ليس لمثل هذا العراق جاهدنا.. حوار هادئ وسط طبول الحرب
3 - May - 2013
حجم الخط
3
لقد اصطف وجاهد الكثير من المخلصين من هذا البلد لمقارعة ظلم النظام السابق في الداخل والخارج. كنت مع اخوة كثيرين في فرنسا التي التجأنا اليها نحمل قضيتنا معنا ضد الظلم والإقصاء والدكتاتورية ونظام الحزب الواحد. لقد تعرضنا هناك في فرنسا الى مضايقات كثيرة وكبيرة اقلها التهديد بالتسفير القسري الى بلدنا. كنا مستعدين للتضحية بالنفس والنفيس من اجل حرية المواطن العراقي وسعادته ورفاهيته. كنا نهدف الى اشاعة العدل والسلام والوئام ومحاربة الرشوة والسرقة والاستئثار بالسلطة. كانت لنا أنذاك قضية نحارب من اجلها على امل الوصول الى غد افضل. نعم لقد قضيت فترة شبابي من 1980 حتى الاحتلال 2003 بعيدا عن وطني لاجئا سياسيا في فرنسا. ورفضت كل الاغراءات من جهة والتهديدات من جهة اخرى من قبل النظام لأنه اهلك الحرث والنسل. كان ذلك النظام من المسببين الاساسيين لشقاء العراقيين، كل العراقيين من شيعة وسنة وعرب وأكراد وتركمان ومسيحيين ومسلمين، لم يستثن ظلمه احدا. انه حقا نظام بائس لا يمكن لأحد ولا ينبغي لعراقي ان يتحسر عليه. لقد وصل الى افق مسدود لا يمكن ولا يستطيع الخروج منه شأنه شأن الانظمة الدكتاتورية الاخرى. ان التغيير سنة من سنن التاريخ في العالم والعراق ليس استثناء وضمن هذا السياق جاء الاحتلال الامريكي. عدت الى العراق في تشرين الثاني/نوفمبر عام 2003 شأني شأن المئات من المضطهدين وصاحبتني في رحلة العودة القناة التلفزيونية الفرنسية الثانية، وقلت للصحافية التي سألتني عن شعوري لوجود الاحتلال في العراق، من دون تردد، بأننا نسير في نفس نهج النظام السابق ولا يرتجى من جيش محتل ودولة جائرة الخير لأنها كانت سببا اساسيا في استمرار ظلم النظام السابق. مع ان سعادتي الشخصية في ذلك الوقت كانت عظيمة، حيث سألتقي مع الاهل والأحبة بعد فراق دام اكثر من ثلاثة وعشرين سنة. لقد وقع الفأس بالرأس وجيش الاحتلال شئنا ام ابينا على طول العراق وعرضه. لكننا مع هذه الفاجعة كنا نؤمل النفس متمنين ان لا يطول امد الاحتلال والخراب الذي تسبب به. آملين ان تأتي حكومة وطنية ديمقراطية عادلة تعيد الحقوق الى اهلها وتحاسب الظالم وتأخذ بيد المظلوم حتى يستعيد حقوقه. حكومة تبني العراق بأموال النفط الغزيرة بفترة قياسية. نريد ان يكون العراق قبلة الشرق والغرب وعاصمة الحضارة العربية الاسلامية ومنارة العلماء والشعراء والفنانين ونموذجا يحتذى في التسامح والانفتاح والحوار مع الاخر ايا كان معتقده ودينه ولغته. كم كانت احلامنا كبيرة، وكم كنا مثاليين، بل كم كنا مخدوعين لذلك فقدنا توازننا وبمرور السنين بعد الاحتلال بتنا لا ندري بأي اتجاه نسير، بل وصل بنا التشاؤم الى التساؤل عن الوقت الذي سنصل فيه الى اسفل السافلين كي نحاول ان نعود مرة اخرى الى نقطة الصفر ومن ثم الى ما نحن عليه. انه الحصاد المر فالعراق البلد الذي كان مثار فخر للعرب والمسلمين بات الآن من اوائل الدول الفاسدة وبات بلد اثرياء الحواسم والرشاوى المليونية. ان نمو طبقات السحت والمال الحرام جعل منها اقلية تسبح في بحر من الطبقات الفقيرة التي لا تجد لها لقمة تسد رمقها في الجنوب العراقي والوسط والشمال. تحول البلد الى الرأسمالية المتوحشة التي لا تملك أي مسحة انسانية او اجتماعية. فطبقات الفلاحين والعمال اندثرت وأضحت في خبر كان فلا مصانع ولا مزارع وبات الشعب كل الشعب ‘ريعيا’ لا ينتج شيئا يذكر. جيوش مجيشة من البطالة المقنعة التي تستنزف الكثير من ثروة الوطن اولها مليون وربع من الجيش والشرطة، وكذلك الآلاف المؤلفة من الموظفين والمدرسين الذين لا ينتجون شيئا وينتظرون رواتبهم نهاية كل شهر. اما المستوى التعليمي فقد انخفض الى درجات مقلقة وتخرج الجامعات اليوم جهلة في جميع المستويات، ولعل الضحية الكبرى طلاب الابتدائية والثانوية، لأن حالة المدارس يرثى لها والتدريس متدن بشكل يثير الخوف على المستقبل التعليمي للجيل العراقي القادم. لكن الاخطر والانكى من كل ذلك ضياع هوية العراق وعودة الطائفية المقيتة بأسوأ صورها ويشعر العراقيون اليوم بأن مفردات حياتهم اليومية اقرب الى نموذج القرون الوسطى منه الى القرن الواحد والعشرين. ان طبيعة النظام الاجتماعي السياسي لشعب بلاد الرافدين منذ القدم مدني منفتح لم يستطع الاتراك او الفرس تغييره، رغم ان هذا البلد كان ساحة لصراعاتهما. هناك محاولات العودة بالعراق الى حكم القساوسة في العصور الوسطى عندما كان البابا يأمر وينهي كما يشاء فقد كان يعتقد بأنه ظل الله في الارض. عراق اليوم بعد عشر سنوات من الاحتلال اكثر تمزقا وهو على اعتاب استحقاقات قاسية لا يعلم مدى خطورتها إلا الله. فكردستان اقرب الى الانفصال منها الى البقاء مع العراق والشد الطائفي على اوجه من جميع الاطراف، لا سيما الحكومة التي تدفع بهذا الاتجاه من خلال تصريحات غير مسؤولة تصب الزيت على النار. طبول الحرب تقرع ليس ضد الكيان الصهيوني او الدفاع عن حدود العراق من الاطماع التركية الايرانية الكويتية، او ضد التخلف والعطالة والظلم، انما ضد احد مكونات الشعب العراقي الاساسية. انه من الغريب ان يضيق الجيش العراقي ذرعا بمظاهرات مواطنيه، في حين يصبر سنوات على الاعتداءات الحدودية لكل من ايران وتركيا والكويت، من دون الحديث عن الاحتلال الامريكي وتدخلات سفارته في شؤون العراق. ان الحرب تعلن ضد شريحة مهمة وأصيلة من الشعب العراقي اثر هجوم الجيش لساحة المعتصمين في الحويجة. ان من المؤكد ان هناك بعض العابثين في اية مظاهرة تحدث في كل انحاء العالم وليس في العراق وحده. ففي فرنسا هناك من السراق والمجرمين ممن يستغل هذه المظاهرة او تلك ليكسر الحوانيت ويسرق المحلات كما يشاء، وهناك من يحرق السيارات ويعبث بالممتلكات العامة والخاصة فسادا، لكن كل هذه الخسائر وهذه المخاطر لم تثن الحكومة في فرنسا او غيرها عن احترام حق التعبير عن الرأي وإقامة التظاهرات والاعتصامات. لكن من المؤسف حقا ان يتعامل الجيش مع شعبه بهذه القسوة لأهداف سياسية حزبية كنا نعيب النظام السابق عليها عندما سيس الجيش. نرى مع شديد الاسف تكرار نفس الاساليب السابقة، فالجيش شبه متحزب ويفرض على قادة الفرق الترويج التصويت لصالح قائمة السلطة لنبتعد شيئا فشيئا من الديمقراطية. التاريخ يعيد نفسه في بعض الاحيان فعندما خرج معاوية بن ابي سفيان على الامام علي كرم الله وجهه ظلما وعدوانا من اجل الاستحواذ على الحكم. حاول البحث عن مبرر شرعي لكنه لم يجد غير حجة الثأر لمقتل عثمان بن عفان رضي الله عنه والمطالبة بدمه من معسكر الامام علي. علما بأن معاوية يعلم علم اليقين أن الامام بريء وقد سبق ان ارسل ولديه للدفاع عن الخليفة المحاصر من المنتفضين. لتحقيق مطامعه الشخصية والمضي في طريق الاستيلاء على السلطة وإثارة الفتنة طلب من الامام علي البحث عن قتلة الخليفة عثمان المحتمل وجودهم في جيشه العرمرم. ان تحقيق هذا الطلب شبه مستحيل ويخفي وراءه شق وحدة المسلمين لهدف شخصي معلوم. فحصل ما حصل وتمزقت وحدة المسلمين. أكتفي بهذا السرد التاريخي لأعود الى الحويجة ونقارن بين الماضي والحاضر لنجد ان الجيش العراقي يتعامل مع المتظاهرين، كما تعامل معاوية مع الخليفة الرابع الامام علي. فهو يطالبهم خلال فترة زمنية محددة ان يسلموا له قتلة بعض افراد الجيش العراقي من دون تحديد الاسماء او احتمالية وجودهم في الساحة او عدمه وهو يعلم علم اليقين أن قرار الهجوم معد سلفا. نعم هناك نية مبيتة للجيش لفض اعتصام الحويجة فوجدوا السبب او أوجدوه. من جانب اخر فإن تعميم هذه اللهجة الممجوجة التي سمعناها ونسمعها كل حين على لسان الاحتلال ومقلديه بأن كل من يخالف الحكومة بالرأي بعثي صدامي تكفيري وهابي ناصبي من القاعدة. لقد باتت هذه الاسطوانة مملة ولا تصلح لشيء ولا طائل لها ولن تغني عن الحق شيئا. ان حزب البعث قد قضى عليه صدام حسين نفسه. لكنه ان عاد من جديد، لا سمح الله، فبسبب الدعاية التي تقوم بها الحكومة له ليلا ونهارا، وذلك من خلال قانون المساءلة والعدالة او محاولة استصدار قانون تجريم البعث. نفس هذه الدعاية البلهاء هي التي خلقت من عزة الدوري مجاهدا بطلا علما بأنه كان صفرا على الشمال عندما كان في السلطة، فما الذي يمكن ان يقدمه للشعب اليوم؟! أما المتاجرة بالقاعدة واتهام مكون كبير بالانتماء لها فتهدف الى تقويتها لاشعال الصراع بين اتباع ذلك المكون. ينبغي على الحكومة ان توطن نفسها وتتحمل مخالفيها وتدرك أن في العراق سنة وشيعة وعربا وأكرادا وتركمانا ومسلمين ومسيحيين وصابئة كلهم اصلاء وليس بينهم مواطن من الدرجة الثانية او الثالثة، ولهم حقوق كغيرهم مثلما عليهم واجبات. فلا فرق بين بغداد والموصل والبصرة ولا فرق بين الانبار والناصرية ولا بين الفلوجة والنجف ولا بين كربلاء وبعقوبة. لا ندري ان كان الله قد كتب على اجيالنا الامتحانات العسيرة والخروج من محنة للدخول في محن اشد واقسى او ان نقضي بقية عمرنا صامدين في البأساء والضراء، بحيث بات حديث رسول الله ينطبق على الكثير من اهل هذا البلد القائل: ارحموا ثلاثا، عزيز قوم ذل وغني قوم افتقر وعالما يتلاعب به الجهال. نتساءل اخيرا هل سنرى طباشير التغيير فقد صمدنا لأجله عشرات السنين من وقت النظام السابق حتى هذه اللحظة وهل سنرى اليوم الذي يتبوأ فيه مخلصون لا يخافون في الله لومة لائم قيادة هذا البلد العزيز ويضعون مصلحة الشعب من دون تمييز فوق المصلحة الفردية الانانية؟