■ غازي القصيبي ( 1940ـ 2010 ) رجل سياسة ولكن لمع اسمه في الفضاء الثقافي العربي بوصفه روائيا وشاعرا. ويعد ّ من كبار المثقفين في السعودية ويتسم متنه الشعري بالثراء من حيث المواضيع والأبعاد التي لم تقتصر على البعد الوجداني الفردي وإنّما اتسعت دائرتها لتشمل القضايا السياسية. ولذلك يمكن النظر في شعره من زوايا ثــلاث وهي أولا الحب والغزل وثانيا التعبير عن المعتقد الديني وأخيرا المواقف السياسية.
الحب والغزل بالمرأة
يبدو القصيبي مفتونا بعالم المرأة والحب. وانتظمت أشعاره في هذا الباب بالتوازي بين تلبية رغباته الوجدانية وإنفعالاته الباطنية وبين الاستجابة لضغط الإقتداء بشعراء الغزل في مدونة الشعر العربي. ولذلك بقي متمسكا بالمعجم الغزلي الذي شاع في متن الشعر العربي القديم كالحب والصبوة والشوق والهوى والشكوى دون أن يتخذ له سمتا جديدا للتعبير عن حب المرأة والنأي عن أشكال التعبير التقليدية. فهو يقول في قصيدة «أغنية قبل الرحيل» (ص 46-47 ).
خلت أن الحب ميـلاد جديد
آه كـم كنـت غـريـرا عندمـا
عـالم مــرّ وشكوى وقيود
أيـها الطفـل انتبه فالهوى
و حسبت الحب فردوس الدنى؟
كيف أسلمت قيادي للمنى
صبوتي الأولى وشوقي أرعنا؟
كيف أهرقت على محرابه
ولم يتحرر الحب لديه من معاني المعاناة والعـذاب أو القداسة والإجلال. وهي المعاني نفسها التي تحكمت في تجارب الحب الشهيرة لدى جميل بثينة وقيس بن الملوّح وعمر بن أبي ربيعة وغيرهم من شعراء الغزل التقليدي.
ولئن عبّـر القصيبي في عديد القصائد عن عشقه للمرأة وعن الهيام بجمالها إلاّ أنه لم يتقيد بحبّ امرأة محـدّدة ولم ترد في شعره أسمـاء النساء اللواتي أحبّهن. فحسبه الإفصـاح عن انفعالات العشق وانجذاب القلب والوجدان نحو النساء الجميلات كقوله في قصيدة «أم النخيل»:
أشكــو إليــك حســان الأرض قاطبة
عشقتهن فكان العشق ما قتــلا
ويــلاه من حرقـة الولهـان..يتركــــه
مع الصبابة.. شوق ودّع الأمـلا (ص 124)
وتؤدي بنا هذه الملاحظات إلى القول بأنّ الغزل بالمرأة لـدى الشاعر القصيبي هو تجربة لغوية وشعرية في المقـام الأوّل أكثر من كونه تجارب عاطفية في الواقع المرجعي وفي سيرته الذاتية. ولم تحاول نصوصه الغزلية الانفلات من قيود الموروث الشعري الكلاسيكي سواء في سجلات القول والمعاني أو في إتباع البحور الخليلية المعروفة وأساليب النظم التقليدي.
التعبيـــر عن المعتقــد الدينــي
التعبير عن المعتقد الديني وارد في شعر القصيبي في مسـار التعريف بسيرته الذاتية ورفع الحجب والأقنعة حتى عن المسائل الشخصية. إلاّ أنّ مسألة التدّيـن والتعبير عن المعتقد لم تتجاوز لحظات الإيمان والتسليم اليقيني والكلي بالــذات الإلاهـية أو طلب العفـو والمغفـرة. ومن هذه المواقف قولـه في قصيدة «حديقة الغـروب»:
يا عالم الغيـب ذنبـي أنت تعرفه
و أنت تعلم إعلاني .. وإسراري
و أنت أدرى بإيمان مننت به
عليّ ما خدشته كــلّ أوزاري (ص 143)
ولم يكن موضوع الإلاه أو الثـواب والعقـاب أو الحشـر والبعـث والمعاني الكامنة وراء هذه المفـردات مسألة للحيرة أو الشك أو للتفكير والتساؤل كما هو الشأن لـدى طائفة من الشعراء كالمعري في اللزوميــات. ويبــدو أنّ القصيبي حسم المسألة الغيبية حسما جازما يقيه الدخـول في مواجهات سياسية أو دينية شتـى لا سيّـما وهو رجـل سياسي في المملكة العربية السعوديـة. ففي لحظة خشــوع وخشيــة من الـذات الإلاهيــة يقـول في قصيـدة «لــك الحمـــد»:
و لم أخـش يا رباه موتا يحيط بي
و لكنني أخشى حسابك في الحشر
و ما حدّثتني بالفرار عزيمتي
و كم حدّثتني بالفرار من الوزر (ص 43)
ويعــد التصريـح بصفــاء الإيمــان والفــرار نحو التطهيـر والمغفـرة والتوبــة من المسالـك التي عبرها طائفـة من الشعـراء المشهورين بالجــود والعصيــان الأخلاقـي والديني كأبي نـوّاس وعمر بن أبي ربيعة في آخـر حياتهما. ولكن القصيبي ينحـو هذا السمت بما يملي عليه ضميره الديني ولأنّ مكانته السياسية تستوجب نصاعـة الصورة وبريـق السيرة الأخلاقية والدينية.
المواقـف السياسيـة
أثــار القصيبي المسألة السياسية في عديد القصائـد وتوخى الصـدق في توصيف الواقع السياسي في الوطن العربي. واللافـت أنه تسلح بقدر كبير من الجرأة على عكس عديد رجال السياسة لنقد العيوب والمطبات المهيمنة على الخريطة السياسية العربية وفي علاقتها بالكيان الإسرائيلي وبالبيت الأبيض ومما ورد في قصيدة «للشهــداء»:
قـد عجزنا حتى شكا العجز منا وبكينـا حتى ازدرانا البكاء
و ركعنا حتى اشمأز ركوع ورجونا حتى استغاث الرجاء
و لعقنا حذاء «شـارون» حتـى صاح «مهلا قطعتموني !» الحذاء
و ارتمينا على طواغيـت بيت أبيض مـــلء قلبه الظلماء
أيها القوم ! نحن متنا ولكن أنفت أن تضمّنا الغبراء (ص 131)
ويتبـدى الشاعر في هذه المواقف ثائرا ثورة صارخة لا ضـدّ القوى الإسرائيلية والأمريكية فحسب وإنّما ضـدّ السمات الأبرز للعرب وهي العجز والخوف والانهـزام. وينطق استعمال ضمير المتكلم الجمع (نحن) في خطاب الشاعر بصفة التعميم وهو ما ينفي أن تكون الهزيمة العربية متمركزة في فلسطين المحتلة فحسب وإنما هي واقع قومي مشاع في جسد الأمّة العربية كلها. وبلغ الشاعر في نقد العرب حدّ جلد النفس والسخرية من الذات بوسائل التعبير الاستعاري الممعنة في توظيف غربة العرب وامتداد مأساتهم من خلال قوله (شكا العجز منّـا – ازدرانا البكاء – اشمأز ركوع – لعقنا حذاء «شارون»).
وبــدا الشاعر القصيبي باحثا عن القيم الإنسانية التي تلاشت أمام ما يسم الواقع العربي من اضطهاد وهزائم. فهو يقول في قصيدة «أم النخيل» بأسلوب استفهامي تعجبي :
أين الكرامة .. هـل ماتت بغصتها ؟
أين الإباء أملّ الجبن .. فارتحلا؟
عجبت من أمـة القرآن .. كيف غدت
ضجيعة الذل .. لا ترضى به بدلا (ص 125)
ويشكل البحث عن القيم والمعانـي المثلى في الحياة السمة الأبـــرز التي تميز مدوّنة شعــراء كثر من عنترة والمتنبي قديما وأحمد شوقي والشابي والقصيبي حديثا.
إنّ مواضيع الحب والدين والسياسة التي نهض عليها شعر غازي القصيبي تعــدّ من أكثر المواضيع إثارة وجاذبية لا بالنسبة إلى الشعراء والكتاب فحسب وإنّما كذلك بالنسبة إلى القــراء والمثقفين والمتتبعين لحركية الكتابة والثقافة. وأهـمّ ما يحسب للقصيبي صدقه وجرأتــه في طــرح بعض المسائل السياسية في علاقة العــرب بأمريكـا وإسرائيــل. ولكن شعره بقي محكوما بضوابط الشعر التقليدية رغم أنه يكتسب ثقافة شعرية كبيرة ومطلع على الشعر الحديث وأنماط الكتابة الجديدة. ويبدو أنّ معتقداته الشعرية مؤمنة بقدرة أدوات القصيدة الكلاسيكية على أداء وظائف الإبــلاغ والتواصل والتأثيـر في المتقبل ولكن المفارقة أن القصيبي يطمح إلى تغيير الوعي السياسي في الوطن العربي دون تفعيل حركية التجديد والاختلاف في البنية الثقافية وفي المنتوج الأدبي.
كل الإحالات الشعرية مأخوذة من كتاب المجلة العربية العــ397ــدد صفر 1431 ه ـ فبراير/شباط 2010.
*كاتب من تونس
مـاهـر دربال