عن «الفاجعة» في تعامل النظام المصري مع حادث الواحات

حجم الخط
10

كشف الاسلوب الذي اتبعه النظام المصري في التعامل مع حادث الواحات في الصحراء الغربية الذي اسفر عن مقتل واصابة اثنين وعشرين من السياح المكسيكيين والمواطنين المصريين عن فاجعة لا تقل مأساوية عن الخطأ الاصلي الذي ادى للكارثة. وانها لفاجعة مركبة يختلط فيها السياسي بالدبلوماسي والاقتصادي والاعلامي والاستراتيجي.
ولا يعني هذا التقليل من حجم الخطأ الذي ينم عن حالة من تفكك اوصال الدولة، ما جعلها عاجزة عن القيام بتنسيق رحلة سفاري في الصحراء، رغم وجود احد افراد الامن في صحبة السياح، ومرور موكبهم على العديد من النقاط الامنية التي كانت تستطيع ان تحذرهم من دخول «المنطقة المحظورة» او حتى تمنعهم من اتمام الرحلة حفاظا على حياتهم.
وبالرغم من وجاهة التحليلات التي تحدثت عن آثار الحادث على قطاع السياحة المكلوم اصلا، الا ان هذا قد يكون دقيقا بالنسبة الى سياحة الصحراء فقط والتي تمثل نسبة بسيطة من اجمالي السوق السياحية في مصر، اما العواقب الكارثية الحقيقية لهذا الحادث فهي اغلى من اي خسارة مادية، ومنها:
اولا: ان الدولة المصرية بدت امام العالم وقد انحصر اهتمامها بالتنصل من المسؤولية عن مقتل السياح بدلا من المبادرة الى اعلان الاسف والاعتذار مسبقا بغض النظر عن نتيجة التحقيقات. ومن الغريب ان يقول البيان الرسمي انه سيتم اجراء تحقيقات وفي الوقت نفسه يلقي باللوم على «شركة السياحة التي خالفت التعليمات ودخلت في منطقة محظورة»، فما الحاجة الى التحقيق اذن؟ وحتى اذا صدقنا جدلا هذه الرواية الرسمية بالكامل، فهل يعفي هذا الدولة المصرية من واجب الاعتذار؟ اليست شركة مصرية تعمل بترخيص من الحكومة المصرية؟ وما معنى هذا الغموض الرسمي بشأن التفاصيل حتى ان المصريين لم يعلموا بعدد الضحايا الا بعد وصول وزيرة خارجية المكسيك منتصف ليل امس؟
ثانيا: ان عوامل الاهمال والعشوائية والفوضى التي قتلت المكسيكيين والمصريين، امتدت لتؤذي صورة مصر والنظام نفسه اعلاميا، ومثال ذلك ان المتحدث باسم وزارة الخارجية رد على سؤال في احدى القنوات عن تفاصيل ما جرى بأن «وزارة الخارجية ليست الجهة المعنية باعلان التفاصيل» (..). وكان من الواضح ان الهدف الرئيسي لكافة المعالجات الاعلامية هو ابعاد الادانة بل مجرد شبهة الخطأ عن الجيش المصري، مع ان أكبر الجيوش في العالم ترتكب الأخطاء، الا ان من يملك الشفافية والثقة هو فقط من يسارع الى تحمل المسؤولية واتخاذ الاجراءات الكفيلة باحتواء آثار الخطأ ومنع تكرار حدوثه.
ثالثا: ان وزارة الخارجية لم تكلف نفسها عناء ابلاغ السفارة المكسيكية في القاهرة بالحادث، وتركت هذه المهمة الى شركة «نوافذ مصر السياحية» التي كانت مسؤولة عن الرحلة (..)، وكأن هذه الشركة هي من منحت التأشيرات للسياح ليدخلوا مصر آمنين. وليست هذه المرة الاولى التي تحدث هكذا اخطاء من الوزارة التي عينت المتحدث السابق باسمها سفيرا في دولة اوروبية كبرى منذ اسابيع قليلة بالرغم من انه قام بسب احد زملائه على الهواء مباشرة. اما البيان الصادر عن الوزارة فقد اتسم بالصلف ونقص الحساسية وخاصة عندما ذكر الحكومة المكسيكية بانها ايضا تعاني من اعمال العنف، وتحتاج الى «مواجهة عصابات المخدرات والجريمة المنظمة»، وكأن هذا يبرر قتل السياح(..).
رابعا: للإنصاف فان الجيش كان بالفعل يطارد ارهابيين من تنظيم «الدولة» اقتحموا قرية وقتلوا أحد ابنائها وخطفوا آخر قبل ان يعلنوا انهم ذبحوه بحجة انه «عميل للجيش». الا ان هذه المعلومات لم تنشر في حينها، وحتى اذا كانت وصلت الى بعض وسائل الاعلام فمن المرجح انها لم تنشرها بسبب الخوف من قانون مكافحة الارهاب الذي يلزمها بانتظار البيان العسكري. وكان من الممكن ان يؤدي مجرد نشر المعلومات الى تفادي حصول الحادث اذ ربما قررت الشركة تأجيل الرحلة حتى انتهاء المواجهات. وعلى عكس التعليقات التي اعتبرت ان وجود سياح مكسيكيين بين الضحايا يمثل المشكلة الاكبر للنظام، فان الواقع هو ان الضرر الاكبر في وجود قتلى مصريين، اذ انه يقوض صورة انفق النظام وقتا وجهدا واموالا كبيرة في بنائها للجيش وقوات الامن التي لا تكاد تخطئ، مع حرصها الشديد على حياة المصريين وسلامتهم اثناء مواجهة الارهاب. فهل فكر احد في الآثار الكارثية على مصداقية الجيش في وسط معركة حقيقية متعددة الجبهات؟ وألا يعني استمرار هذا الاسلوب في التعامل مع الكوارث ان «جمهورية مبارك» مازالت تحكم وان اختلفت الاسماء؟

رأي القدس

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية