رسائل الدمية

حجم الخط
0

أنت؛ ذلك الذي يظهر من بعيد عند ناصية الشارع، ببدلة أنيقة زرقاء وربطة عنق بنفس اللون. أنت تهمّ في هذه اللحظة بالذات بارتقاء أوّل درج في الزقاق الطويل، الذي ينهض في زاوية حادّة بعض الشيء، ويصعد في شكل سلّم رصفت درجاته بمكعبات من الرخام المصقول. تنظر إلى قدميك، وهما تلمسان على التوالي الدرج، ثم ترفع رأسك وتشيّع بصرك إلى آخر الزقاق؛ حيث ستجد نفسك في بداية زقاق آخر يتفرّع عن اليمين. من المفترض أن يكون هناك في نهايته منزل كبير عتيق بطابقين، يتكوّن من غرفة واسعة للمعيشة، وثلاث غرف للنوم، ومطبخ صغير، وحمّام. إنّه المنزل الذي تبحث عنه، أو بالأحرى تبحث عن ذكرى مدفونة فيه.
على صفحة الذاكرة تطفو أشياء وتفاصيل تُسعَفُ ببعض منها كتسبقة على الحساب: لون المنزل المطليّ بالجصّ الأبيض، وبابه الخشبيّ من الأبنوس، ذو مدقّة في شكل رأس أسد صغير، وشبابيكه المنمّقة بأصص بمختلف الأحجام. في إحداها نبتت زهرة أوركيد بنفسجية، تسامقت حتى عانقت إفريز نافذة الطابق الأعلى. أمامه توجد تلك البسطة الصغيرة أو الساحة التي لا تتجاوز مساحتها المترين على متر واحد والمبلطة بجليز رماديّ اللون، والتي شهدت أغلب الأحداث. لكن لا تعوّل كثيرا على عطايا الذاكرة مهما كان سخاؤها، لأن كل السنين التي مرّت على الذكرى كفيلة بمحو تلك الآثار وجعل كلّ ذلك يبدو حلما؛ فالزمن طوي كل شيء وما عاد هناك أشخاص تبادلهم أطراف الحديث.
ومع ذلك تستمر في الظن أن ما يراودك كان حلما. أحيانا تخامرك أفكار من أن ّ ذلك المنزل لم يوجد أبدا، وأن هذه الكلمات هي كلمات شخص آخر؛ كلمات جوفاء باردة. وأنت تذرع هذا المكان المتخم بالذكريات ينتابك إحساس بأنّك لست أنت، وهذه المدينة ليست سوى وهم، وكل الناس الذين عرفتهم قد فنوا.
يقينا البعض منهم ما زال على قيد الحياة؛ لكن هل سيكون في مقدورهم تذكّر أيّ شيء؟ تنتهي بالتساؤل إذا كان هناك فعلا أي شهود بخلافك أنت. كيف السبيل لاستدراجهم لاستدعاء الذاكرة؟ الناس ليسوا دائما مستعدين لمؤازرتك حتى بمجرّد التذكّر، خصوصا إذا كانت الذكرى تعنيك لوحدك؛ وحدك دون سواك. أنا؟ لا تعوّل عليّ كثيرا؛ فالذكرى لم تعد تعنيني في شيء. هي واريتها تراب الذاكرة، وبوذراع صفحت عنه ولم يعد غريمي. آثرتُ الحياد وما عدتُ أرغب في تحمّل أوجاع الماضي بالنيابة عنك.
لماذا ترهق نفسك وترهق غيرك بالتذكّر أصلا؟ تطرح على نفسك هذه الأسئلة الوجوديّة، والتي ترتقي بك من أسئلة عامّة الناس لتتقاطع مع أسئلة عظماء، وتقول مزهوا، بعد أن تلمع في رأسك فكرة مارقة: لعلّ سارتر خامرته مثل هذه الأسئلة، ولما لا كامو أو دي بوفوار، وكيف جابه مثلا سيورين الحنين والذكريات؟
لذلك أنت الآن وحيد. تتوخّى الحذر وأنت تمرق ضمن هذه الأكداس من الخواطر والتفاصيل. تتواصل الذكريات في الخروج عليك مثل وطاويط، من فجوات قلعة تغرق في العتمة. تمشي بصعوبة مثل رضيع يقوم بأولى خطواته فوق هذا الكوكب الملعون، غير مقدّر لعواقب ما هو مقدم عليه. أنت تشعر بالرهبة فهذه الأرض التي تطؤها هي أرض ألغام خطرة، على الرغم من أنّك تعرفها شبرا شبرا. أنت ممتعض. ترى ما سرّ ذلك الشعور بالامتعاض حين يفترض بك ولوج منطقة ترقد فوق احتياطيّ هائل من السعادة الخام؟ ألأن المدينة تغيّرت بالمقارنة بما تركته عليها؟ مدينة صغيرة تستظل بقلعة رومانية تستقرّ فوق الجبل، ومحطة قطار ترزح تحت غلالة من الحزن، وتبدو عديمة الجدوى في جغرافيا تغرق في النعاس، ولا تفكر بتاتا في السفر لأيّ وجهة أخرى. ومكتب البريد الصغير بجانب الخمّارة؟ لقد مررت به منذ دقائق وكان مغلقا. ماذا حلّ به؟ وماذا حصل لمدام برونات التي تديره؟ لقد توفيت المدينة أو بالكاد. في الماضي كانت تنبض بالحياة. في أحلك ساعاتها لم يبرد نبضها مثلما عليه حالها الآن. إنها تحتضر. وهذه الأبنية الجديدة التي أقيمت مكان القديمة، والمطليّة حديثا؟ إنها بلا روح وكأن قوّة خفيّة أرادت تعقيمها من طاعون ما لوثها؛ هيكل كلب محشوّ بالقش. ماذا حلّ بالمدينة؟ تراها تعرّضت لهجمة مباغتة؟ أو سيق أهلها نحو معتقلات سريّة وأبيدوا جميعا؟
أنت قادم إليها بشغف ويبدو أنها استقبلتك ببرود. لقد طوت المدينة صفحة الماضي على ما يبدو، بما فيها ذكراك. كنت تعتقد أنّه بمجرّد أن تطأ قدماك أرضها، سوف تجد سجّادا أحمر مفروشا على الأرض احتفاء برجوعك، ووسام شرف سوف يوضع على صدرك، عندما تقف أمام تمثال الذكرى الخالدة. أنت تبالغ في الحلم فالذكرى لا أهميّة لها للمدينة وسكانها. هذه المدينة الصغيرة تثقلها الذكريات وهي تتخلّص من الوزن الزائد حتى لا تنهار. لقد تعلّم العالم أن لا يكون رومانسيا. لا تستغرب فالكلّ يفعل ذلك هذه الأيام. الكلّ يتخلّص من الماضي. حتى باريس قرّرت بدورها رمي أقفال العشاق التي أثقلت جسر «البون ديزار» خوفا عليه من الانهيار. طالعك الخبر هذا الصباح وأنت تتصفح الجريدة، فقرّرت أن تهرع لنجدة ذكراك. هل كان الجسر أهمّ من ذكرى حبّ واحدة لعاشقين، أطلاّ ذات صباح ضبابيّ من على الجسر ناحية زوجين متعانقين من الإوز على صفحة السين؟ فماذا لو قرّرت مدينتك بدورها رمي ذكراك المجيدة؟ قلت لنفسك…
أنت أيضا منتبه جدّا ومستيقظ الغرائز كما لو أنك تستقبل إشارات من جهاز بثّ مُورسْ، يبعث بها مراسل مجهول من مكان قصيّ. طبعا العديد من هذه الإشارات مشوّشة ويجدر بك أن ترهف السمع حتى لا تفقدها إلى الأبد، لأنك لو فقدتها سوف تتوه سفينة الذكرى، وسوف تنتهي مفقودة في مثلث بارمودا المرعب. حاول فقط أن تطرد الإشارات الرومانسية الزائدة عن اللزوم حتى يصبح البثّ أكثر وضوحا، فأنت تبحث عن استقبال شيفرة محدّدة تتعلّق بذكرى معيّنة على وجه التحديد ضمن هذا المطر الهاطل من الذكريات. أرهف السمع إلى أصوات قادمة من قرار زمن سحيق. ركّز جهاز الإستقبال على صوت معيّن، صوتها هي أو صوت دميتها التي تحملها بين يديك.
كلاّ يا أنا، يا عزيزي. ما كان يراودك لم يكن حلما. والدليل هو تلك الدمية المبقورة البطن، التي خرجت بعض ألياف أحشاءها الصوفية. تمسك بإشفاق الدمية المطعونة والشاهدة أيضا على الجريمة. في جيبك حزمة من رسائلها. البعض منها فقدته. ربّما يسعفك الحظ في العثور عليه في المنزل الذي تقصده. على العموم هي متشابهة مع بعض الاختلافات البسيطة. أوراق بيضاء خُطّت عليها كتابة؛ بعضها يبدُو أنه اقتلع من مفكّرة صغيرة من النوع الرفيع؛ «سيليكتا» على ما يبدو؛ وهي المفكّرة المدرسيّة الأكثر تداولا في تلك الحقبة. والآخر هو ورق مخصّص للرسائل مؤشر بصور لحمام زاجل، يحمل بمنقاره الأحمر في لون الدم القاني رسالة بيضاء اللون. تمتلئ السطور بخطين؛ أحدهما ذكوريّ بلون السواد، تغلب عليه العجرفة والتسرّع. لكنه جميل على الرغم من ذلك وسهل القراءة. أما الآخر فقد كتب بلون ورديّ رقيق، أصغر حجما وأكثر كثافة على الورق، وأكثر إتقانا.
من الوهلة الأولى سيبدو الأمر كما لو أنها رسائل حبّ بين فتاة وصبيّ؛ تلميذان بالأساس بالنظر إلى الخط المرتبك والمبتدئ. يتجلّى الفرق في قدر اهتمام وعناية كلّ منهما للرسائل. من الواضح أنّ المرسلة، صاحبة الخطّ الورديّ، اختارت الورق المخصّص للرسائل، مثل كل أنثى رقيقة ومهووسة بالتفاصيل، وتحترز من الهفوات الصغيرة. أما الفتى فقد اختار مزقا من مفكرته وعاء لخطاباته. هذا لا يعني أنه كان ضجرا، منزوعا من رغبة حقيقية في الكتابة. على العكس، كانت الرسائل تفيض صدقا، وإحساسا، ورومانسية؛ أشياء أنت أدرى الناس بها. لقد قرأت شذرات منها ليلة البارحة بعد ما عثرت عليها بالصدفة، حين كنت تبحث عن بطاقة أعداد قديمة في محفظة مدرسية من أرشيفك الخاص.
الآخر الذي خلّفته وراءك والذي كتب الرسائل خذلك بطريقة ما؛ قلت لنفسك. ما هكذا تكتب رسالة لفتاة مثلها. بسرعة وعصبيّة أمسكت قلما جافا. بدأت توشح الرسالة باللون الأحمر، مبديا عدم رضاك عن بعض الأشياء في الشكل والمضمون. وجدت نفسك تعطيه علامة متوسّطة لا غير. مثلما يفعل أستاذ سيّئ المزاج على ورقة الامتحان لتلميذ ذي سوابق. ثم سرعان ما ندمت على تحريف الرسالة. هي تحفة فنية وجب الحفاظ عليها أصيلة كما هي. أصبحت تبرّر تقصيره بقولك أن الذكور يفعلون كلّ شيء بتهوّر وبصلف، ولا يولون التفاصيل كثيرا من الأهميّة. هذا لا يمنع من أن هناك خطأ فادحا ارتكبته، أقصد ارتكبه الفتى. لا أرغب في فضح سرّك منذ الآن في هذه المرحلة الباكرة من الرواية. بل سأتركك تلتقط أنفاسك. سأتركك تتصدّر المشهد وتتقدّم على مهلك. بذلك سوف أقتصر على سرد فقط ما ستفرج عنه أنت من صندوق الذاكرة الأسود، لأنني كما سبق وقلت آثرت جانب الحياد…

روائي وصحافي تونسي

نبيل قديش

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية