في «مشهد سينمائي» غير مسبوق في الحياة السياسية المصرية، القت «هيئة الرقابة الادارية»، وهي واحدة من نحو عشرين جهازا معنيا بمكافحة الفساد، القبض على وزير الزراعة السابق صلاح هلال بأن اعترضت سيارته في ميدان التحرير، وتحديدا عند ناصية شارع محمد محمود الشهير، وذلك بعد دقائق قليلة من خروجه من مجلس الوزراء مقالا بقرار رئاسي.
وضمن الضجة الاعلامية الواسعة التي احدثها المشهد الدراماتيكي، وانتشار التسريبات حول حجم الفساد وقائمة الرشاوى المتنوعة في القضية ، نجح النظام في الحصول على «المردود الاعلامي» الذي يتوخاه دائما، حتى اذا كان ذلك على حساب المضمون، الا انه افلت من محاسبة مستحقة بشأن الاستمرار المريب لاستشراء ظاهرة الفساد، في ظل غياب رؤية سياسية متماسكة لمواجهته، خاصة ان الجميع في مصر يعلم ان هذه القضية ليست سوى «قمة جبل الجليد».
ومع الاحترام الواجب لقرار القائم باعمال النائب العام بحظر النشر في القضية حفاظا على مصلحة التحقيقات، خاصة مع امكانية اضافة اسماء جديدة الى قائمة المتهمين، تبقى ثمة اسئلة مشروعة من حق المواطن المصري الذي يدفع الثمن الباهظ للفساد ان يحصل على اجابات وافية عنها، ومنها:
اولا: اين كانت اجهزة الرقابة عندما وقع الاختيار على صلاح هلال لشغل منصب وزير الزراعة ضمن التعديل الوزاري الاخير في شهر آذار / مارس الماضي، خاصة ان الرجل كان قياديا في الوزراة المعروفة بانها «موبوءة باالفساد» منذ اربعة عقود، وتحديدا بعد ان تولاها الدكتور يوسف والي المعروف بقضية «المبيدات المسرطنة» والتطبيع الزراعي مع اسرائيل؟ وما هي المؤهلات الحقيقية المطلوبة لتولي هكذا منصب مهم في بلد كان زراعيا من الدرجة الاولى عبر التاريخ؟ وهل يقتصر الفحص الامني على الانتماءات السياسية او الايديولوجية، وخاصة الى جماعة الاخوان، ام يشمل النزاهة والامانة ايضا؟
ثانيا: ماذا فعلت الحكومة تجاه الاعترافات التلفزيونية المثيرة للوزير ليلة اقالته والقبض عليه والتي قال فيها حرفيا «يوجد فساد كثير في وزارة الزراعة»، اما السبب فهو ان «هذا موروث قديم يمتد الى سنوات بعيدة»(..) حسب تعبيره. واذا كانت قيمة الاراضي في القضية المنظورة محل التحقيقات حاليا تقدر بالمليارات، فكم تبلغ الاموال المهدرة في «قضايا الفساد الكثيرة» في الوزارة حسب اعتراف الوزير؟ واذا كان هذا حجم الفساد في وزارة واحدة، فهل يكون مستغربا ما تقوله احصائيات من ان الفاتورة السنوية للفساد في مصر تبلغ مائتي مليار جنيه؟ وهل ستحتاج مصر الى انتظار المساعدات من هنا وهناك اذا توفرت ارادة حقيقية لخفض هذه الفاتورة ولو الى النصف؟
ثالثا: اذا كان الرئيس السيسي جادا حقا في محاربة الفساد، وهو ما يتمناه المصريون حتما، لماذا لا يطبق مبدأ «من اين لك هذا» على طبقة رجال الاعمال التي أثرت فجأة في عهد الرئيس المخلوع حسني مبارك، عبر صفقات الاراضي المشبوهة، والتي تقع وزارتا الزراعة واستصلاح الاراضي والاسكان خاصة في القلب منها؟ ولماذا لا يلغي القرار الذي اصدره المشير حسين طنطاوي ابان رئاسته للمحلس العسكري باعطاء حصانة للعسكريين من المثول امام (جهاز الكسب غير المشروع» المدني على ان ينشئ جهازا عسكريا مماثلا يتولى محاسبتهم في حال الضرورة) حتى لا يتساوى المواطنون امام القانون، خاصة ان العسكريين المتقاعدين يفترض ان يتحولوا الى مدنيين بمجرد ترك الخدمة، كما هو الحال في جميع انحاء العالم؟
رابعا: بعد القبض على الوزير، ظهرت صور ارشيفية لاحد المتهمين الرئيسيين في القضية المدعو «محمد فودة» وهو مسؤول سابق في وزارة الثقافة كان ادين وسجن بسبب تورطه في قضية فساد شهيرة في عهد مبارك، بينما يصافح الرئيس السيسي عندما كان وزيرا للدفاع، كما ظهر في صور بصحبة ستة وزراء حاليين. ومن البديهي ان يسأل المواطن كيف سمح لهكذا مجرم فاسد لا يعرف احد مصادر ثرائه الفاحش بالحصول على دعوة الى حفل استقبال يقيمه وزير الدفاع الذي كان ايضا مديرا للمخابرات الحربية؟ وما علاقة هكذا متهم بستة وزراء؟
واخيرا فان الجهاز البيروقراطي العتيد في مصر يملك حتما الادوات الكافية لمحاربة الفساد، الا ان القضية اكثر تعقيدا مما تبدو، بعد ان شاب الفساد بعض تلك الادوات والاجهزة، التي تهتم حتما بحماية نفسها اكثر من حماية اموال الشعب.
واخيرا فان الانصاف يقتضي التنويه بل والاشادة بكل قضية فساد يتم كشفها، على امل الا يحصل المتهمون فيها على البراءة كما حصل في قضايا اخرى، مع التذكير بأن المجرم الاكبر في كل هذه القضايا يبقى نظام مبارك الذي حول الفساد من ظاهرة موجودة في كل بلاد العالم الى نظام بل وثقافة تحكم وتتحكم.
رأي القدس