تونس ـ «القدس العربي»: لم تكن الموسيقى والفنون الشعبية والمسرح وحدها التي ميزت عروض الدورة الـ 41 من مهرجان مسرح البحر الأبيض المتوسط بحلق الوادي الضاحية الشمالية للعاصمة التونسية، بل كان الإقبال الجماهيري اللافت على العروض من أبرز ما لفت الانتباه لهذا المهرجان هذا العام وذلك في عودة إلى عشق المسرح الخاص الذي يظل سيد الفنون وأقربها للمتلقي والمشاهد.
ومن المروض أن يعقد المهرجان في الكراكة وهو أحد أهم المواقع الأثرية في تونس التي يعود تأسيسها إلى القرن السادس عشر، حيث تمّ تشييد برج للمراقبة وتحويله إلى حصن من قبل العثمانيين أثناء الصراع العثماني الاسباني على تونس، وتعرّض البرج إلى التهديم أثناء هذه الحرب، وتمّ ترميمه من قبل الاسباني شارلوكان اثر انتصاره على خيرا الدين بربروس. فقيمة هذا البرج أو هذه القلعة في رمزيتها التاريخية والحضارية. وقد سمّيت الكراكة لأنّها وظّفت كسجن، حيث حبس بها الثائر التونسي في القرن التاسع عشر علي بن غذاهم، الملقب بـ»باي الشعب» واعدم شنقا في هذا المعلم. وأصبحت بذلك لقلعة حلق الوادي المطلة على المتوسط قيمة رمزية، فهي تقريبا تختزل المدينة وعمقها التاريخي.
وكانت الدورات الأولى لمهرجان البحر الأبيض المتوسط تنظم في هذا المعلم الأثري، وحين أصبح مهدّدا بالتداعي أغلق للترميم، وتمّت تهيئة فضاء ملحق بالمعلم الأثري يسمى الفضاء الثقافي المتوسطي بحلق الوادي، وبقي اسم «الكراكة» الاسم الرمزي والمتداول في ذاكرة الجمهور المحلي والوطني وحتى الدولي.
كانت الانطلاقة في العروض في هذا المهرجان لهذه الدورة مع العمل المسرحي التنشيطي لسيف الدين الجلاصي تحت عنوان «زمكان» حيث قدم فضاء المهرجان فرصة لهذا الشاب الواعد للبروز والتميز. كما شهد المهرجان باقة منوعة من أرقى العروض المسرحية التي تحدثت عن الإنسان في زمن الدمار والحروب وعن الثورات وما بقي منها أو تلك التي مست هموم المواطن في حياته اليومية.
لم تكن صدفة ان تختار المدينة المتوسطية الحالمة «حلق الوادي» اسم المتوسط لمهرجانها الذي تأسس سنة 1975 على يد الفنان المسرحي التونسي الكبير المنصف السويسي، وأثّث دورته الأولى حينها بعروض الفرق الجهوية للمسرح، من الكاف وقفصة والقيروان وفرقة مدينة تونس، بخصوصية مسرحية وباسم «مهرجان البحر الأبيض المتوسط». وقد أدار هذا المهرجان العريق الذي ظل وفيا لتقاليد البحر وهمس الموج وعالم المسرح اللازوردي العديد من الأسماء منها المسرحي حمادي المزي، الإعلامي حبيب جغام، حبيب البحري، وكانت الدورات الخمس الأخيرة بإدارة الكاتب المسرحي والصحافي أحمد عامر.. ومنذ سنة 2011 تولّت إدارة المهرجان جليلة عمامي، وهي كاتبة ومديرة دار الثقافة بحلق الوادي ومن أهم أعمالها الروائية «سفر حبر وبياض» إلى جانب عدد من الإسهامات النقدية والفكرية.
تقول جليلة عمامي في حديثها لـ «القدس العربي» انها منذ توليها إدارة المهرجان سعت إلى المحافظة على تقليد البرمجة المسرحية بتعديل وهو أن يكون وفيّا للخصوصية، ويكون مهرجانا للمسرح وينفتح على الفنون الركحية أي فنون الرقص والكورغرافيا. واشارت إلى أنّ خلال الخمس سنوات التي تولّت فيها إدارة المهرجان هناك تطوّر على مستويات عديدة منها الإقبال. وتتابع بالقول: «فحين أقارن بين الدورات ألاحظ تزايد نسبة المواكبة والإقبال على العروض وأشير إلى ذلك لأنّ مسألة الجمهور المسرحي هي أحد هواجس منظمي المهرجانات المختصّة أثناء تنظيم العروض المسرحية بشكل دوري في الفضاءات الثقافية، وهو ما جعلني أستخلص الملاحظات التالية:
إقبال الجمهور على العروض المسرحية مرتبط بمدى جديّة المهرجان والعمل الجدّي في البرمجة والتنظيم والاستقبال، والدعاية الإعلامية الجديّة والتسويق للعروض والتركيز على خصوصيّة المهرجان، والقيمة الفنيّة للعروض المبرمجة ومدى ملامستها لهواجس المواطن بشكل فنّي وبجمالية أيضا».
ولعل من أبرز الأعمال المسرحية التي أشاد بها الجمهور وصفق لها طويلا هي أعمال المؤسسات المرجعية في تونس كالمسرح الوطني وعرض «برج لوصيف» وهو عمل للمخرج الشاب الشاذلي العرفاوي أعطى انطلاقة قوية للمهرجان بعد أن كان افتتاح المهرجان بعرض تنشيطي (مسرح الشارع). كذلك من العروض اللافتة عرض بعنوان «زمكان» لإحدى الجمعيات حديثة التأسيس إلا أنّها تتقدّم بشكل ايجابي، هناك أيضا عمل للمركز الوطني لفنّ العرائس، وهو عمل موجه للأطفال والكبار أيضا، وقدمت فيها القصّة الشهيرة «أنا سندريلا». ومن الأعمال التي استمتع بها الجمهور الذي حضر بعدد كبير «كليلة ودمنة» للمسرح الوطني وهو تجربة اخراج «شاهقة» للمخرج مختار لوزير، هذا العرض بمستوى فنّي يضاهي العروض الدولية. وأفضل عرض هذه السنة هو عرض «الماكينة» للمخرج الشاب أيضا وليد دغسني وهو عرض بقي في ذاكرة الجمهور. كذلك مسرحية «زوم» للمخرج الشاب نادر بلعيد. وكان اختتام الدورة بمسرحية « مرا مرا» خطابات نسوية وتجربة شابة رائدة للمخرج سيف الدّين الفرشيشي وعديد العروض الأخرى الجميلة حسب تعبير الجمهور. كما حضرت عروض الرقص والكوريغرافيا من خلال عرض بعنوان «وإذا عصيتم» وهو عمل مربك فنيّا، وفيه جرأة في تناول المحظور في تونس. لقد تخطى فيه الفنان رشدي بلقاسمي المحظور وأعلن العصيان على محظورات الثقافة التقليدية واملاءاتها وأطلق الفكر والجسد في تعبيرات فنيّة وتجليّات صوفيّة تطهّر الفكر والجسد بالعمل الفني والتعبيرة الثقافية.
وفي هذا السياق أشارت محدثتنا إلى ان أنّ ميزة عروض برنامج المهرجان أنها عروض لمخرجين شباب ولممثلين شباب أيضا وهذه إحدى ميزات الدورة وكلّ الدورات تقريبا. هو خيار مدروس، ففي التجارب الشابة هناك جديّة في التناول والبحث والحفر عن الإضافة والقيمة الفنية العالية.
نجاح وصعوبات
رغم الاقبال الكثيف الذي حظي به المهرجان من رواد جوهرة المتوسط إلا ان هناك العديد من الصعوبات التي تحدثت عنها مديرة المهرجان. فاوضحت لـ «القدس العربي» ان هناك ثلاثة مؤشرات موضوعية ومنطقية تفيد بأنّ هذه الدورة حقّقت أهدافها وتمّ تنفيذ كامل البرنامج ولم يتم إلغاء أي عرض لسبب ما أو إشكال حول عرض من العروض. هناك إجماع من الجمهور وعدد من الإعلاميين والنقاد على القيمة الفنية وحسن اختيار العروض.
أما الصعوبات فهي عديدة، منها غياب الفضاء الأصلي للمهرجان «الفضاء الثقافي المتوسطي» الكراكة ـ قاعة العروض بدار الثقافة غير مكيفة، الموارد المالية محدودة، الاعتماد على منح المندوبية الجهوية بولاية تونس و وزارة الثقافة، غياب الفضاء يحرم المهرجان من الاستشهار ومداخيل التذاكر. إدارة المهرجان يتم تشكيلها بصورة متأخرة سنويا، وباعتباري مديرة دار ثقافة قبل أن أكون مديرة المهرجان فإن عملي بالمؤسسة هو الأصل .
واقع المسرح التونسي
وفي ردها على سؤال حول واقع المسرح التونسي اليوم أجابت عمامي بالقول:»في رأيي يمكن مقاربة وتقييم المسرح التونسي اليوم انطلاقا من ثلاثة مؤشرات:
ـ القيمة الفنية
ـ الإنتاج والتوزيع
ـ الجمهور
بالنسبة للقيمة الفنيّة للأعمال سأتناول ذلك انطلاقا من الخمس سنوات الأخيرة وبشكل عام، حيث يمكننا القول أنّ القيمة الفنية للأعمال شهدت تراجعا كبيرا وتقريبا غير مسبوق سنة 2012 ، وقد أثر ذلك على التوزيع والإقبال على العروض، فكانت في رأيي سنة الرداءة والكساد المسرحي. وفي سنة 2013 استعادت الأعمال بريقها وكانت هناك أعمال جيّدة وهامة، المستوى كان أفضل بكثير سنة 2014 وبدأت تبرز أعمال وتجارب شابّة تميّزت بالجدية والبحث وبمستوى فنّي متميّز استمرّ سنة 2015 أيضا حيث نجد أعمالا فنيّة متميّزة، وجيلا من الشباب أظنّه يؤسس لحركة مسرحية شابّة مختلفة في تناولها للموضوعات ولمقاييس الفرجة ولمفهوم الإبداع المسرحي. ويبقى الإنتاج والتوزيع في أغلبه بدعم الدولة ومسرح القطاع العام، فحتى الشركات الخاصّة هي شركات في أغلبها تعتمد على منح الدولة لإنتاج أعمالها وعلى الدولة لبرمجة العروض وتوزيعها، وهذا ما يعتبر إحدى الإشكالات الأساسية للقطاع المسرحي، وقد تقدّمت وزارة الثقافة بمشروع لمراجعة أساليب الدعم وعلاقة الإنتاج والتوزيع بالمؤسسات الثقافية وأعتبره مشروعا ينمّ عن إدراك للوضع الثقافي الراهن وخلق حلول عملية بشكل عاجل وذكي كمرحلة أساسية أولى، أمّا الجمهور.
وتضيف عمامي:»وفي تقديري ما يفتقده المسرح التونسي اليوم مسألتين أساسيّتين، المسألة الأولى هي قلّة النصوص المسرحية التونسية بحيث هناك اعتماد كبير على الأدب العالمي وعلى الاقتباس، ولئن كانت هذه النصوص لكتاب كبار ولمسرحيين كبار إلا أنّها من ناحية تحمل واقعا وإشكالات ليست بالضرورة نفس الهواجس والإشكالات المحلية الوطنية القريبة من الشخصية التونسية والفرد التونسي، وأعطي مثالا هنا يتعلق بنصوص المفكر والكاتب الفرنسي جون بول سارتر، التي تطرح فنيّا مسألة الحيرة الوجودية وأسئلة الوجود الإنساني فلسفيا ليس كما يطرحها مثلا الكاتب التونسي الكبير محمود المسعدي، وبذلك فإن الاعتماد على نصوص المسعدي يكون أقرب إلى الجمهور التونسي من الاقتباس السارتري. كما أنّ للمسرح وظيفة ودورا معرفيا تجاه الثقافة الوطنية حيث يقوم بالتعريف بها من خلال أعمال مسرحية، تركيبتها ومكوّناتها يجب أن تكون تونسية بالكامل.
المسألة الثانية هي النقد، إذ لا توجد تقاليد نقد مسرحي ولا وجود لنقاد مسرحيين على قدر الإنتاج، رغم تكوّن حركة مسرحية في السبعينيات والثمانينيات. الساحة المسرحية التونسية تكاد تفتقد اليوم إلى النقد المسرحي وما نقرأه هو آراء وتحليلات صحافية يجتهد بعض صحافيي القسم الثقافي في تأثيثها، أما النقد الأكاديمي والنقد المعرفي فهو يكاد يكون مفقودا، وبذلك يكون الحوار غالبا انطباعيا ذوقيا.
والملاحظ ان المهرجان هذه السنة ورغم كل التحديات الأمنية الصعبة فقد حظي، بإعجاب الفنانين وبعض النقاد الذين أثنوا على القيمة الفنيّة للعروض المسرحية، خصوصا فيما يتعلق بالمضامين والنصوص المسرحية التي تمّ الاشتغال عليها وهي في مجملها تدور حول موضوع الواقع السياسي والاجتماعي في تونس، ولكن المقاربات الفنية اختلفت من حيث الإخراج و«السينوغرافيا» والأدوات التقنية، وهو ما جعل الفرجة الفنية والمتعة تطغى أحيانا على الطرح الفكري والسياسي وهو في تقدير مديرة المهرجان ميزة العمل المسرحي وليس نقيصته.
روعة قاسم