■ يرى الباحثون أن الدولة مفهوم فلسفي وسياسي ورهان السلطة الأساسي، إنها مجموعة المؤسسات أو الأجهزة التي تمارس السلطة بواسطتها نفوذها وإكراهاتها، ولهذا السبب فهي تستقطب المدح والذم والمساندة والمعارضة والنقد والمحاباة.
لقد أصبح من المعتاد في السرديات العربية عندما يتناول كتابنا الإرث العربي من زاوية دراسة الدولة، الحديث عن كتلة تاريخية صماء اسمها الدولة العربية، التي يتم تناولها بطريقة لا تاريخية، فالسرديات السياسية التي انطلقت مع بدايات القرن العشرين تأثرا بالإرث الأوروبي (كتابات القومية الالمانية ـ فيختة نموذجا) باتت ترسم حدودا وهمية وتصوغ شكلا لدولة لم تكن موجودة في يوم من الايام إلا في اذهان كتاب التيار العروبي، وعبر منهجية لعب فيها القص واللصق دورا رئيسا ليكون المتلقي ازاء تاريخ وهمي يرسم حدودا بطريقة مدرسية مزيفة لحدود زمنية ومكانية لأطوار الدولة العربية.
إن التمظهر التاريخي للعرب ولد مع بداية الرسالة المحمدية التي اوجدت دولة وليدة صغيرة بين امبراطوريتين تحكمان العالم حينئذ، هما الامبراطورية الساسانية والامبراطورية البيزنطية، وحتى بعض الامارات او الدويلات العربية الموجودة حينئذ في العراق واليمن والشام ومصر، لم تكن الا نوعا من الحكم المحلي الذي يستمد شرعيته وقوته من خدمة هاتين الامبراطوريتين اللتين انهكتهما الحروب البينية، حتى وصلتا إلى طور الانهيار مع ولادة دولة الرسول (ص) في الحجاز، ونحن نطلق على دولة الرسول جزافا اسم الدولة، لانها لم تكن تمتلك مقومات الدولة الواضحة، وفيها تداخل واضح بين السياسي والديني، وهي دولة تقوم بشكل كلي على كاريزما الرسول (ص)، وقد أشار بعض الباحثين ممن بحثوا عن جذور العلمانية (باعتبارها فصلابين الديني والسياسي) في الفكر الاسلامي مثل جورج طرابيشي وحسين مروة، إلى أن هنالك فرزا واضحا بين الديني والسياسي في دولة المدينة التي انشأها الرسول، متناولين الرسائل التي بعثها إلى الإمارات والممالك التي تحيط بالجزيرة العربية، يدعوهم فيها للدخول في الدين الجديد وكذلك التبشير الذي كان يقوم به بعض الصحابة في المناطق المحيطة بالجزيرة العربية، وقد كان قرار الرسول بإبقاء الحال السياسي للامارات او الاتحادات القبلية على ما هو عليه من شروط القوة والمكانة السياسية مع ضمان دفع المستحقات المالية والولاء الإسمي للدولة الوليدة في المدينة، كما حصل مع اليمامة واليمن وغيرها من التكتلات القبلية التي دخلت الاسلام.
وكان الاختبار الاول الذي تعرضت له هيكلية الدولة الجديدة متزامنا مع لحظة وفاة مؤسس الدولة الوليدة، إذ دب النزاع بسبب غياب آلية اختيار خلف للرسول (ص) وعدم المعرفة بكنه إدارة الدول، وهو ما عرف تاريخيا بنزاع السقيفة، الذي انشق فيه المؤمنون إلى كتلة تبايع الخليفة الاول ابو بكر الصديق (رض) وكتلة تمتنع عن ذلك، ما أدى بأطراف الدولة للتمرد على نظام يخلف النظام النبوي الممسك بالديني والدنيوي، فاندلعت حروب داخلية عرفت تاريخيا بحروب الردة، التي قادها الخليفة الاول لتوحيد الدولة مرة اخرى، لتعقبها بعد ذلك الخطوة الاهم في تشكيل نواة دولة حقيقية في زمن الخليفة الثاني عمر بن الخطاب (رض) الذي مصر الامصار وانشأ ديوان الجند، وحدد أو سن قوانين العطاء، فحول مجموعة القبائل المتحدة تحت راية الدين الجديد إلى دولة تستلهم التراث الاداري للدولة الساسانية والبيزنطية، في مأسسة المؤسات التي ستشكل النظام الحكومي الذي لم يزل غير واضح المعالم حينئذ، والاهم من ذلك أن هذه الدولة وعلى نمط الهبات الامبراطورية القديمة لم تكن تعترف بحدود جغرافية لأرضها، وانما حدودها تكمن في إمكانات الحرب التوسعية التي تمتلكها وفتح ما جاورها من بلدان وضمها لها، فكانت فتوح الشرق الاوسط القديم والاستيلاء على العراق والشام ومصر وشمال افريقيا، بالإضافة إلى الجزيرة العربية، هذا هو التوسع أو القفزة الاولى في قيام دولة «اسلامية» الهوية يمثل العرب محورها الاساس، لكنها ضمت ضمن توسعاتها اقواما دخل بعضهم الاسلام وبقي بعضهم الاخر على دياناتهم التي توزعت بين المسيحية واليهودية والزرادشتية. ودخل الاقوام الجدد إلى الدولة كمواطنين من الدرجة الثانية، باعتبارهم موالي يجب عليهم التماهي مع إحدى القبائل العربية التي استقرت في البلدان المفتوحة حديثا، رغم الخطاب الاسلامي الفقهي المستند إلى حديث نبوي «لا فضل لعربي على اعجمي الا بالتقوى» إلا أن حديث الفقه شيء والسياسة العملية شيء آخر.
لندخل بعد ذلك في عهد الخليفتين الثالث والرابع عثمان بن عفان (رض) الذي قتله بعض متمردي الاقاليم حديثة الفتح، وعلي بن ابي طالب (رض) الذي قتله احد متمردي طائفة الخوارج لينتهي ما عرف تاريخيا بالحكم، أو الخلافة الراشدة التي استمرت ثلاثين عاما (632 -662) ، العهد الذي كان انتقال السلطة فيه غير واضح المعالم أو السياقات وقد كان الخلفاء الأربعة من الصحابة الاوائل وتربطهم بالرسول علاقة دم ومصاهرة، ولم تكن دولة العهد الراشدي مستقرة إلا ابان حكم الخليفة الثاني، وهو العهد الذي شهد التوسع الكبير في الفتوحات، والذي توضح فيه شكل مؤسسات الدولة. أما الخليفة الثالث والرابع فقد كان عهدهما عهد صراعات داخلية لم تتطور الدولة فيهما، وقد عرفت بحقبة الفتنة الكبرى التي حدث فيها اول انشقاق كبير بين الحكومة المركزية، التي انتقل مقرها من الحجاز إلى الكوفة المدينة حديثة الانشاء، ودمشق التي ستصبح العاصمة الجديدة لمملكة «اسلامية»عربية هي دولة بني أمية، التي تحولت إلى امبراطورية واستمرت في الحكم قرابة التسعين عاما (662 ـ 750)، امبراطورية من النمط القديم، بلغت فيها الدولة اقصى توسعها، نفوذها امتد من اواسط اسيا إلى اسبانيا جنوب اوروبا، لكنها لم تكن دولة مركزية، إلا في فترة حكم الخليفة عبد الملك بن مروان، الذي يعتبره الكثير من الباحثين الغربيين المؤسس الحقيقي للامبراطورية العربية المركزية، بعد أن قمع العديد من الثورات وحركات المقاومة التي شهدتها الامبراطورية، ثم بدأ الافول التدريجي الذي تمثل بتمرد اطراف الدولة وانشاء نوع من الامارات التي تتمتع بالحكم الذاتي. وضعفت الدولة الاموية ووصلت إلى طور الانهيار الذي تم على يد ثوار من فرع اخر من قريش، القبيلة العربية الحاكمة منذ دولة الرسول، والمقصود به الفرع الهاشمي من قريش بجزئيه العباسي والعلوي.
ليبدأ عصر دولة جديدة ناهضة على يد بني العباس، بعد أن ازاحوا العلويين شركاءهم في الثورة، وليشهد الحكم العباسي دولة مركزية في عصره الاول الممتد من حكم مؤسس الدولة ابو العباس السفاح (750 – 754) حتى حكم الخليفة العباسي المعتصم (833 ـ 842 ) لتبدأ بعدها عصور انحطاط الخلافة العباسية وسيطرة الجند الاتراك على الحكم والتحكم بالخلفاء، ما فتت الدولة وحولها إلى مجموعة من الامارات الوراثية التي تحكم من سلالات من الامراء والملوك والسلاطين، حتى أن بعض هذه الدويلات قويت وكبرت واعلنت نفسها دولا وخلافات، يرأسها الخليفة (امير المؤمنين) الذي ينافس خليفة بغداد، مثال ذلك الدولة الاموية في الاندلس والدولة الفاطمية في مصر وشمال افريقيا، اللتان تفككتا بدورهما إلى العديد من الدويلات المتناحرة في المشرق والمغرب الاسلامي ولم يتبق للخليفة العباسي في بغداد (غير الخطبة والسكة) اي الدعاء له في خطبة الجمعة وتدوين اسمه على النقود عندما تسك كنوع من الولاء للشرعية فقط. وقد قويت بعض هذه الدويلات للدرجة التي هاجمت فيها مقر الخلافة العباسية في بغداد، لكنها ولاسباب عديدة لم تسقطها، كما حدث في سيطرة البويهيين القادمين من الهضبة الايرانية على بغداد، ومن بعدهم هجوم السلاجقة القادمين من الهضبة التركية التي ازاحت البويهيين وسيطرت على بغداد، لكن الهجمة الثالثة التي اتت من صحارى اواسط اسيا، والتي عرفت بالهجمة المغولية، اطاحت بالخلافة العباسية وقتلت اخر خلفاء بني العباس في بغداد المستعصم بالله عام 1258، ليؤرخ بذلك الكتاب العروبيون الحادثة بانها نهاية الدولة العربية، بينما التناول الموضوعي لهذه الحقبة يبين لنا استمرار الدول الاسلامية التي كانت موجودة على النمط القديم، دويلات الطوائف في شمال افريقيا والاندلس ودولة المماليك في مصر وبلاد الشام، بل حتى الامبراطورية المغولية التي تحول احفاد هولاكو فيها إلى الاسلام، اصبحت جزءا من التاريخ الاسلامي للمنطقة، فيما عرفت بالدولة الاليخانية بعد أن اسلم السلطان محمود غازان (1295) وانشأ امبراطورية اسلامية في العراق وايران ووسط اسيا. وبقي نمط الدول الموجودة في المنطقة قائما على اكتساب شرعيته من الانتماء الديني حتى تفكك الدولة العثمانية واعلان إلغاء الخلافة سنة 1924وطرد عبدالمجيد الثاني آخر خلفاء بني عثمان من البلاد. وقد اعتبرت بعض السرديات السياسية العروبية الدولة العثمانية دولة احتلال بسيطرتها على اغلب الدول العربية الحديثة، بينما اعتبرها الخطاب الاسلامي دولة خلافة كان العرب جزءا ومكونا اساسيا فيها.
لقد آن الأوان أن ننظر بعين النقد إلى الكثير من السرديات المدرسية التي اسست لطروحات غائية تماهت مع طروحات الدولة القومية على النمط الاوروبي الحديث، وحاولت أن تجر المعطيات التاريخية لتضعها في قوالب لم تكن تحايثها تاريخيا، بطرح اغمض عينه عن تاريخية معطيات التاريخ العربي فاوصلنا إلى تخبط تاريخي اصاب اجيالا بالعمى.
٭ كاتب عراقي
صادق الطائي