الخيارات الإيرانية… للتعامل مع الاحتجاجات الشعبية في العراق

حجم الخط
2

تصاعدت في الآونة الأخيرة الاحتجاجات الشعبية في العراق، والتي تطالب باجراء اصلاحات تحد من الفساد والمحاصصة الطائفية، الأمر الذي أثار حفيظة إيران واتباعها في العراق خشية ان يتطور الأمر إلى ثورة شعبية تسقط نظام الحكم، خصوصا بعد ان طرحت شعارات مطالبة بدولة مدنية وأخرى تطالب بوقف السرقة باسم الدين في إشارة إلى الأحزاب الإسلامية التي حكمت العراق بعد الاحتلال الأمريكي.
والسؤال المطروح هل تقبل إيران ان يخرج العراق من نفوذها، بهذه السهولة، بعد الجهد المبذول والمبالغ الطائلة التي وظفتها في سبيل تسليم الحكم للأحزاب السياسية والدينية التي تدين بالولاء لها؟ أصبحت إيران هي من يدير شؤون العراق عن طريق أتباعها فيه، والأمثلة على ذلك عديدة وواضحة، وتعكسها مواقف العراق من الأحداث التي تجري في الوطن العربي، حيث كان للعراق مواقف مختلفة من أشقائه العرب، ومن أبرز هذه المواقف، رفضه للثورة السورية أو إسقاط نظام الأسد، بل الأكثر من ذلك دعم هذا النظام ماليا، وعسكريا عن طريق مشاركة عناصر الميليشيات المسلحة العراقية في المعارك التي تجري في سوريا، والمساعدة على نقل السلاح من إيران إلى سوريا عبر المطارات العراقية. إضافة إلى موقفه من الأحداث التي جرت في البحرين، حيث رفض العراق دخول القوات الخليجية للبحرين، والموقف الرافض لتدخل دول التحالف العربي في اليمن لدعم الشرعية، والأغرب من ذلك معارضته لإنشاء القوة العربية المشتركة، بحجج ومبررات زائفة، أي أصبح لإيران أداة تستطيع من خلالها ان تعرقل أو تفشل أي قرار عربي يصدر من الجامعة العربية، أو تعمل دون حصوله على الاجماع.
مما سبق يظهر ان إيران لن تقف مكتوفة اليدين تجاه ما يحصل في العراق، حيث سوف توظف كل امكانياتها في سبيل انهاء الاحتجاجات وإبقاء الوضع على ما هو عليه، وسوف يكون تحركها عبر ثلاثة خيارات لانهاء هذه الاحتجاجات.
الأول: تعبئة الشارع الشيعي ضد هذه الاحتجاجات ومحاولة تصويرها على انها ضد الدين، وانها مدعومة من دول وجهات سياسية تحاول اسقاط الحكم الشيعي في العراق، حيث صدرت عدة تصريحات من الجانب الإيراني وأتباعهم في العراق تحذر من هذه المظاهرات، واتهم رئيس الأركان العامة للقوات المسلحة الإيرانية، اللواء حسن فيروز آبادي، ما وصفها بـ»فئات غير مسلمة»، بتحريك المظاهرات الشعبية في العراق، وبدوره قال رئيس الوزراء السابق والأمين العام الحالي لحزب الدعوة نوري المالكي في حوار مسجل بثته قناة «آفاق»الفضائية أن المتظاهرين هم ضد الدين وان غالبيتهم مدعومين من جهات أجنبية هدفها تقويض وأفشال الحكم الإسلامي في العراق. ولم ينس المالكي أن يؤكد أن لداعش وحزب البعث يد في هذه التظاهرات. إضافة إلى ذلك حذر الأمين العام لمنظمة بدر هادي العامري، بعض السفارات(دون ان يحددها) من انها «تحاول أن تلعب بالنار» قائلا ان «عليها ان تعيد حساباتها في بعض الخطوات التي اتخذتها» وأن «سيادة العراق خط أحمر ولا نسمح لأي كائن ان يلعب بالسيادة». واعتبر الناشط في حزب الدعوة سابقاً والمجلس الأعلى لاحقا ًخطيب الحسينية (الفاطمية ) في النجف صدر الدين القبانجي التظاهرات مؤامرة على تجربة الحكم الإسلامي، ففي هذه التظاهرات ترفع شعارات ضد الدين، وضد العلماء والمراجع وهذا يعني – حسب قوله – أن الهدف منها ليس مطالب خدمية وإصلاحية وانما الانقلاب والعودة إلى الحكم اللاديني. لكن رغم ذلك، لم تتوقف الاحتجاجات، رغم انها خلقت جبهة معارضة لها، تضم أنصار رئيس الوزراء السابق نوري المالكي والميليشيات المسلحة التي تتلقى الدعم من إيران وتنفذ أجنداتها في العراق، في ضوء ذلك أدركت إيران واتباعها انهم لم يستطيعوا ايقاف هذه المظاهرات، بالاعتماد فقط على تعبئة الشارع ضدها وان هذا الخيار لن يكون الوحيد في التعامل مع هذه المظاهرات في حال استمرارها، وانما سوف يتم اللجوء إلى أساليب أخرى.
الخيار الثاني: بعد ان أيقنت إيران واتباعها في العراق ان تشويه صورة المظاهرات والمتظاهرين ومحاولة تعبئة الشارع الشيعي ضدها لم تؤد إلى إنهائها، قامت بالايعاز إلى اتباعها في العراق بالعمل على امتصاص غضب الجماهير من خلال إطلاق وعود بالاستجابة إلى مطالبهم والقيام ببعض الاصلاحات التي لا تتعارض مع مصالح إيران واتباعها في العراق، وبالفعل أعلن رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي عن حزمة من الاصلاحات التي قال عنها انها سوف تساهم بالقضاء على الفساد وتوفير الخدمات، وانهاء المحاصصة الحزبية والطائفية، لكن لم يتحقق منها سوى الغاء مناصب نواب رئيس الجمهورية والوزراء، وما زالت أغلب المناصب العليا في العراق يشغلها مسؤولون فاسدون، ولم تتم محاسبتهم واحالتهم على القضاء، بل الأكثر من ذلك لم تتم اقالتهم.
فهل حزمة الاصلاحات والوعود التي أطلقتها الحكومة العراقية، هي محاولة لكسب الوقت لكي تخف عزيمة المتظاهرين على المواصلة؟
الخيار الثالث: استخدام القوة لفض الاحتجاجات، إذ سيتم اللجوء لهذا الخيار في حال استمرار المظاهرات، وينفذ بالاعتماد على الميليشيات العراقية التي أعلن قادتها معارضتهم للاحتجاجات، وسوف يكون اسلوب عملها تهديد وتصفية قادة الاحتجاجات، واذا لم يتحقق الغرض من ذلك، تلجا إلى فض المظاهرات بالقوة، كما حصل في مدينة البصرة حيث اقدمت الميليشيات المسلحة على اقتحام ساحة الاعتصام، وقامت بالاعتداء على المتظاهرين بالأسلحة والأدوات الجارحة.

٭ اكاديمي عراقي

زيد احمد بيدر عبدالله

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية