أخرج أول فيلم عراقي خارج الاستوديو… كارلو هارتيون: السفارة العراقية في براغ أضاعت فرصة العمل مع يوسف شاهين

حجم الخط
0

بغداد ـ «القدس العربي»: ما زالت السينما العراقية تبحث عن مخرج في المستوى والإنتاج وما زلنا نحتاج إلى أشواط طويلة للنهوض بواقع السينما. ولكن، على الرغم من هذا فإن هناك لمسات لفنانين حاولوا جاهدين أن يخرجوا بهذه السينما ويبعثوها من تحت الرماد، وإن كانت تلك المحاولات بسيطة ولم تستمر بسبب الظروف التي كان يعانيها الفن والإبداع العراقي إبان الحكم الدكتاتوري الشمولي.
من هذه الشخصيات كارلو هارتيون الذي أخرج العديد من الأفلام في السبعينيات والثمانينيات ولم يستطع إن يعمم أفكاره السينمائية بسبب ضعف الإمكانات المتاحة لديه، ومحاربة رموز النظام السابق له بأساليب متعددة.
احتل المخرج كارلو هارتيون مرتبة مهمة من مسيرة الفن العراقي لما قدمه من خدمات كبيرة في السينما والتلفزيون ويحسب له أنه أول من صور في الدراما التلفزيونية خارج الاستديو لاسيما في مسألة الصوت الذي يعد مشكلة آنذاك في السبعينيات وما قبلها. بدأ كارلو في السينما على الرغم من أنه تخرج في قسم المسرح العام 1957 من معهد الفنون الجميلة، ثم درس السينما في المجر وشارك هناك بأفلام منها «الأشقياء المساكين» و«يعجبني» و«قلق».. حين عاد إلى بغداد بعد العام 1965 أسهم في تأسيس وحدة الإنتاج السينمائي في المؤسسة العامة للإذاعة والتلفزيون وأخرج لها أول أفلامه الوثائقية «النهر الثالث» الذي حظي بإعجاب كبير في مهرجان موسكو ولايبزك وغيرها.. كذلك أخرج فيلم «البديل» بـ(18) دقيقة ثم تحول إلى السينما الروائية فقدم أول فيلم درامي تلفزيوني هو فيلم «اللوحة» قصة الراحل معاذ يوسف وبطولة الوجه الجديد آنذاك جلال كامل، ونال كارلو عدة جوائز فنية ثم قدم فيلمه الثاني «البندول» ثم توج نشاطه السينمائي بفيلمه الروائي الأول «شيء من القوة» عن قصة لصباح عطوان وبطولة ليلى محمد.. وكان فيلماً جميلاً وذا صنعة محكمة وحقق نجاحاً كبيراً للعاملين فيه لما احتوى عليه من مواصفات ناجحة..حين بدأت السينما في العراق تتعثر وقل الإنتاج أو توقف بسبب الحصار لم يتوقف هارتيون، بل اتجه إلى المسلسلات التلفزيونية فأخرج فيها أعمالا مهمة نذكر منها «سيد المنزل» بطولة سامي قفطان وابتسام فريد و«تبادل المراكز» و«شارع ستين» وغيرها من الأعمال المتميزة.. وقد سبق لهارتيون أن مثل في بعض الأعمال ربما هواية وليس احترافاً لأنه لم يحب نفسه ممثلاً.. فمثّل في أول فيلم عراقي ملون العام 1962 «نبوخذ نصر» وكان من إخراج كامل العزاوي وكذلك مثّل مع الفنان فيصل الياسري في فيلم «الرأس».. أما مسلسله الأخير «شارع ستين» كان قد أنجز تصويره قبل سقوط النظام السابق وحين سرق مبنى التلفزيون ومحتوياته ضاعت أشرطة التصوير وظل ملاك العمل يبحث عن مثل مدير الإنتاج الفنان مهدي عبد الصاحب ومؤلفه الدكتور سلام حربة ومخرجه هارتيون إلى أن وجدوه واستطاعوا أن ينجزوا عملية المونتاج في قناة العراقية.
غير أن لهارتيون حكايات أخرى لم يعرفها أحد من قبل، حكاياته مع عراقيته، على الرغم من حياته في بغداد لأكثر من خمسين عاماً، فضلاً عن رحلة طويلة في الحياة والفن، عن هاتين الرحلتين كان لنا معه هذا الحوار:

■ أثيرت حولك ضجة في إحدى الصحف متهمة إياك بأنك لست عراقياً؟
□ كان والدي أرمنياً ولكن بعد الحرب العالمية الأولى وتدمير أرمينيا هاجر إلى فرنسا بعد تشتت الأرمن وبدأ من هناك بالبحث عن أهله عبر منظمات إنسانية أمنية شكلت بعد المذبحة، وخلال رحلته إلى الأرجنتين تعرف في الباخرة على والدتي الأرمنية أيضاً التي كانت ذاهبة للبحث عن أهلها كذلك، وهناك تزوجها، وولدت أنا في الأرجنتين. بعد مدة علم والدي أن أهله موجودون في لبنان، سافرنا على إثرها إلى هناك، ثم أخذ عائلته وحاول العودة إلى الأرجنتين لكنهم وبسبب الظروف السياسية في ذلك الوقت لم يسمحوا له بالدخول فعاد إلى لبنان ومن ثم ذهب إلى فلسطين لوجود فرص عمل فيها، حينها حصلت على الجنسية البريطانية، لأن فلسطين كانت تحت الانتداب البريطاني. في عام 1936 وبعد الحروب التي بدأت بين العرب واليهود هاجر والدي إلى العراق.
■ كيف كانت بداياتك هنا؟
□ منذ أن دخلت المدرسة الابتدائية في بغداد، كانت لدي رغبة في التمثيل، ولم يكن هناك إلا المسرح، وفي عام 1945 التحقت بكلية بغداد، وهي مدرسة ثانوية تابعة لمؤسسة الآباء اليسوعيين وشاركت في أغلب الأعمال الفنية التي كانت تقام، ومن جملة من كان يشارك معي سعد الوتري الذي كان زميلي في المدرسة ومثلنا أول عمل هو «يوليوس قيصر».
في العام 1949 دخلت إلى معهد الفنون الجميلة وكان فيها الأستاذ حقي الشبلي، حيث كنت أدرس صباحاً في الثانوية ومساء في المعهد، ولكن بعد ستة أشهر نقل حقي الشبلي من المعهد وجاء مكانه الأستاذ إبراهيم جلال، وبسبب اختلاف أسلوبه عن الشبلي تركت المعهد بعد نهاية العام الدراسي الأول.
■ ألم تكمل دراستك فيه؟
□ بلى، بعد عامين جاء أساتذة درسوا في أمريكا وبدأوا يدرسون في المعهد، وقد عدوا كموجة جديدة في المسرح العراقي منهم جاسم العبودي وعبد الجبار ولي، ومن ضمن زملائي بعد عودتي وجيه عبد الغني وداوود وهبي وجعفر الوردي. وبعد إكمالي المعهد قدمت إلى كلية الهندسة وقبلت فيها بسبب اتقاني اللغة الانكليزية، لكنهم وبعد ثلاثة أشهر منعوني من الدوام لأنني لا أحمل الجنسية العراقية!
■ وكيف حصلت عليها؟
□ حصلت عليها بعد أن قدمت طلباً قبل العام 1958، وفي العام 1959 أرسلت ببعثة إلى المجر لدراسة الإخراج السينمائي، بقيت هناك سبع سنوات وشاركت كمساعد مخرج مع كبار المخرجين المجريين وآخر عمل قدمته فيلم وثائقي عن معرض في بودابست اشتركت فيه خمسة بلدان عربية، ومن الجميل هناك أن دور العرض السينمائية متخصصة ولا يوجد تداخل، حيث هناك دور خاصة لعرض الأفلام الوثائقية لا يسمح لغيرها بعرضها.
لكنني عدت إلى العراق قبل عرض الفيلم بيومين، بناء على كتاب من السفارة العراقية في براغ جاء فيه: «الوطن بحاجة إليك» هذه الجملة جعلتني أترك كل شيء، حتى مشاهدة آخر أفلامي الذي كنت أعول عليه كثيراً.
خلال عودتي إلى بغداد زرت لبنان والتقيت هناك صاحب حداد الذي عرفني على يوسف شاهين وشاهدا معاً فيلماً وثائقياً من إخراجي وفي ضوء ذلك الفيلم طلب مني شاهين أن اذهب معه إلى القاهرة للعمل معاً، ولكن جملة الوطن بحاجة إليك على الرغم من اعتراضهم على قبولي في جامعات العراق، جعلت من تربة العراق عندي أغلى من أي فن في العالم.
وصلت إلى بغداد في العام 1966 وقدمت أوراقي إلى معهد الفنون الجميلة وإلى الإذاعة والتلفزيون ودائرة السينما والمسرح، فجاءني الرد من هذه الأماكن: «إننا لسنا بحاجة إليك» وكانت الصدمة فما الرابط بين كتاب السفارة وجواب هذه المؤسسات؟ هذا ما لم أفهمه حتى هذه اللحظة.
■ وكيف استطعت العمل فيما بعد؟
□ بقيت أعمل لمدة عام كامل مع والدي في محل النجارة الذي يملكه، بعد هذا العام قرأت إعلاناً من الإذاعة والتلفزيون يطلب مخرجاً.. فذهبت وقدمت طلبي، وقبلت بعد اختبار من قبل مجموعة من الأساتذة. بعد ثلاثة أيام من مباشرتي في التلفزيون منعت من دخول المبنى من دون أن أعرف السبب. ذهبت على إثرها إلى وزارة الإعلام وقابلت الوزير، فسألني: هل أنت أرمني قلت: نعم، وهل أنت خريج دولة شيوعية؟ فقلت له: نعم، لقد أرسلتموني ببعثة إلى المجر ورجعت بعد إتمام دراستي. على هذا الأساس عينت في مكتبة الأفلام مع ابتسام عبد الله وطارق عزيز وشميم رسام ولم أطق وضعي في المكتبة، فسافرت إلى لبنان وبقيت هناك حتى جاءني عبد الهادي المبارك بطلب من المدير الجديد للإذاعة والتلفزيون محمد سعيد الصحاف حينها.
قدمت حينها سهرة تلفزيونية بعنوان «اللغز» من تأليف يوسف العاني، بعدها عرفني الأستاذ جاسم العبودي على كاتب شاب اسمه معاذ يوسف كتب لي مسلسل «عطارد».
■ وفي مجال السينما، وقد درست الإخراج السينمائي ما الأعمال التي قدمتها؟
□ اشتركت كممثل في فيلم «نبوخذ نصر» مع سامي عبد الحميد ويوسف العاني، وبعد عودتي قدمت أول فيلم سينمائي تلفزيوني هو «اللوحة والبندول» اعتمدت فيه على وجوه جديدة ومنها جلال كامل الذي رأيته مصادفة وأعجبني شكله فطلبت منه أن يشترك معي. ومن ثم أخرجت فيلم «شيء من القوة» الذي عرض في القاهرة وكان له حضور متميز. ثم قدمت فيلم «عشر ليرات تركية جديدة» واشتغلته على جهاز وجدته مرمياً في مبنى الإذاعة والتلفزيون وهو جهاز المونتاج الذي لم يستخدمه أي مخرج في الوطن العربي، وكانت مجازفة كبيرة مني، وعلى ضوئها حاول الصحاف وبمساعدة من عمل معي في إيقاف الفيلم لكنني بقيت مصراً وطلبت منه أن أكمل الفيلم ويقتطع ما صرف عليه من راتبي لكنه رفض وأكملت الفيلم من سيارة نقل خارجي وكنت أذهب للتصوير على حسابي الخاص، كان هذا في العام 1972.
■ وماذا عن آخر فيلم لك؟
□ كان آخر فيلم سينمائي روائي لي هو فيلم «زمن الحب» الذي عرض في سينما النصر بتاريخ 29 تموز/يوليو 1991 وهو من سيناريو وحوار صباح عطوان ومثل بطولته الفنانون بهجت الجبوري وعواطف السلمان وفائزة جاسم والمرحوم خليل الرافعي والدكتور فاضل خليل ومحسن العلي والمرحوم طعمة التميمي وأمل طه وستار خضير.

صفاء ذياب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية