فرنشيسكو دي انجليس
ترجمة: عبدالسلام الربيدي
على الرغم من أن رواية أحمد زين «قهوة أمريكية» كانت قد نشرت في عام 2007 في الوقت الذي لم يكن فيه أحد يتخيَّل أن يحصل ما حصل في اليمن خاصة، والعالم العربي عامة، على الرغم من ذلك، فإن تلك الرواية تقدّم غذاء للعقول عن تاريخ اليمن المعاصر؛ لاسيما الفترة المبكرة من تسعينيات القرن الماضي، التي تمثّل المسرح الزماني لأحداث الرواية، إلى جانب اتخاذ صنعاء فضاء مكانيا لمجرياتها.
ومع ذلك التحديد، فإنّ ثمة حشدا كبيرا من الأحداث التاريخية التي يستدعيها المؤلف، وقد كان من أهم الأحداث التي يذكرها أحمد زين ويجعلها بمثابة الخلفية لقصه: سقوط جدار برلين عام 1989، وتوحيد شمال اليمن وجنوبه عام 1990، وحرب الخليج في عام 1991. وترتبط كل تلك الأحداث، بصورة أو بأخرى، بفكرة الثورة، أو بعبارة أدق بنهاية الكفاح الثوري.
تبدأ الرواية بموقفٍ لبطلها وهو يعزم على البصق على صورة غورباتشوف الذي مثَّل، نوعا ما، فشل الأيديولوجية الاشتراكية في الوطن العربي. ومن هنا، فاللائمة تُنحى على الزعيم السوفييتي الذي أودى بالحلم الاشتراكي.
ومادام جدار برلين قد انهار، فما الذي يدعو إلى النضال من أجل تهديمه؟ ومادام أن الوحدة اليمنية التي أنيطت بها الآمال من أجل تحقق بلد ديمقراطي- قد أنجزت، أفليس من العبث النضال في سبيلها؟ ومن هنا، فإن تحقق أهداف الكفاح الثوري قد وضع حدا للثورة نفسها. أما بالنسبة لعارف بطل « قهوة أمريكية»، فإنَّ انتهاء الثورة تجربة باعثة على الإحباط؛ ذلك أنها تضع حدا لإمكانية أن يصبح بطلا وطنيا يحظى بالذكر في كتب التاريخ.
معظم شخصيات رواية أحمد زين طلاب جامعيون، يمنيون وأجانب، ممن يدرسون ويدرّسون الإنكليزية في المجلس البريطاني في صنعاء. وتبرز من بينهم شخصيتان: عارف رمز أولئك الذين يكافحون من أجل الأحلام الثورية أو الذين يدافعون عنها؛ وعلياء المرأة اليمنية التي تمثِّل النسخة الشرقية من المرأة العربية الطامحة في أن تصل إلى التحرر الحقيقي. وبعد أن اشترك البطل في يومٍ من الأيام في مظاهرة، أضحت مشاركته تلك الموضوع الوحيد لكل نقاش يدور بينه وبين علياء التي وقع في غرامها لاحقا. هذا ما يحدث في بداية الرواية، غير أنَّ كل شيء يتغير بصورة مفاجأة عندما نكتشف أن هذه العلاقة وكل ما يحيط بها من ملابسات ليست إلا هذيانات عارف الناتجة عن كبته الجنسي والعاطفي والفكري.
يحاول عارف أن يُظهر لعلياء شجاعته عن طريق إغراقها بقصصه التي يؤلفها عن ماضيه المجيد والخطير. وهدفه الوحيد من ذلك هو أن يصبح جزءا من تاريخ البلد، وأن يحظى باحترام محبوبته. إنه يبحث عن أمرٍ جديرٍ بأن يعيش المرء من أجله؛ أمرٍ يضفي مجدا على حياته، عوضا عن العيش في خوفٍ دائمٍ من أن يقضي مغمورا لا يُعتدّ به ولا يشار إليه بذكر. وفي هذا السياق يتعرض المؤلف لقضية تشغله وهي قضية الحضور الواسع والمفرط للسلاح في اليمن. فإذا مات عارف، فليكن موته في أمر عظيم، وإلا فإن نهايته لن تكون إلا إحدى مهازل الحياة.
يحاول المؤلف أن يجيب على بعض الأسئلة العويصة من نوع: هل قمنا بالثورة باسم الشعب أم فقط من أجل رغبات ومصالح شخصية؟ هل الثورة فرصة لتغيير التاريخ أم أنها الطريق التي تفسح لنا مجالا لتذكرنا الأجيال اللاحقة؟
رواية أحمد زين تميل نحو إبطال صورة الثائر العربي المكافح، بقطع النظر عما إذا كانت تلك الصورة قد وجدت على أساسٍ من الحقيقة أم كانت محضَ أَمْثَلةٍ لأسطورة.
تحلل الرواية الوضع في العالم العربي، واصفة إيّاه بأنه وضع مستلب يسيطر عليه الاستبداد وتغشاه النزعة الظلامية. وتلقي الرواية ظلالا كثيفة من الشك على نجاحات الثورات العربية بصورة عامة، والثورات اليمنية على وجه الخصوص، تلك النجاحات التي دأبت الشعوب العربية، كما يرى المؤلف، على رفعها إلى مقام الأساطير.
أما على المستوى الواقعي، فإنَّ عارف عندما يسمع شخصا يمنيا يتحدث إلى سيّاح يابانيين عن تاريخ اليمن الطويل، فإنه يسأل نفسه: «لليمن تاريخ طويل… ما الذي يعنيه ذلك؟ تلفت حولك، كأنما تبحث عن إجابة. ورأيت رجلا وصبيا إلى طاولة غير بعيدة منك، يأكلان خبزا وجبنا أبيض، ويحتسيان شايا من كوبين أمامهما، وبعيدا أبصرت مجنونا يتسول ثمن العشاء، وستتأكد أن تلك العراقة لا تمثل لك شيئا، طالما بقيت تاريخا، نقرأه أو نسمع عنه».
ويتضح أن البطل الحقيقي للرواية ليس عارفا ولا علياء ولا زملاءهما في المجلس البريطاني، وإنما التاريخ العربي برمته، التاريخ الذي جرف أحلام الجيل الجديد إلى مكانٍ سحيق. إنه الجيل الذي عانى عددا من الخيبات بعد التسعينيات وما شهدته من أحداث، كانهيار جدار برلين وحرب الخليج. غير أن ذلك كله ليس أكثر مرارة مما شهدته اليمن الشمالية بعد 1962 أو اليمن الجنوبية بعد انتهاء ثورتها واستقلالها في 1967. وبعد تلك الأحداث الدرامية دخل الوطني العربي، حسب أحمد زين، عصر الاستهلاك الذي طال كل شيء حتى القيم التي تميز العلاقات الإنسانية.
ومن خلال شخصية عارف المنفصمة يعبر أحمد زين عن كل الخيبات التي عاناها جيل ناضل وضحى من أجل يمن تسود فيه حياة أفضل، غير أنه لم يصل إلى قطف الثمرة المرضية لجهوده ومطالبه المتعلقة بالحرية والتعددية. إنه جيل يشعر بالضياع في عصر الانقسامات العميقة؛ جيل يبحث عن هوية خاصة به.
والسؤال الذي نطرحه هنا هو هل المصير ذاته ينتظر جيل ما بعد الثورة الحالية، الذي شارك في المظاهرات التي ضمتها ساحات التغيير، وأصرّ على سقوط نظام علي عبدالله صالح الطويل (1978-2012)؟
إن التخوف من أن يحدث ما حدث سابقا قد عبر عنه عدد من الكُتّاب والمثقفين اليمنيين. ففي مقالة نشرت في صحيفة الحزب الاشتراكي اليمني عبرت بشرى المقطري الكاتبة والناشطة الاشتراكية عن شكوكها بشأن نجاح نتائج «ثورة الشباب»؛ الاسم الذي أطلق على مظاهرات 2011 في اليمن. وقد حملت المقالة عنوان «سنة أولى ثورة». والمقالة عبارة عن نص صحافي كتب بأسلوب أدبي، أطلقت عليه الكاتبة مقالة أدبية. وتخوفت المقطري من أنه كما هي الحال بالنسبة للثورتين اليمنيتين السابقتين (ثورة 26سبتمبر في الشمال وثورة 1967 في الجنوب)، فإن مظاهرات 2011 لن تعود بأي فائدة على الناس الذين ضحّوا من أجل بلدهم، ومن سيجني الفائدة إنما هي الأحزاب التقليدية والإسلاميون والجيش والقبائل، أو بعبارة واحدة من أطلقت عليهم بشرى المقطري «لصوص الثورات» أو «تحالف التخلُّف».
وفي خاتمة مقالتها الأدبية تنهي المقطري نصها بإقرار واضح، وهو أن المظاهرات اليمنية لن تؤدي إلى أي تغيير حقيقي. وتذهب الكاتبة إلى أن مؤيدي صالح سيسعون إلى تشكيل تحالف مع القوى التقليدية والسلفيين، وسيصل بهم الأمر إلى تشكيل حكومة يكون نتاجها الكوارث والحروب الطائفية. وفي هذا المسار سيجد المدنيون من أبناء اليمن أنفسهم خارج التاريخ الواقعي، في تاريخ افتراضي فيسبوكي يشيدون فيه أحلامهم. تماما مثل بطل رواية أحمد زين، وكما هو الأمر بالنسبة لبشرى المقطري أيضا، فإنّ التوقعات المنوطة بالكفاح الثوري لا تتحقق إلا في الأحلام.
وخلال لقاء مع وجدي الأهدل، وهو واحد من أهم الكتاب اليمنيين، أكد الأهدل تخوفات المقطري، وأعرب عن تشاؤمه من المستقبل الذي ينتظر اليمن. يقول وجدي الأهدل: «ليس هناك شخصية اشتراكية أو ذات توجهات ليبرالية مهمة يمكن أن ترقى إلى سدة الحكم في اليمن. قوى اليسار اليمني والقوى السياسية الليبرالية تعاني من ضعف شديد، بل إنها غير محبوبة من قبل المجتمع. ومن هنا، فلا فرصة لها أيا كانت النجاحات التي تحققها». ويمتزج تصور الكاتب علي المقري عن السيناريو الذي سيعقب حكم صالح بالنغمة التشاؤمية السابقة نفسها، مع شيء من السخرية: «الآمال التي نحملها عن خلق مجتمع حديث ضعيفة جدا، لا أعتقد أن حرية التعبير والحرية الشخصية سيجدان طريقهما إلى التحقق بسرعة. لا أظن أن بمقدر المرء أن يمارس حريته بسهولة، كأن يمشي الرجل إلى جوار امرأة غير محجبة، أو أن توزع كتبي المحظورة من دون خوف من الرقابة. يجب أن نستمر في سعينا الحثيث نحو عالم تكفل فيه الحرية الشخصية والحياة الديمقراطية. الثورة ليست إلا الخطوة الأولى».
تلك هي المخاوف التي عبر عنها بعض المثقفين اليمنيين حال بدء المظاهرات التي قادها الشباب اليمني. والآن، وبعد عامين من بداية تلك المظاهرات، يبدو أن مخاوف أولئك المثقفين قد تأكدت. وكما هو واضح، فإن ما يهدد آمال المحتجين والمثقفين الطامحين في بلد تسوده حرية أكبر وديمقراطية حقيقية، ويتهاوى فيه الفساد، هو القوة الطاغية التي تتمتع بها القوى السياسية ذات الخلفيات الدينية.
باحث إيطالي
مترجم وباحث يمني