امتحان الصحافة بين محنة اللاجئين وصدأ القلوب

تندسّ طيّ أنباء أزمة اللاجئين السوريين التي لا تزال تنهمر انهمار الأمطار في جميع وسائل الإعلام الأوروبية شوارد أو نوادر مما لا يجوز إدراجه، في الظاهر، إلا في باب الأنباء المتفرقة أو التفاصيل الجانبية. ولكن لهذه المتفرقات خلفيات سياسية أو ثقافية توجب النظر إليها على أنها علامات أو إرهاصات تكمن تحتها مسائل أعمق وأخطر.
ولعل من أبرز هذه المتفرقات وأغربها شريط الفيديو الذي تظهر فيه مصورة صحافية مجرية وهي تعتدي على عدد من اللاجئين الراكضين هربا من الشرطة التي كانت تمنعهم من اجتياز الحدود الصربية نحو المجر. تتعمد المصورة عرقلة كهل يركض وهو يحمل طفلا بين ذراعيه فتسقطهما أرضا، ثم تواصل التصوير. وفي مشهد آخر تظهر المصورة ذاتها وهي تركل صبيّة سورية بتصميم وعدوانية. وقد انتشر الفيديو على الشبكة العنكبوتية بشكل يجعل هذه الحادثة هي الأكثر انتشارا بعد صورة الطفل السوري الغريق.
مصورة صحافية يبدو أن عمرها لا يبعد عن الثلاثين ولكنها تسلك مسلك المراهقين النزقين. مصورة راسخة القدم في ممارستها المهنية – بدليل حضور بنطلون الجينز المميز لـ»قدامى المحاربين»، ورفرفة القميص «الكازويل» في هواء المعركة وأستاذية «مسكة» الكاميرا المحنكة – ولكنها لا تتورع أن تأتي مأتى «الهوليغانز» المشؤومين: أولئك الغلاة العتاة في بلادة العنف وسماجة التطرف من أنصار فرق كرة القدم الكالحين البائسين. وكأن المجر لا يكفيها ما يفعله ويقوله رئيس وزرائها اليميني العنصري فيكتور أوربان لتشويه سمعتها وتسويد وجهها بين الأمم حتى تأتي هذه الصحافية لتقترف إثما شنيعا نكاد نجزم أنه لم يحدث أن اقترف مثيلا له أي صحافي أو مصور منذ نشأة مهنة الصحافة الجماهيرية قبل أكثر من قرنين.
ومن مصادفات الجزاء الوفاق أنه بينما كانت هذه المصورة، واسمها بترا لازلو، تعتدي وتضرب وتركل وهي مسترسلة في التصوير، لم يغفل زميل لها من وكالة رويترز عن فعلتها فالتقط لها هذا الشريط المخزي حتى تضبط متلبسة بالجرم المشهود. ورغم أن قناة التلفزيون التي كانت تعمل لديها بترا لازلو معروفة بقربها من الحزب اليميني المتطرف في المجر (وهو ما يقدم تفسيرا، ولو جزئيا، لما بين سلوكها الهوليغاني وهواها الإيديولوجي من الاتصال)، فإن المسؤولين لم يروا بدا من اتخاذ قرار بفصلها الفوري.
هذه الحادثة تستدعي ملاحظتين على الأقل. أولا أن مهنة الإعلام – التي توسعت في العقدين الأخيرين لتصبح مظلة جامعة بين قطاعات متعددة – قد صارت تستقطب أنواعا منوعة من البشر يبدو أن بعضهم ينسى، أو ربما يجهل تمام الجهل، أن الانتماء لهذه المهنة إنما هو انتماء أخلاقي في المقام الأول. أي أن القيم الأخلاقية في الصحافة الحرة هي التي تسبق كل الاعتبارات الأخرى، بما فيها الاعتبارات المعرفية. بل إنه يجوز لنا أن نقول، دون مبالغة، إنه إذا اقتضى الأمر وجوب الخيار، فإن الانحياز للحق يعلو في مهنة الصحافة الحرة على الالتزام بالحقيقة (هذا على فرض إمكان التعارض بين الحق، أخلاقيا، والحقيقة، معرفيا).
الملاحظة الثانية أن من القضايا التي تهتم بها العلوم الاجتماعية في كليات الإعلام الأمريكية منذ عقود محاولة تحديد طبيعة ولاء الصحافي في الديمقراطيات الليبرالية: هل هو ولاء للأمة أم للإنسانية؟ ولهذ المبحث مدخلان. أولهما أن جميع الدراسات أثبتت أن الإعلام الأمريكي يحاول الالتزام بمعايير النزاهة (حتى لا نقول الحياد والموضوعية، وما إليهما من قيم يكاد يستحيل تحقيقها) في جميع الحالات، إلا في حالة وحيدة هي دخول البلاد في حرب أو مواجهة مع الخارج. آنذاك تصير الوطنية («انصر بلدك ظالما أو مظلوما») هي القيمة التي لا يعلى عليها. المدخل الثاني هو أن نظرية «المسؤولية الاجتماعية» للصحافة (وهي إحدى نظريات أربع وضعها علماء الاجتماع الأمريكيون في منتصف خمسينيات القرن العشرين) تلزم الإعلام بالتضحية في بعض الحالات بالقيم المهنية (بمفهومها القطاعي الفني التخصصي) إذا حدث أن تعارض الالتزام بها مع تحقيق الصالح العام. بل إنها تلزم بترجيح الصالح العالم في مطلق الأحوال. بعد ذلك ظهرت نظرية الصحافة الأخلاقية، التي سماها الصحافي والأكاديمي المجيد ادموند لامبث «الصحافة الملتزمة» (وهي غير ذات علاقة بمفهوم الالتزام السارتري المعروف)، التي وسعت من مفهم المسؤولية الاجتماعية لتشمل المجتمع الإنساني بإطلاق، كما وسعت من مفهوم الصالح العام ليشمل الحق الكلي أو الخير الكلي المتجاوز للفوارق القومية والدينية والثقافية والحضارية.
مسائل جليلة سامية أفنى أولو العزم من أهل الصحافة أعمارهم في دراستها وخدمتها. وبعد هذا كله تأتي امرأة محسوبة على مهنتهم، فلا تجد ما تقترح أو تضيف سوى صدأ متقاطر من قلب انتهت مدة صلاحيته الإنسانية.

٭ كاتب تونسي

مالك التريكي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية