على ثلاثة معان: شاهد، حفيظ، رقيب. واختلف الفريقان إلى قائل بأنّه صفة للكتاب، وقائل إنّه صفة للنّبيّ. ولا شكّ في أنّه صفة للقرآن الكريم بدلالة أوّل الآية «أنزلنا إليك الكتاب» ولم ينزل على النّبيّ الأكرم إلا القرآن العزيز، ثمّ هو معطوف على قوله «مصدّقا» وهذا حالٌ للكتاب المذكور أوّلا.
ونستبين مـمّا مرّ أن (مُهَيمنا) هنا يمتزج فيه معنيان، معنى الرّفق والدَّعَة والأمان، ومعنى السّيطرة، وبامتزاج المعنيين يتهذّب معنى السّيطرة لتصبح «سيطرة» من نوع خاصّ يتضمّن الأمان والخير. فالسّيطرة، وحدها، لا تعنِي الهيمنة، إذ السّيطرة: التّسلّط بالقهر والغلبة والقوة، وربّما يخالط ذلك قسوة وظلم وفظاظة، بحسب حالات السّيطرة ودوافعها وبواعثها كأن تقول: سيطر العدوّ على البلاد، أو سيطر عليّ القلق. ومنه أخذ لفظ (السّاطور). والسّطر: هو الشّيء المرصوف على خطّ واحد محكوم بقوّة تمنعه من أيّ مَيَلان فيه. وهذا هو شأن (السّين والطّاء) في أيّ جذر ثلاثيّ وردا.
فدلالة «السّيطرة» على البطش والقوّة والغَلَبة أصيلة في اللفظة، والمعني مُتَضَمَّنٌ فيها لأنّها من جذر دالّ عليه. وينتج من هذا أنّه لا يجوز أن يُفرض القرآنَ على أهل الكتاب بالقوّة والقهر، فالقرآن، ذاته، ليس (مسيطرا) على (ما بين يديه من الكتاب) بل هو (مهيمن) على ذلك كلّه. ولن تجد في القرآن الكريم أدنى إشارة إلى ذلك الفرض وتلك القسوة.
والقرآن الكريم يخاطب النّبيّ: «لست عليهم بمصيطر» (الغاشية 92) أي (مسيطر). فالنّبيّ مهيمنٌ لا مسيطر، والقرآن مهيمن على ما بين يديه من الكتاب، لا «مسيطر» عليه. وليس من حجّة علينا في استعمال النّاس اليوم لهاتين اللَّفظَتين (الهيمنة) و(السّيطرة) بمعنييَن مترادفين، فهذا الاستعمال ليس حجّة على الأصل اللّغويّ للّفظ، وليس من حجّة تعلو على الاستعمال القرآنيّ له.
• وأمّا ثانيتهما، أي: قوله، تعالى: «هو اللّهُ الذي لا إلهَ إلا هو الملكُ القُدّوسُ السَّلامُ المؤمنُ الـمُهَيْمِنُ» (الحشر 23). فقد جاء لفظ (المهيمن) فيها صفة من صفات اللّه تعالى. وتلك الصّفات أبعد ما تكون عن التّسلّط القائم على القسوة. فهو الرّحمن الرّحيم الذي كتب على نفسه الرّحمة. ولم يَرِدْ في التّنزيل العزيز، ولا مرّة واحدة، أنّ اللّه وصف نفسه بأنّه المسيطر. والآية تمتزج فيها معاني الرّحمة والأمان: «الملك القدوس السّلام المؤمن»، ومعاني القوّة والعزّة: «العزيز الجبّار المتكبّر»، ويقع (المهيمن) بين المعنييَن، جامعا لهما، ففيه الأمن والرّحمة، كما فيه القوّة والعزّة.
لغوي عراقي
هادي حسن حمودي