أزمة اللاجئين إلى القارة البيضاء تراوح مكانها

حجم الخط
1

أقرّ البرلمان الأوروبي، يوم الخميس الماضي، الإجراءات العاجلة التي اقترحها رئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونكر، لتحسين توزيع واستقبال اللاجئين بين دول الاتحاد. ووافقت الدول الأعضاء، بغالبية 432 صوتاً مقابل رفض 142، وامتناع 57 عن التصويت، على توزيع 160 ألف لاجئ موجودين حالياً في اليونان وإيطـــاليــا والمــجـــر، بالإضــافة إلى اتفاق عــلـى وضــع آلية دائمة، لـتـوزيع اللاجئين بحـصـص محددة على البلدان الأعضاء.
أزمة اللاجئين إلى القارة البيضاء، لا تزال تراوح مكانها على عتبة ذروتها التي وصلت إليها مع تزايد الانقسامات بين أعضاء الاتحاد الأوروبي ليعيد هذا الانقسام إلى الأذهان أوروبا الموزعة بين الشرق والغرب، رغم أن الخلافات باتت أيضا بين شمال أوروبا النائي عن بوابات القارة حيث أول مقاصد اللجوء، وجنوبها الذي يحاول بكل الطرق المواءمة بين مصالحه الوطنية ومواثيق حقوق الإنسان والقيم التي ينادي بها.
شرق ووسط أوروبا الذي مثلته هنغاريا بامتياز، وهي أولى بوابات الدخول إلى فردوس الشنغن، غاضب من عدم وجود معايير وقيود تنظم عملية الهجرة إلى القارة، ومخاوف متزايدة من التغيير الديمغرافي بسبب قبول هذا العدد الضخم من نازحي الحروب والكوارث، وهو ما صرح رئيس وزراء المجر، فكتور أوربان دول القارة به، معلنا عن انتهاجه سياسة مختلفة عن سياسة الكبار التقليديين في أوروبا (ألمانيا وفرنسا)، مؤكدا في لقاء أجراه الخميس مع سفراء المجر في العالم، أنه يعتبر «..الاتهام المستمر للمجر بأنها فاشية أمرا مهينا ..ومن غير المطيق أن نظل ندافع ونشرح وكأننا أمامهم طلاب في مدرسة ونثبت لهم كل يوم اننا لم نسرق الحلوى من الدكان»!!.
وفيما أعلنت المجر استعدادها لنشر قوات على حدودها، لوقف تدفق عشرات آلاف اللاجئين. وأجرى الجيش المجري مناورات عسكرية، في جنوب البلاد، استعداداً لتكليفه بمهمة مراقبة الحدود، قبيل دخول القوانين الجديدة لمكافحة الهجرة حيز التنفيذ، فإن ألمانيا، الأكثر «كرماً» على اللاجئين، بالنسبة للتسهيلات التي تقدمها لطالبي اللجوء أو لاستعدادها استقبال أعداد كبيرة منهم، أعلنت الخميس، أن 450 ألف مهاجر وصلوا إلى البلاد، منذ بداية العام، بينهم 37 ألفاً في الأيـــام الثــمــانية الأولى من الشهر الحالي.
وفي اتصال هاتفي أجرته «القدس العربي» مع بابور بالوتش، المدير الإقليمي في وسط أوروبا لوكالة الأمم المتحدة للاجئين، أكد أن من المتوقع ان يدخل إلى أوروبا من الحدود الهنغارية ما يقارب الأربعين ألف لاجئ موجودين خلف الحدود ويتأهبون لدخول أوروبا.
بالوتش وحين سؤاله عن الضجة الإعلامية التي رافقت دخول اللاجئين إلى المجر أكد لـ «القدس العربي» أن السلطات المجرية قامت بواجبها في مساعدة اللاجئين وضمن إمكاناتها المحدودة، وقد ساهمت السلطات المجرية في تقديم التسهيلات للمنظمة الدولية.
وفي حين طالب المسؤول الأممي دول اوروبا بمساعدة دول حدودية مثل هنغاريا وإيطاليا واليونان، فقد أكد على أن بودابست ملزمة باتباع القوانين الأوروبية، موضحا أن على الدول المتشددة ان تتفهم بأن اللجوء ليس جريمة حسب القوانين الأوروبية.
إشارة بالوتش حول الوضع المتفاقم يوميا على حدود القارة من جهة الشرق، يعكس جزءا من سطح جبل جليد الخلافات في اوروبا، والذي انعكس في تصريحات زعمائه، وقيادات الأحزاب فيه، خصوصا انتعاش أحزاب اليمين الرافضة للمهاجرين مبدئيا، ففي آخر تصريحاتها المثيرة للجدل دعت مارين لوبان، رئيسة حزب الجبهة الوطنية الفرنسي، دول الاتحاد الأوروبي إلى تغيير تحالفاتها بالكامل في الحرب ضد الإرهاب، مطالبة بالتعاون مع روسيا وسوريا ومصر لمواجهة هذا الخطر حسب قولها.
وأكدت، في مقابلة مع قناة «روسيا ـ1» التلفزيونية، أن «السياسيين الأوروبيين يتخذون قرارات تعرض شعوب أوروبا لخطر كبير جداً»، مشددة في مقابلتها على أن الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي والحالي فرانسوا أولاند مسؤولان عما يحدث في ليبيا وسوريا، حيث أسهما ـ حسب قولها ـ في زعزعة الاستقرار فيهما، وفتحا المجال للتنظيمات الإرهابية المتطرفة، ما أوجد أزمة المهجرين التي تشهدها أوروبا حالياً.
وفي سياق الحديث عن مواقف اليمين المتطرف في اوروبا، فإن الأزمة تشكل مناخا خصبا للسياسي الهولندي اليميني المتطرف «خيرت فيلدرز»، الذي وصف في جلسة للبرلمان الهولندي يوم الخميس، موجة اللاجئين بأنها «غزو إسلامي» على حد تعبيره، مضيفا حسب قوله ان»..حشودا من الشبان الملتحين في العشرينيات من العمر يهتفون الله أكبر في أنحاء أوروبا، إنه غزو يهدد رخاءنا وأمننا وثقافتنا وهويتنا».
المخاوف الشعبية من تدفق اللاجئين إلى أوروبا، ليست ظاهرة عامة كما توحي تحذيرات أحزاب اليمين، فالاستقبال الشعبي للاجئين في ألمانيا والنمسا عكس حالة إنسانية على المستوى الشعبي متعاطفة مع معاناة هؤلاء كضحايا كوارث، وهو ما وصل ذروته بعد انتشار صورة الطفل الغريق إيلان الكردي، على شواطئ تركيا الأسبوع الماضي، لكن هذا الاستقبال الشعبي أيضا يقابله حذر شعبي أيضا تعكسه وسائل الإعلام المفتوحة على الرأي العام، من تأثيرات اقتصادية أو إجتماعية نتيجة هذه الموجات من المهاجرين.
البروفسورة فرانسواز دو بيلير، اكاديمية متخصصة في الديموغرافيا في الجامعة الأوروبية في فرنسا، أجابت على تلك التساؤلات المتعلقة بالتغيرات المتوقعة وقالت في حديثها لـ «القدس العربي» أن ألمانيا تحديدا، ومثل كثير من دول أوروبا لديها مشكلة سكانية، فالمجتمع عجوز بالتوازي مع معدلات خصوبة منخفضة، وهذا يجعل تلك المساحة الشاسعة قادرة على استيعاب المهاجرين الجدد، بالإضافة ـ تقول البروفسورة دو بيلير ـ أن الاقتصاد الألماني يعلن دوما عن حاجته إلى حرفيين أو ما يسمى Average skills وهو ما لا تخفيه التقارير الاقتصادية الألمانية.
وتضيف البروفسورة أن الحديث عن المخاوف بالتغيير الديمغرافي لا أساس علميا لها، وهي كلها مرتبطة بالانتخابات وعمليات تواصل انتخابي وسياسي. مضيفة ان الحديث أيضا عن خطر يحدق باتفاقية الشنغن لا أساس له، فالدول الاوروبية كلها تدرك جيدا ان اتفاقية الشنغن تجلب لكل منها منافع أكبر بكثير من المخاطر التي يتحدثون عنها.
وتؤكد المختصة الأكاديمية بعلوم السكان، ان لا مخاوف حقيقية من موجات اللجوء القادمة، فأوروبا قادرة على استيعاب تلك الأعداد، وهي كانت دوما تستقبلهم طوال عقود.
الحديث عن المجتمع العجوز، والذي أوردته الدكتورة في سياق حديثها لـ «القدس العربي» كان أيضا أحد محاور حديث رئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونكر أمام الاتحاد الأوروبي في بروكسل يوم الخميس.
يونكر في كلمته المطولة والتي تضمنت جوانب عاطفية تتحدث عن القيم الأوروبية التي تدعم فكرة فتح الأبواب للاجئين، قال في كلمته أن أوروبا أيضا بحاجة إلى فتح قنوات جديدة للمهاجرين، مشيرا إلى أوروبا كقارة عجوز، وأن المهاجرين يمكن أن يتحولوا من مشكلة إلى مصدر تتم إدارته بشكل جيد. مؤكدا في الوقت ذاته ان اتفاقية الشنغن لن يمسها تغيير ضمن رئاسة مفوضيته، وأن الاتفاقية يجب حمايتها دوما.
لكن..لماذا يختار اللاجئون دولا دون أخرى في أوروبا؟ وفي اللجوء السوري، لماذا الآن انفض اللاجئون عن تركيا بهذه السرعة؟
توجهنا بتساؤلاتنا إلى الناشط السوري في حقوق الإنسان المقيم في بلجيكا إياس قعدوني، والذي أجاب بقوله أن الطريق إلى اوروبا والدخول إليها وإن بطرق غير شرعية كان متاحا بسهولة أكثر في السنوات السابقة وبكلفة أقل بكثير، لكن أسباب هذا التدفق المفاجئ الأخير يعود إلى عدة عوامل أهمها طول أمد الأزمة والمعطيات السياسية التي لا توحي بأي انفراج قريب، بالإضافة ـ والحديث للقعدوني ـ أن معطيات السياسة التركية الداخلية ساهمت إلى حد كبير بهذه الطفرة المفاجئة.
القعدوني استطرد لـ «القدس العربي» موضحا ان الهزة التي ألمت بحزب العدالة الذي يقوده أردوغان جعلت اللاجئ السوري يخاف على مستقبله في بلد اللجوء التركي، خصوصا كما يقول القعدوني ان السوري بات يلمس مؤخرا تغيرا في المعاملة داخل تركيا توحي بضرورة البحث عن ملاذ آمن، وهو ما يجعله ينتقي بين دول اللجوء أفضلها في تحقيق معادلتين، أولهما بلد تحقق لك العمل بأسرع وقت ممكن، وثانيهما البلاد ذات الشروط الأفضل في معاملات لم الشمل، مما يجعل ألمانيا والسويد الخيار الأفضل للاجئين.
هل أوروبا أمام محك اختبار لمفهوم القيم الأوروبية الإنسانية؟ سؤال توجهنا به إلى ألبرتو فرناندز، سفير أمريكي سابق وخبير في شؤون الشرق الأوسط، حيث التقته «القدس العربي» في بروكسل على هامش اجتماعات في الاتحاد الأوروبي فقال أنه برغم السلبيات التي رأيناها في الإعلام إلا أنني أراهن على انتصار القيم الأوروبية المبنية على تضامن أوروبي أخلاقي فيما يخص حقوق الإنسان، والذي سينتهي بقبول عام للاجئين.
لكن ـ يستطرد فرناندز ـ فإنه على المدى البعيد هناك سؤال يرتبط بكل المهاجرين من أي هوية حول مدى استعداهم للإندماج والانسجام مع مجتمعاتهم الجديدة. وهو سؤال يستحق من أوروبا التفكير به، ومراجعة برامج الاندماج بشكل يتناسب مع الواقع الجديد.

مالك عثامنة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية