ما هي مشكلتي كمسلم مع تنظيم «الدولة»؟

حجم الخط
5

عندما ظهر تنظيم «الدولة»، لم أملك إلا احترامه، على الأقل مقارنة بحركات الإسلام السياسي التي كانت تذبح وما تزال وهي متشبثة بالهتافات السلمية العاجزة الخائبة، وكأنه لا يوجد غير تلك الهتافات وسيلة للمقاومة! فقد كان يرفع، قولا وفعلا، شعارات نضالية جذابة لا يمكن لأي مسلم أو عربي مهموم بما نعانيه في العالم الإسلامي والعربي من تنكيل وذل واضطهاد إلا أن يتعاطف معها، من قبيل الجهاد من أجل تحرير الأراضي العربية والإسلامية من رجس الاحتلال الأجنبي.
لم أحفل كثيرا في البدايات بما كان يشاع عن إرهاب التنظيم ودمويته، وذلك لنقص المعلومات الموثوق بها عنه، ولأن الأطراف التي كانت تروج مثل تلك الاتهامات عن التنظيم لا تختلف أفعال معظمها من حيث الجوهر عن أفعاله، مع اختلاف الدوافع والأهداف. وكنت أقول لنفسي مثلاً إن الدولة التي تسمح لنفسها بإلقاء قنابل نووية على مدنيين أبرياء، لتبيد عشرات الآلاف منهم في ساعات، كما فعلت الولايات المتحدة الأمريكية مع اليابان إبان الحرب العالمية الثانية، هي آخر من يمكن أن يحق له، هي وأذنابها الذين يتنافسون في درجات إجرامهم وإرهابهم، اتهام أحد بالإرهاب. ولكن بمضي الوقت، وباتضاح الصورة أكثر، بدأت أكابد مشاعر متنامية من القلق والخوف والتوجس كلما ذكر اسم التنظيم. فطريقة تعامله مع أسراه الضعفاء ممن مكنه الله منهم، بل ومع إخوة له في تنظيمات إسلامية مقاومة تختلف معه في الرأي والاجتهاد، جعلتني أراجع حساباتي وأعيد النظر في موقفي منه. فقد كنت أتساءل طوال الوقت: أهذا هو النموذج الذي يعبر فعلا عن حقيقة الدين الإسلامي! وهل كان بإمكان الإسلام أن يسود العالم وأن يقيم واحدة من أعظم الحضارات في التاريخ، بالرغم من كل انحرافاتها الشرعية ومن كل المآخذ الممكنة عليها، لو اتصف حملة رايته بما يتصف به أعضاء التنظيم من غلظة وقسوة ودموية وضيق أفق، مع القريب قبل البعيد! وهل يمكن أن يطيب للمرء عيش ينعم فيه بحرية ممارسة قيم التحضر والإبداع والتفكير والتعبير، ليس بالمعنى الغربي طبعا لتلك المفردات، تحت حكم دولة بمواصفات تنظيم الدولة!
وبينما كانت تلك الأفكار المؤرقة تتناوشني، دخلت في حوار «إنترنيتي» ذات يوم مع حقوقية بلجيكية حول الإسلام، وأنا أطمع في أن يهديها الله لدين الحق. فإذا بها تلقي في وجهي بفيديو مرعب يوثق بعض «حفلات» الإعدام التي قام بها التنظيم لعدد من أسراه، تضمن أحدها تعليق الرؤوس المقطوعة على الأعمدة، وآخر ركل رأس مقطوع باستمتاع وكأنه كرة قدم، متسائلة بشماتة وتهكم: أهذا هو الإسلام الذي تريد دعوتي إليه! لا أخفيكم أنه انعقد لساني ولم أدر بمَ يمكن أن أجيبها، فإذا كان هذا هو الإسلام فعلا، فمن هو ذلك الشخص العاقل السوي الذي يمكن أن يفكر باتباعه في عالم اليوم! أفهم أن القصاص أمر شرعي ومهم وضروري وواجب، ولكنه ينبغي أن يخضع لضوابط ومحددات غاية في التشدد والحرص والتقصي والتريث، تحصر تنفيذه ضمن أضيق الحدود الممكنة، ومع الذين يستحقونه بالفعل وحسب. وذلك حتى لا يتحول إلى ما يشبه الممارسة الانتقامية الجماعية السادية العمياء، البعيدة كل البعد عن الأسس التي يقوم عليها الإسلام، كدين للرحمة والعدالة والعفو وعدم معاقبة أحدهم بجريرة غيره. كما أفهم أن النفوس ممتلئة بالقهر والغضب بسبب الجرائم والمجازر النكراء التي ترتكبها عصابات المجرم الأسد، والشراذم الإيرانية المناصرة له ضد أهلنا في سوريا والعراق. ولكن إذا كان رد بعض التنظيمات على تلك الجرائم بما هو مثلها أو أفظع منها، فبماذا تختلف بربكم عن مقترفيها، وكيف يمكن لأعضائها الادعاء بأنهم أسمى منهم أو أكثر إنسانية ونبلاً، أو أنهم يمثلون ديناً خيراً من دينهم! ولتبرير تلك المذابح المفزعة التي يرتكبها التنظيم، فإنه يتذرع بفهم سقيم للآية الكريمة التي تأمر المسلمين بأن يعاقبوا خصومهم بمثل ما عوقبوا به. أفئن قام احدهم باغتصاب أخت آخر، كان من حق الأخير الإقدام على اغتصاب أخت الأول عقاباً له على جريمته بمثلها!
من المؤكد تاريخيا إن الإسلام قد انتشر في أصقاع كثيرة حول العالم عن طريق التجار المسلمين، من خلال أمانتهم وبرهم وإحسانهم ودماثتهم وبشاشة وجوههم ولطف معشرهم. فأين هؤلاء وما كانوا يتسمون به من مناقب جذابة محببة استقطبت ملايين القلوب لاعتناق الإسلام بالحكمة والقدوة الحسنة، من أصحاب الوجوه المكفهرة الذين يتأبطون شراً وتقدح عيونهم شرراً، الذين ينجحون، وباقتدار كبير، بعنفهم وشراستهم وتلذذهم بجز الرؤوس، في تدعيم الافتراءات التاريخية الباطلة التي تزعم أن الإسلام لم ينتشر إلا عنوة بقوة السيف! إنني أميل إلى القول بأن الإسلام هو دين العدالة، قبل أن يكون دين السلام. وهذا يعني أن على المسلمين أن يتـحلوا بالمنعة والقوة الكافية اللازمة لإحلال السلـام وفرض العدالة، بما يتضمن الاستعداد الكامل والدائم لـلدفاع عن الـحق ومهاجمة الباطل وقواه، لدحرهـم وكـف عدوانـهم وأذاهم. إلا أن طلب العدالة والسـعي لإحقاق الحق لا يعنيان في المقابل، وبحال من الأحـوال، إظهار الإسلام كما لو كان دينا عدوانيا ملطخـا بالدماء، لا يـعرف غير لغة العنف والذبح والتـهديد والوعـيد. ومع أن النبي عليه الصلاة والسلام قد أمر بقتل حفنة من عتاة المجرمين الذين لا يتجاوز عددهم أصابع اليدين عندما قام بفتح مكة، نظرا لإصرارهم على الباطل ومواظبتهم على ارتكاب أبشع الجرائم ضد المسلمين حتى اللحظة الأخيرة، إلا أنه عفى عن الآلاف من أهلها، ممن سبق وحاربوه لسنوات طوال؛ ما دفع أكثرهم للدخول في الإسلام عن رضى واقتناع وطيب خاطر. فأين هذا مما نسمع عنه ونراه من إعدامات بالجملة على يد مقاتلي تنظيم الدولة، لا تطال فقط الأعداء المحاربين، مع عدم جواز قتل هؤلاء إذا ما تم أسرهم، ولكنها تطال أيضا كل من تسول له نفسه الاختلاف مع ذلك التنظيم، الذي يريد كما يبدو أن يفرض نفسه بالحديد والنار وكيلاً وحيداً وحصرياً عن الإسلام، بعد تكفير وتدمير كل من لا يدين له بفروض الطاعة والولاء!

د. خالد سليمان – أكاديمي مقيم في كندا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية