ما إن غادر جيرمي كوربن قاعة الملكة اليزابيث للمؤتمرات في لندن حيث أعلن فوزه برئاسة حزب العمال بأغلبية كبيرة حتى توجّه ليخطب في تظاهرة كبيرة بعد وصولها إلى الساحة المحاذية للبرلمان البريطاني.
عنوان التظاهرة كان «أهلا باللاجئين» وقد استقطبت عشرات من منظمات المجتمع المدني التي قامت بتحشيد عشرات الآلاف من البريطانيين الذين هتفوا تحت خليط هائل متنوع يجمع بين أعلام الثورة السورية ورايات منظمة «أوقفوا الحرب» وحملة نزع السلاح النووي وعشرات الرايات الأخرى التي تعاضدت لخدمة هدف إنساني كبير.
انتصار كوربين كان هزيمة كبرى لتيار في حزب العمال موال لتوني بلير، الذي ابتلي به العرب حين كان رئيساً للوزراء وساهم مساهمة كبرى في غزو العراق، وناء بثقله الفلسطينيون حين نجح حليفه الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش في تعيينه مسؤولاً عن اللجنة الرباعية حول الشرق الأوسط، فاستخدمها غطاء لدعم الموقف الإسرائيلي وتحسين شروط صفقات مؤسساته السياسية ـ المالية مع الطغاة والمستبدين العرب.
تركزت انتقادات اليمين في وسائل الإعلام وحزب المحافظين وداخل حزب العمال نفسه على آراء كوربن السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ومنها نقده لحلف «الناتو»، وتدخّل بريطانيا العسكري في العالم، ورفضه سياسة التقشف الاقتصادية، ودفاعه عن الطبقات الفقيرة وإيمانه بضرورة توزيع ثروات البلاد بشكل عادل، كما حذّرت من إمكان حصول «حرب أهلية» داخل حزب العمال، ولم تغفل أي من وسائل الإعلام قضايا سياسية خارجية تثير الجدل منها آراؤه المختلفة عن آراء المؤسسة الرسمية البريطانية حول حركة «حماس» الفلسطينية و«حزب الله» اللبناني، وكذلك علاقاته المميزة باليسار الأوروبي والعالمي.
يشكّل فوز جيرمي كوربن تغيّراً مهمّاً لا في تاريخ الأحزاب البريطانية فحسب بل في المزاج الشعبي البريطاني، الذي دفع مئات الآلاف لتسجيل أسمائهم في حزب العمال ليتمكنوا من التصويت الذي دفع كوربن من شخص بالكاد كان ملحوظاً إلى سدّة رئاسة الحزب، وترافق ذلك، بشكل استثنائي، مع مظاهرة دعم اللاجئين الكبيرة، وكذلك مع فوز المرشح صادق خان بتمثيل حزب العمال في انتخابات منصب عمدة لندن.
يسيء التحليل لفوز جيرمي كوربن إذا تمت قراءته باعتباره انتصاراً لنفوذ عتاة اليسار البريطاني القدماء فحسب، والواقعي أن يقرأ هذا الفوز ضمن حركة سياسية أوروبية، تربطها صلات وثيقة بتيارات اليسار، ولكنّها أيضاً تعبير عن رغبة فئات كبرى في المجتمعات الأوروبية في خلق ديناميّات جديدة للتغيير، كما حصل في اليونان مع حزب سيريزا، وفي اسبانيا مع حزب بوديموس.
لكن هذا المنظور الأوروبي لأسباب «الانتفاضة» في حزب العمال لا ينفي حصولها لأسباب داخلية بريطانية يقع تراجع حزب العمال البريطاني الكبير في الانتخابات التشريعية الأخيرة في صلبها، وخصوصاً في انحساره شبه التامّ عن اسكتلندا التي كانت حصناً حصيناً للحزب أمام صعود الحزب القومي الاسكتلندي، فهذه الهزيمة شكّلت تحدّياً كبيراً وخضّة وجودية للحزب وأنهت عملياً المرحلة البليرية التي رفعته لسدة السلطة ولكنّها هشّمت الأسس التي قام عليها، كما لو أن توني بلير قد باع روح الحزب للحصول على السلطة والنفوذ، وهو ما يفسّر هذه الرغبة العارمة في دفن هذه المرحلة وفي استعادة البوصلة الأخلاقية للحزب.
تحمل هذه التيارات بذور تناقضاتها ولكنّها، في الآن نفسه، تفتح باباً واسعاً للأمل للأوروبيين كما للشعوب الأخرى وبينها شعوبنا العربية، وهو ما يعطي معنى كبيرا لقول وزير مالية اليونان السابق عن حزب سيريزا، يانيس فاروفاكيس إن الربيع السياسي العربي انهته الدبابات واليوناني أنهته البنوك.
بهذا المعنى فإن مواجهة الاستبداد المعولم يتوافق، حسب فاروفاكيس، بالضرورة مع مواجهة الاستبداد المحلّي، وهذه، بصراحة، إحدى النقاط الإشكالية لدى بعض اتجاهات اليسار القديم الذي يدعم كوربن، فهو مع اللاجئين من سوريا والعراق لأنهم ضحايا الامبريالية الأمريكية، لكن عندما يصل الأمر إلى وحشية الطغاة المحليين، مثل بشار الأسد، يتوقّف المنطق اليساري الأوروبي عن العمل، فيتجاهل قصف البشر بالأسلحة الكيميائية والبراميل المتفجرة والصواريخ، ولا يرى غير سرديات «المقاومة» و«الممانعة».
رأي القدس