لبنان: بين حراك مفتوح وحوار مغلق…المتحاورون غرقوا في بحث جنس الرئاسة

حجم الخط
0

بيروت – «القدس العربي»: يمكن اختصار المشهد السياسي هذا الاسبوع في لبنان بحوار ما بين الساحات والقاعات، فداخل قاعة مجلس النواب اجتمع المتحاورون، والخلاصة ان الشغور في الرئاسة هو المشكلة وانتخاب رئيس هو بداية الحل، ولكن الكل متمترس خلف مواقفه المعروفة. وهكذا انتهت جلسة الحوار الأولى بلا مفاجآت. ولولا المشادّة الحادّة بين رئيس تكتّل «التغيير والإصلاح» العماد ميشال عون ووزير الاتصالات بطرس حرب لكانت اقتصرَت الجلسة على المداخلات المعلومة التي تعكس آراء فريقَي الصراع بين أولوية انتخاب رئيس أو أولوية إجراء انتخابات نيابية.
وانسحب غياب عنصر المفاجأة في الحوار على الشارع ايضاً الذي نجَح بالحشد وإن كان أقل من المرات السابقة لكنه لم ينجح في تسجيل أيّ خَرق في ظلّ تعدد الأهداف.
وكانت طاولة الحوار إنعقدت على وقع حراك الشارع واعتصامات هيئات المجتمع المدني خارج مبنى المجلس النيابي. وانتقلت الجبهات المتخاصمة من الحكومة ومجلس النواب إلى قاعة الحوار، حيث بدأ البحث بالبند الأول الذي وضعه رئيس مجلس النواب نبيه بري، وهو انتخابات رئاسة الجمهورية، معتبراً «أن مجرد انعقاد الحوار يعبّر عن النجاح في تأكيدنا جميعاً الإلتزام بأن الحوار هو السبيل للخروج من أزماتنا وإلتزامنا بوحدة بلدنا وصيغة العيش الوطني». وقال «نعم كان لا بد من هذا الإجتماع من أجل خلاص وطننا من حالة الجمود الراهن حتى لا نعثر على وطننا في مكب التاريخ، ذلك لأن السلبية المتأتية عن السياسات الخاصة والمصلحية والحزبية والشخصية كادت أن تهدد وجود لبنان». وأضاف «نحن نجتمع لنحاول وضع حلول عادلة ومخارج صحيحة وهذا الأمر يحتاج إلى توحيد المواقف لا إلى حوار الطرشان.
وإنني أناشدكم، بل إن الوطن يناشدكم الإتفاق متمنيا أن لا يكون قد فات الوقت وأن نتمكن من رسم خارطة طريق لعبور الاستحقاق الرئاسي وإطلاق عمل التشريع لوضع القوانين الرئيسية التي ترسم صورة لبنان غداً وإخراج السلطة التنفيذية من واقع التفكك وتنشيط أدوارها». ولفت بري إلى «أن كل البلاد العربية أو أكثرها حتى لا ابالغ هي بحاجة لحوار، عدا ذلك فإننا سننتظر أن يأخذ احد بيدنا إلى احدى العواصم ليتم إبلاغنا المخرج الذي نوافق عليه وتعليق لبنان على مسمار في حائط الشرق الأوسط إلى لحظة إنفجار جديد فهل نستحق لبناننا؟». 
وكان بري تقصّد توزيع المتحاورين حول الطاولة بشكل مختلط وكان لافتاً إجلاس النائب ميشال عون على شمال بري وبالقرب منه الرئيس فؤاد السنيورة، وهذا ما جعل وجوه المتحاورين متجهمة خلال التقاط الصور.
وإن كان النقاش بقي في بند الرئاسة فهو سرعان ما تحوّل إلى نقاش مستحيل خصوصاً في ضوء كلام رئيس كتلة الوفاء للمقاومة النائب محمد رعد الحاسم بقوله: هناك مرشح واحد اتفقنا عليه جميعاً وهو النائب ميشال عون لكن عندما أتت كلمة السر من الخارج بدّلتم موقفكم فيما نحن لم نغيّر موقفنا». وأضاف «لن نقبل بأي رئيس لم نوافق عليه ولا يشكل ضمانة لنا ولن نكرر التجارب السابقة». وبعدما تكلم الجنرال عون عن خرق الدستور في التمديد للمجلس النيابي وعن خرق القوانين بالتمديد للقادة الأمنيين وعن خرق الميثاق عندما يُرفَض الأكثر تمثيلاً لدى المسيحيين، وصف المجلس النيابي بغير الشرعي ودعا إلى اعتباره مجلساً تأسيسياً لتعديل الدستور لانتخاب الرئيس من الشعب، وآزره رئيس «تيار المردة» النائب سليمان فرنجيه بتوجهه إلى الرئيسين فؤاد السنيورة ونجيب ميقاتي قائلاً: «هل تقبلان أن يكون رئيساً للوزراء موظف فئة أولى؟».
وفيما مضت النقاشات في إطار هادئ، خرقتها مشادة مفاجئة بين العماد عون والوزير بطرس حرب الذي طرح في مداخلته اسم عون مرشحاً للرئاسة فردّ عون: «أنا منّي مرشّح». فتابع حرب: «أنا عم احكي مع الرئيس بري»، فأجابه عون: «عم تحكي عني وأنا هون». ورد حرب على طلب عون تعديل الدستور لانتخاب الرئيس من الشعب مستغرباً كيف لا يعترف بالمجلس وكيف يطلب منه تعديل الدستور؟ فسارع عون إلى الرد بحدة «ما تلفظ اسمي على لسانك وما تجيب سيرتي»، فرد حرب «جنرال انا سمعتك واستمتعت فيك تسمعني وما تستمتع»، علا صوت عون فعلا صوت حرب وقال «لا يمكن أن تفرض رأيك علينا نحنا جايين نناقش».
ولم ينته السجال عند هذا الحد، بل انتقل إلى خارج أسوار الحوار حيث صدر عن المكتب الإعلامي لرئيس تكتل التغيير والاصلاح العماد ميشال عون بيان جاء فيه « يهمّنا أن نوضح أنّه وبعد مداخلة العماد عون عن شرعية المجلس النيابي التي فقدها بالتمديد، وقانويته التي يفقدها بتجاوز القوانين، أخذ الوزير بطرس حرب الكلام محاولاً حرف الموضوع وإعطاءه منحى شخصياً بقوله إن دوافع كلام العماد عون هي كونه مرشحاً للرئاسة».
فأجابه العماد عون «حكيت قانون جاوبني قانون، مش بالشخصي وبالنوايا..»وأضاف المكتب «نسأل معالي الشيخ حرب، الذي لطالما تنطح، وفي كل استحقاق رئاسي، إلى تقديم برنامج رئاسي، يفاجئ حلفاءه قبل خصومه، بحجم استدارته عن مواقفه السابقة، استرضاء لهذا وذاك، أن يقلع عن العنتريات والبطولات الفارغة، لأنها لن تغطي حقيقةً، الشهود عليها كثر».
ولم يقتصر التراشق على طاولة الحوار ، بل إن تراشقاً حاداً حصل بين كتلتي الوفاء للمقاومة والمستقبل بعد إشارة كتلة الوفاء للمقاومة في تلميح إلى سياسات تيار المستقبل والرئيس فؤاد السنيورة إلى أن «تفشي آفة الفساد في مؤسسات الدولة وبلوغ الاهتراء حداً كارثياً خطيراً لم يأت من فراغ، بل هو وليد سياسة وأداء من أمسك بالسلطة على مدى عقود، فمنع قيام دولة حقيقية، من خلال التدمير الممنهج لإستقلالية قرارها السياسي وسلطتها القضائية، ودور مؤسساتها، ووضعها رهينة حساباته الفئوية تارة بإستثماره على الوجود السوري في لبنان، وطوراً على التدخل الخارجي»، كاشفةً أنه «من نتاج هذه السياسة ما لحق بمالية الدولة من أضرار بالغة بات من الصعب إصلاحها، بعدما رهنها بديون وصلت إلى السبعين مليار دولار، وأنشأ إدارات رديفة لا تخضع للسلطة الفعلية للدولة، وعطّل الهيئات الرقابية، ومنع المساءلة والمحاسبة في هدر المال العام كما في ملف الأحد عشر مليار دولار، وعمَّم ثقافة الفساد والإفساد في السياسة والإدارة، وأقام محميات مذهبية وطائفية للمرتكبين».
وإذ اعتبرت الكتلة أن «مكافحة هذه الآفة يتطلب وجود دولة حقيقية، تفتح ملفات الفساد وتحاسب المتورطين وتطبق القوانين من دون محاباة ومحسوبيات واحتماء بالانتماءات المذهبية والطائفية التي كرَّسها قادة الارتكابات بحق المال العام»، أكدت أنه «لا يجوز تعميم تهمة الفساد على الجميع لأن في ذلك تجهيلاً للفاسدين والمفسدين الفعليين وحماية لهم».
وقد سارعت كتلة «المستقبل» النيابية إلى الرد معلنة تبنيها «من دون أي تحفظ المطالب الداعية إلى استئصال الفساد من جذوره»، داعية «جميع القوى السياسية إلى إعادة قراءة مشروع القانون الذي تقدمت به حكومة الرئيس السنيورة عام 2006 لإخضاع حسابات الإدارات العامة والمؤسسات العامة والبلديات واتحادات البلديات والمرافق العامة التابعة للدولة لاجراءات التدقيق والمراجعة وفقا للقواعد الدولية للتدقيق، وذلك منذ اتفاق الطائف وحتى اليوم وحينها ليتحمل كل من تورط بالتطاول على أموال اللبنانيين مسؤوليته الكاملة امام الشعب اللبناني». وتوقفت الكتلة أمام «الحملة العنيفة والمنظمة التي يشنها إعلام حزب الله بصوت بعض نوابه ومسؤوليه وأبواق أخرى تابعة له وعلى وجه الخصوص ضد منطقة وسط العاصمة بيروت بالتحديد، والتي بلغت ذروتها من خلال الدعوة الموجهة إلى مجموعات الحراك المدني من أجل تحديد وجهة استهدافها باتجاه ما زعمت تلك الأصوات أنه فساد في وسط بيروت ومتهمة سوليدير بأنها اغتالت الدولة ولا تزال تقوم بذلك، وان على الدولة ان تستعيدها وتفككها. ولعل هذه الحملة كشفت هوية «المندسين» على الحراك المدني الذين اعتدوا بحقد واضح على الأبنية العامة والخاصة في وسط العاصمة وعلى ضريح الرئيس الشهيد رفيق الحريري وتمثال الرئيس الشهيد رياض الصلح». وأضافت الكتلة «هذه الحملة المنظمة ذكّرت بحملتين سابقتين من ذات المستوى، الأولى بين عامي 1999 و2000 والتي أدت إلى زج شرفاء ظلماً وعدواناً في السجون حيث تبين لاحقاً براءتهم جميعاً. وكذلك افتراءات طالت عدداً من السياسيين تبين فيما بعد كذبها وبطلانها. والثانية خلال نهاية عام 2004 وبداية عام 2005 ضد الرئيس الشهيد رفيق الحريري والتي انتهت باغتياله».
وأشارت إلى أن «مشروع إعمار وسط بيروت لم يكن في أي وقت من الأوقات مشروعا اقتصاديا بذاته فقط، بل هو مشروع وطني بالدرجة الاولى جاء لتوحيد عاصمة الوطن المقسمة بيروت بعد حرب أهلية مدمرة أكلت الأخضر واليابس. ولولا هذا المشروع الذي تقدم به الرئيس الحريري لإعادة إحياء وسط مدينة بيروت وإعادة توحيدها لبقي كل لبنان مقسماً ولربما هذا ما كان يريده أصحاب هذه الحملة».
ورأت ان «هذا الحقد الأسود على وسط العاصمة بيروت يعكس عقلية مريضة تناست ان من أموال هذا المشروع ومن أموال جميع المساهمين دفعت في حينه مبلغ 250 مليون دولار اضافة إلى التعويضات من صندوق المهجرين لكل المقيمين بشكل غير قانوني على أملاك الغير في وسط العاصمة، والذين كانوا يعانون الأمرين والذين انطلقوا إلى مناطقهم وبنوا بيوتهم ومؤسساتهم في كل لبنان بدءاً من الضاحية الجنوبية الصابرة ووصولاً إلى الجنوب الصامد».
ولفتت إلى ان «مرتبة حزب الله في الفساد تفوق كل التصورات، فإقامة مناطق نفوذ طائفي على حساب الدولة فساد، والتهرب من الالتزامات التي توجبها القوانين فساد، وعسكرة البيئات التابعة له واقامة مربعات الأمن الذاتي فساد، وتشريع التهريب عبر المرافق العامة فساد، والامتناع عن دفع الرسوم والضرائب فساد، وتشجيع السوق السوداء فساد، والاتجار غير الشرعي بالدواء والمخدرات والكبتاغون وتصنيعها فساد. إن ما ينطبق على ادعاءات حزب الله هو انك تستطيع ان تكذب على بعض الناس بعض الوقت لكنك لا تستطيع ان تكذب على كل الناس كل الوقت».

سعد الياس

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية