صناعة الحلم في السينما

أغلب من يشتغل في قطاع السينما ينطلق من مسلمة أساسية أن السينما في طبيعتها وبنيتها هي «مصنع للأحلام». كما تجسده بطلة الفيلم «المرأة في النافذة» (1945). وهو ترجمة بصرية وتصور للمدرسة الانطباعية للمخرج الألماني فرانز لانغ، لكابوس مزعج، حيث تأثير النظريات النفسية لسيغموند فرويد حول الشخصية وتمثلاتها الجنسية والإحساس بالخطيئة، وأهمية تأويل الأحلام في السينما، وذلك في سياق تاريخي هو السينما السوداء الأمريكية.
فإذا كان الحلم يشتغل وفق صور دالة فإن نفس الوتيرة تشتغل بها السينما لذا نجد هذا التقارب بين الثيمات والانعكاسات التي يخلفها الحلم والسينما على بعضهما البعض.
فالسينما تبحث عن إشارات اللاوعي المحرَرة من خلال المحددات الفيلمية «شخصياتها المتخيلة والأمثلة المتكررة والصراعات الكامنة لأبطالها وعمليات البناء السردي والثوابث الشكلية والحركات الفنية والاستراتيجيات الفرجوية لسياق التلقي الفيلمي»، دون اغفال الاهتمام المشترك لما سبق ذكره من طرف محترفي الصحة النفسية ودارسي الفن السابع.
ليس عبثا أن نجد المخرج ألفريد هيتشكوك من أكبر صناع الأحلام بمجموعة من الأفلام القوية في هذا المجال، فقد حاول أن يؤسس للعلاقة مع الجمهور من منطلق مبدأ واضح: أن الجمهور يرغب أن «تمنحه المتعة، إنه نفس الشيء حينما يستيقظ من كابوس…». وقد سجلت السينما بعد هيتشكوك هذا التأثير القوي في صناعة الفرجة السينمائية انطلاقا من فيلمه «تذكار» (1945) حيث شكل لحظة تاريخية في بناء الشخصية النفسية في السينما. المُشاهد لهذا الفيلم يمكن أن يقع تحت تأثير علاجي للمريض حيث تظهر الانعكاسات النفسية لشخصيته، ويمكن تحقيق نوع من التماهي مع البطل. هذا الفيلم ينطلق من رواية نفسية عميقة .. تتحرى المخاوف الإنسانية الطبيعية وتكشف زيف البرجوازية ويمتزج فيها الغموض بالإثارة. فيلم «ذكريات ريبيكا» يتحدث عن رجل ثري يقطن في قصره فَقَدَ زوجته «ريبيكا» في حادث غرق لتنتابه الكثير من الذكريات المزعجة والتي يسعى إلى طردها ولكن دون جدوى …وهو تأسيس سينمائي مبكّر لرعب الأماكن وأهميتها وسطوة شخصية غير موجودة «ريبيكا» وعمق نفسي وسيكولوجي شديد وبذلك خلق الفيلم إثارة قوية في سيرورته الدرامية .
هيتشكوك ليس المخرج الوحيد الذي ربط انعكاساته السينمائية بالحلم، مخرجون أخرون متأثرون به من بينهم المخرج لويس بانويل الذي يقول أن «السينما هي حلم مًنجزٌ». بمعنى أن مخرجا ما يقوم بإنجاز هذا الحلم في شكله السينمائي.
السينما والحلم: العلاقة المعقدة
   وجد العديد من المخرجين أنفسهم في صلب التفكير في علاقة السينما بالأحلام، وهي علاقة أكثر ثراء وتعقيدا وجموحا بمواضيع مثل «السينما ماكينة للأحلام» أو «الشاشة نافذة إلى اللاوعي»، لذا نجد العديد من الأفلام تشكل الأحلام جوهر قصصها وتتخللها بطرق مختلفة وأكثر ابهارًا.
فيلم آخر لا يمكن القفز عليه، شكل منعطفا في تاريخ الفيلم النفسي وهو «شارلوت هولمز العصري» (1924) والذي يكتشف و يستغل ـ التواصل الأمثل بين السينما والحلم. في السياق يبحر بِنَا فيلم «حلم الحب الخالد» للمخرجين هنري هاواي وبيتر ايستون (1935) حيث الأحلام عبارة عن مشاهد من دراما عاطفية ومن رغبة تكبلها القيود ومن حب يذهب أبعد من الموت، كذلك يمكن أن نستحضر فيلم «الساحر أوزو» حيث يتحدث عن سفر خيالي كله اندفاعات متهورة يمثل الحلم جوهرها. ويرى الكثير من المحللين النفسانيين وكذا النقاد أن أعمال ودي ألان ، تعتبر حالة نموذجية لسماته الشخصية في رؤيته السينمائية، معتبرين أن فيلموغرافيته تمثل سيرته الذاتية والتي كان يهدف من ورائها التحرر من التوترات والمخاوف ولا تأكيدات للكوميدي اليهودي عبر أفلامه الكوميدية.
يتخذ الحلم كذلك في فيلم «طفولة إيفان» للمخرج الكبير أندري تاركوفسكي شكل حَلٍ حيث يظهر الطفل إيفان متحليا بالشجاعة والشرف في لحظة كان العالم محفوفا بمخاطر الحرب والبؤس والتراجيديا. ومثل الحلم هنا جزءا من الهروب من الواقع.
علاقة السينما بالحلم هو حديث عن أول فيلم سيريالي في تاريخ السينما من اخراج انغمار برغمان «الفراولة البرية» حيث الأستاذ بورغ (من أداء فيكتور سوجوستروم) يحلم بحلم مزعج وليس من اللائق الحلم بجثة لذا كان عليه العودة إلى طفولته من أجل البحث عن السعادة والفرح. وهو شخص ينتظر الموت في نهاية حياته، ويبرع برغمان في كسر أسلوب السرد الفيلمي وهو يخلط بين الحلم والرؤية والحقيقة. وهذا ما يذهب إليه الشاعر الأمريكي ادغار الأن بو بقوله «كل ما نراه إذا لم يكن حلما، سيكون مجرد حلم داخل حلم». وهنا يمكن أن نستحضر فيلم «رغبة الحب» (1962) للمخرج جون هوستون الذي يتأسس سينمائيا وفق نظرية اللاوعي.
يمكن أن نتحدث عن حالة مميزة تظهر جلية في السينما السوداء في أمريكا الشمالية والتي تكشف في عمقها عن مجتمع مهمش، يعاني تحت البشرة، يظهر اللاوعي لمجتمع متشكك ومتشائم، ويصور بدقة عبر التحقق العميق في آليات التعامل للذهنيات داخل هذا المجتمع.
السينما العالمية: تاريخ من الحلم
  لم تتوقف السينما عبر مسارها التاريخي من تقديم مجموعة من الأفلام اتخذت من الحلم موضوعة مركزية لها. هذه الأفلام التي انطلقت منذ بداية الحرب العالمية الأولى إلى يومنا هذا والتي لم تتوقف واتخذت الحلم بكافة مقوماته وأشكاله موضوعة أساسية للتعبير عن الكثير مما يسكن الذات البشرية من أغوار ومن تحديات. كذلك تبرز هذه الفيلموغرافية عن الأهمية القصوى التي منحتها السينما لها بقصص متنوعة وطرق ورؤى اخراجية تسكن مبدعيها وممثليها ومخرجيها.
مما يستدعي طرح سؤال عميق، هل عالمنا هو نوع من الحلم الكبير؟ وهل توجد مستويات من الواقع داخل الأحلام التي تقدمها السينما؟
يقال أن الأحلام لن تكون حقيقية إلا إذا طالت واستمرت، ولكن لا يمكن أن نقول نفس الشيء عن الحياة. بالنسبة لأرسطو يعتبر الحلم نوعا من أنشطة العقل، إمكانية أن تصبح هذه الأنشطة واضحة وجلية في الحلم، وأيضا وسيلة لمعرفته مستغلا المستويات اللاشعورية التي تسمح بوضع أسئلة ميتافزيقية. كمثال أي نوع من الحلم والوهم، أو أنه توجد درجات من الواقع بدراسة الوعي في الحلم. عندما نحلم يكون لدينا الإنطباع أننا في الواقع، إمكانية مجابهة هذين الدرجتين من الشعور التي تقود إلى رؤية الواقع سواء برؤية خاطئة أو بوهم كما في الأحلام!
فالمستويات التجريبية للحلم تستطيع أن ترمز إلى درجات مختلفة من الواقع. مستوى يبرز حياة الشخص وهي تمر في غفوة من الحالم. وهذه الوظيفة تكشف أننا نوجد في قلب الحلم أو أننا في قلب الواقع.
هذا التماثل بين الحلم والواقع أو التماهي بينهما يعكس إلى أي حد استفادت السينما من علم النفس ومن مستويات الخطاب داخل هذه المنظومة بارتباط مع طبيعة الحال مع مستويات مختلفة من الواقع، وحتى حينما تقدم السينما المشاكل اليومية بالهروب إلى الحلم من الرقابة ومن الإكراهات المفروضة عليها وذلك قصد معالجة بعض القضايا الشائكة تحت غطاءات الحلم.
غالبا ما تنحو السينما إلى تصوير الأحلام في أشكال وألوان ضبابية وقزحية، وأجواء رومانسية يسعى من خلالها المخرجون إلى إحداث نوع من التقابلات. إن ما يحدث في الحلم هو صور للواقع وأن ما تنقله السينما بلغة شاعرية تجعل المتلقي ينغمس في بُطُون هذه الأحلام. في فيلم فرانسو وارد «من هنا إلى الأحلام» ينطلق المخرج بشكل عكسي، فعلى بطل الفيلم أن يجابه الواقع بشكل مختلف للانطلاق إلى الحلم.
علاقة أخرى نجدها في موضوعة الحلم ولها ارتباط كبير بعالم السحر والسحرة، حيث غالبا ما تقدم هذه النوعية من الأفلام الأبطال السحرة وهو يحلمون ويسافرون ويجبون البقاع ويتحولون إلى أشكال مختلفة يسعى من خلالها الحالمون والسحرة إلى الامساك بالحلم كما هو الحال في فيلم «غرفة السحرة» للمخرج كلود ميلر.
من خلال الاطلاع على الفيلموغرافية السينمائية العالمية والاطلاع على قصصها العالمية في حقل الحلم، يبدو للمطلع طرق تبرير الأحلام وتقديمها وإعادتها في أكثر من مرة كما هو حال فيلم «أليس في بلاد العجائب» الذي قدم في أكثر من مرة وبأكثر من صيغة انطلاقا من سنوات الخمسينيات من القرن الماضي إلى يومنا هذا. مما يستدعي طرح سؤال ماذا تعني هذه النوعية من الأفلام التي قدمت في أكثر من مناسبة وبأكثر من شكل؟ بالاضافة إلى سهولة القصة كما بطلة فيلم «سندريلا» في أفلامها المتعددة، نجد فيلم «أليس في بلاد العجائب»، يستهوي المنتجين ماديا وكذا المخرجين بتقديمه بحلة فانتازية مع التقنيات الجديدة التي أصبحت تتوفر عليها السينما والتي تصور الأحلام في قوالب فانتازية تجعل المتلقي في حيرة من أمره وأكثر اندهشا من الدقة في التصوير والإخراج كما هو الحال في أحلام «هاري بوتر»، الذي يمتزج فيه الحلم بالفنطازيا بروعة القصة وأساليب تصويرها. نحن إذن أمام تقنيات جديدة تقدم عوالم لقصص ألفناها ولكن لم نألفها في أساليبها الجديدة التي تنحو نحو الإبهار والدهشة، ألم تكن السينما منذ عهد المخرج جورج مليس تسعى لتحقيق الدهشة والإبهار؟
تبقى العلاقة بين السينما والأحلام أكثر تعقيدا وغنى وجموحاً، وتطرح أبعادا مختلفة لهذه العلاقة التي تحتاج للكثير من الدراسة والتحليل وسبر الأغوار.

عبدالله الساورة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية