«بارانويا» متلازمة المثقف العربي

حجم الخط
1

ثنائية الموقف التي اختبرها المثقف العربي بين مجني عليه وجان، حملت أبعاداً نفسية لا يمكن تجاوزها في شخصيته المتطورة التي تتراوح فصولها في حالة من المد والجزر، ليجسد بذلك حجم المعاناة والألم الإنساني الذي يواجهه تارة، وتارة أخرى نجده ديكتاتورا يفوق جلاده سطوة وعنجهية، الأمر الذي يضعنا أمام معادلة غير متوازنة يرزح تحت وطأتها مثقفنا، العظيم المضطهد، والمفكر الساذج.
إلى جانب حالة التقلب في المواقف وما تتطلبه من جهد نفسي كبير، من شأنها أن تستنزف ثرواته المعرفية وطاقاته الفكرية، ليجد نفسه أمام رحلة البحث عن علاج يمكنه من بلوغ السكينة والتقليل من ذلك الضغط الرهيب، واختبارعدد من الحلول الاسعافية حتى لو اتصفت بالمؤقتة، في مقدمتها إستراتيجية الخروج عن المشهد، والاستمتاع برسم سيناريو معاناته، فهو مؤهل لأن يكون أديباً أكثر منه سياسيا أو ثائرا، وهذا لا يعني بالضرورة أن شخصيتي الظالم والمظلوم تم فرضهما عليه. على الأقل يمكن التكهن بأن الديكتاتور الصغير الكامن داخله هي حالة اختيارية، على اعتبار أن شخصية الظالم هي ابن غير شرعي لحالة الألم التي عاشها معتقلاً أو مطارداً أو مهمشاً، أو غير ذلك.
بالتأكيد يبقى المثقف حالة مجتمعية خاصة بما يحمله من نقاط ضعف وقوة، إلا أنه ودون غيره يمتلك من الأدوات ما يساعده على فلسفة آلامه، والتعاطي معها بطرق تخفف من آثارها النفسية المزمنة، ولكن للأسف إن ارتدادات هذه الفلسفة على المستوى الفكري أو السلوكي ساهمت في عزلته اجتماعياً، نتيجة امتلاك مثقفنا العنيد جملة من الثوابت التي لا يمكن المساس بها!
فهو مرجعية متكاملة في العلوم الإنسانية كافة، وكل ما يصدر عنها غير قابل للتسويف، «أنا» متورمة لا يمكن القول إنها تلغي الآخر، ولا تسعى إلى ذلك طلباً للاستمتاع بممارساتها السادية، غياب الـ «هو» في قاموسه الاجتماعي لما تشكّله من رمزية للجهل والتخلف، والأهم من ذلك أنه يتعامل مع تلك الـ «هو» على الرغم من سوادها الأعظم، أنها العصا التي تمنع عجلة التحرر من الدوران ليعلن حربه عليها.
المثقف الذي يعيش طقوس المظلومية بشقيها المتناقضين (ظالم ومظلوم) يستحق لقب السيد «بارانويا» عن جدارة، فالمُعتل بهذا الداء النفسي يتبنى منهجاً خاصاً بتفسير المواقف، وذلك بما يتفق واعتقاده والتطرف في الدفاع عنه، فضلاً عن عدم الاعتراف بالخطأ، واجتماع شعورين نقيضين في شخصيته المحيّرة بين الاضطهاد والعظمة، كنتيجة وليس سبباً، ساهمت في اكتمال المشهد الذي يعكس مقدار الاستمتاع بآلامه إنسانا بسيطا (مظلوماً) وبسطوته مثقفاً «ظالماً»، وللأمانة فإنه يُظهر وعياً استثنائياً عند انتقاده للديكتاتور، ويستحضر كافة أدواته المعرفية تحرياً للمصداقية والموضوعية في تأريخ ممارسات الجلاد الرهيبة، إلا أن هذه المنهجية العلمية تستغني عن معارفها إذا اتجهت بوصلة النقد نحو المجتمع.
والأمثلة التي توضح نسبة الحساسية العالية التي يعانيها من العناصر المتنوعة التي تشكل البنية الثقافية للمجتمع كثيرة، على الرغم من حساسيتها، وتناولها بطرق مستفزة، تتميز بالتهكم، والتعالي… الخ، ليحصد بذلك ردود أفعال يبدو أنه سعى إليها لإثبات صحة نقده، وذلك تحت عنوان «تحريك المياه الراكدة» وهي عبارة عن احتفالية من الشتائم والسب تدور رحاها بينه وبين متابعيه، تعكس حالة من الندية بين أطراف الصراع وأن السبب الوحيد لتفوق مثقفنا المبدع أنه بادر بإعداد السيناريو، مع غياب واضح لبصمته الثقافية في تلك المعركة.
والسؤال هل لغة الحوار التي يتبناها هذا العنيد حامل هموم الأمة والوصي بأمر الفكر على مستقبلها تتبنى منهج الاستفزاز؟
وهل أصابت «العنانة» أو «العنة» أدواته التي حاور بها جلاده خلال فصول اضطهاده، ليتواصل بها مع أبناء مجتمعه في زمن عظمته؟
ومَن المسؤول عن ظهور هذه الفجوة الكبيرة بين المثقف ومجتمعه، وانعدام آليات التواصل وغياب حالة التكامل إذا اعتبرنا أن المثقف هو الإطار النظري لأي حراك نهضوي أو تحرري؟

فيصل النويران

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية