لندن – «القدس العربي»: لم يكن هذا الأسبوع جيدا للرئيس المصري عبدالفتاح السيسي الذي يواجه تحديات اقتصادية وسياسية ضخمة. فمقتل السياح المكسيكيين يوم الأحد بالخطأ على يد القوات المصرية كان آخر إحراج له بعد فتح ملفات الفساد واستقالة حكومة إبراهيم محلب. وجاءت قضية السياح المكسيكيين لتطرح أسئلة حول استراتيجية الحكومة لمكافحة التشدد في شمال سيناء ومنطقة الصحراء الغربية.
فقد علقت صحيفة «نيويورك تايمز» على الحادث بالقول إن «الخطأ في قتل سياح أكثر من أي هجوم إرهابي نفذ ضدهم منذ سنين، ما يطرح أسئلة حول قدرات الأمن المصري وتفوق المتشددين الذين يلاحقونهم». واتفقت الصحيفة مع صحف أمريكية أخرى على أن الحادث يترك آثارا سلبية على صناعة السياحة المصرية وفشل الدولة في تحقيق الأمن العام والذي كان وراء هرب المستثمرين. وقال مختار عواد من مركز التقدم الأمريكي «ما شاهدناه هو نقص في تدريب القوات المصرية وكذا يظهر تسرعهم من أجل تحقيق انتصار على المتشددين».
ويبدو أن ضرب الأباتشي قافلة سياح مرتبط بمواجهة بين المتشددين والجيش المصري الذي كان يحاول تحرير مرشد سياحي بدوي، حيث اضطر الجنود للانسحاب. ومن هنا كان الجيش بحاجة ماسة لوضع حد للمتشددين فقام بإطلاق النار خطأ على السياح. وحاولت الحكومة المصرية لوم السياح بأنهم كانوا في منطقة محظورة، لكن الصحيفة نقلت شهادات تؤكد حصول المجموعة على إذن بالمرور في المنطقة وأنها توقفت بناء على إذن الشرطة السياحية التي كانت ترافقها، حيث كانت تسير في الطريق الذي تستخدمه القوافل السياحية في طريقها للواحة الغربية.
وأيا كان فقد وضع الحادث الحكومة المصرية في موقع الدفاع عن النفس. ومن سوء حظ الرئيس أن الخطأ القاتل حصل في بداية الموسم الشتوي الذي يشهد نشاطا في السياحة، ما يعني استمرار الأزمات التي تلاحقه. وردت الحكومة عليها بسلسلة من الإجراءات التي أحكمت الغطاء على القمع الذي تمارسه منذ الإطاحة بالرئيس محمد مرسي في تموز (يوليو) 2013.
الاستبداد والرقابة
وفي هذا السياق يرى روجر بويز في مقال له نشرته صحيفة «التايمز» أن السيسي أصبح عضوا في «عصابة بوتين للرقابة» والتي تضم على حد قوله تركيا وروسيا ومصر بسبب الطريقة التي تتعامل فيها هذه الأنظمة مع الصحافيين والحريات الإعلامية. وقال بويز إن كلا من فلاديمير بوتين والرئيس التركي طيب رجب أردوغان والسيسي يشتركون في أمر واحد وهو التعامل مع أي صحافة مستقلة «كتهديد» لهم. ويواجه الصحافيون الأجانب العاملون في القاهرة والصحافة المحلية سجنا مدة عامين وغرامة مالية كبيرة إن غيروا الرواية الرسمية عن المواجهات الدائرة بين الحكومة وبين المتشددين. وأشار الكاتب إلى المعايير التي وزعتها وزارة الخارجية المصرية على الصحافيين ونصحتهم فيها بعدم ربط المتشددين بالإسلام وتجنب استخدام الجهاديين. ويواصل قائلا إن هؤلاء القادة الثلاث يتحدثون عن بناء مجتمع مفتوح في وقت يعاقبون فيه كل من يتجرأ على نقدهم. ففي مؤشر حرية الصحافة العالمي تأتي مصر وتركيا وروسيا بعد فنزويلا وزيمبابوي.
وأصبحت هذه الدول متشددة تشدد الأنظمة الشيوعية. ويقول بويز إنه بدأ حياته الصحافية عام 1967 مراسل صحافيا في موسكو ولهذا يعرف عن الرقابة ومقص الرقيب. ففي عام 1982 قام مقص الرقيب البولندي بشطب 595 من 600 كلمة في تقرير أعده ولم يترك منه سوى «الوضع هادئ نسبيا..». ولم يكن هناك أمام الصحافيين الأجانب إلا خيار تهريب نسخة للخارج، أما الصحافيون المحليون فقد كانوا يكتبون ويخبئون مقالاتهم بانتظار انهيار النظام.
دولة بوليسية
ويعلق بويز قائلا «يقوم السيسي بإنشاء دولة بوليسية ويخوف المعارضين من خلال الصحافة المكممة والقضاء المسييس. ويزعم أنه يمنح مصر الاستقرار الذي تريده بشكل يجعلها قوة مسؤولة في الشرق الأوسط. وطموحه الأقرب إلى قلبه هو أن يقول قادة الغرب: هذا هو الرجل الذي يمكن ان نتعامل معه. وفي الحقيقة فهو رجل ميكافيلي يعتقد أن أي سياسي لا يستطيع التفاهم مع الناس. فالإجماع الشعبي يتم تحفيزه وهذا بسبب الإعلام الذي يمارس الرقابة الذاتية على نفسه»، وكما أظهرت محاكمة صحافيي «الجزيرة» الثلاثة فالسجن ينتظر كل من يتجرأ على انتقاد الرواية الرسمية للحكومة.
وما يكشف عن تحول مصر المحزن للاستبداد هو مجموعة «فاكت تشيك إيجيبت» والتي تطالب الصحافيين الأجانب تغير قصصهم لتتواءم مع الرواية الرسمية «فهناك دائما حقيقة واحدة تلبس في كل الوقت زيا عسكريا». ولم ينج السفير البريطاني من الانتقاد، عندما وصف محاكمة صحافيي «الجزيرة» الأخيرة بأنها غير مقبولة. ويواصل الكاتب تحليله لحال الصحافة في تركيا التي اعتقلت صحافيين بريطانيين. والحال نفسها في روسيا حيث يتم مراقبة وسائل التواصل الاجتماعي.
العالم منقسم
ويرى بويز أن الانقسام اليوم ليس كما كان في أثناء الحرب الباردة بين العالم الحر والشيوعي، ولكن بين القادة الذين يعرفون حدود قوتهم وبين من لا يعرفون حدودا لها. وعن زيارة السيسي المرتقبة للندن يقول إن هناك من ينادي بمنعه من القدوم إلى هنا حتى يبدأ بإصلاحات حقيقية وينهي السياسة الانتقامية التي يمارسها. وهذا لن يحصل «دعونا نستقبله في 10 داونينغ ستريت ونعنفه بطريقة نتأكد من عودة كلامنا الغاضب معه إلى بلده». ولكن هل يستطيع ديفيد كاميرون المسكون بحس الحفاظ على العلاقات التجارية لبريطانيا مع الشرق الأوسط القيام بهذه المهمة. نترك الجواب على هذا السؤال لحين الزيارة.
حال الإعلام
لكن معضلة مصر لا تنحصر في الديكتاتورية التي لا تعرف حدودا، ولكن في الصحافة المذعنة التي تحولت لمطبل للدكتاتور، وهو ما حاولت ليزلي تي تشانغ في «نيويورك ريفيو أوف بوك» تحليله.
وتبدأ بقصة شيماء الصباغ التي قتلت في 24 كانون الثاني (يناير) 2015 عندما كانت في طريقها لميدان التحرير لإحياء ذكرى من سقطوا في أثناء ثورة 25 يناير 2011. وتعلق تشانغ قائلة إن مقتل الصباغ أكد ما قالته جماعات حقوق الإنسان والمراقبون الدوليون، منذ مدة، وهو أن حكومة السيسي تستخدم القوة القاتلة لسحق أي نوع من المعارضة. فمنذ الإطاحة بمرسي قتلت قوات الأمن 2.500 شخص حسب تقديرات منظمات حقوق الإنسان. واعتقلت الدولة عشرات الآلاف من الإسلاميين والناشطين العلمانيين والذين يتعرضون لتعذيب وانتهاكات واسعة. وتضيف أن الصباغ التي ماتت أمام عين الكاميرا والتقطت لحظاتها الأخيرة لم تلفت انتباه الإعلام الرسمي وغير الرسمي الداعم للحكومة والذي تحدث عن مقتلها من دون عرض شريط الفيديو الذي انتشر مثل الحمى على وسائل التواصل الإجتماعي.
وتنقل الكاتبة مواقف عدد من مقدمي البرامج الحوارية المشهورة في مصر والذي اتهموا الناشطين بهندسة وفاة الصباغ، من أجل توريط الأجهزة الأمنية، كما تحدث أحمد موسى على قناة «صدى البلاد». واتهم يوسف الحسيني من «أون تي في» جماعة «الإخوان المسلمين» المحظورة بالقتل. ودعت الإعلامية لميس الحديدي إلى وضع كاميرات للمراقبة في الشوارع. وما تكشف عنه التغطية الإعلامية الرسمية انها اتحدت في رسالة واحدة: لا تلوموا قوات الأمن. وتضيف الكاتبة أن الإعلام في أكبر دولة عربية يظهر انه مؤيد لحكومة رجل عسكري قوي أكثر مما كان عليه الحال في عهد الرئيس السابق حسني مبارك.
مباركة القتل
وفي الوقت الذي تحتج فيه منظمات حقوق الإنسان وبعض الحكومات في الخارج على أحكام الإعدام الصادرة ضد مؤيدي محمد مرسي، إلا أن الصحافة المصرية تطالب علنا بإعدامهم. ولاحظت الكاتبة من خلال مقابلات أجرتها مع صحافيين ومقدمي برامج حوارية معروفة في مصر موافقتهم على حملة القمع المدعومة من الدولة والمحاكمات المسيسة حفاظا على النظام وسحق المعارضة، مع أن المذيعين هؤلاء قد يوجهون أحيانا انتقادات لإداء السيسي في مجال الصحة والتعليم. وتنقل عن منى نادر التي ترصد التغطية الإعلامية في معهد دراسات حقوق الإنسان «لقد عدنا 20 عاما للوراء» فلم يعد الإعلام يكشف عن المشاكل بل ويدعم الحكومة مهما فعلت. والإعلام بهذه المثابة متوافق مع الرأي العام. فبحسب استطلاع مستقل أشار لدعم الرأي العام لأداء السيسي بعد عام من الحكم بنسبة 90%.
فبعد سنوات من الاضطرابات السياسة رحب الكثير من المصريين بحكم السيسي كعودة للاستقرار. كما زادت الهجمات التي نفذها المتشددون في سيناء والجماعات المرتبطة بتنظيم «الدولة الإسلامية» في العراق والشام من دعم الرأي العام للدولة الأمنية. وفي الوقت الذي اتخذت فيه الحكومة خطوات لإنعاش الاقتصاد ورفع الدعم عن الوقود وفتح تفريعة جديدة لقناة السويس، إلا أن ما لم يلاحظه أحد هو محاولة الإعلام لبناء إجماع شعبي خلف سياسات الدولة متجاهلة في الوقت نفسه أساليبها القمعية. وترى الكاتبة أن المسألة لا تتعلق بالسيطرة على الإعلام من رأس الدولة. فمعظم المصريين لا يتابعون الأخبار عبر مؤسسات الدولة الرسمية ولكن من القنوات الخاصة التي تقدم برامج حوارية يصرخ مقدموها لساعات طويلة. ومع أن الصحف تقدم وجهات نظر مختلفة إلا أن مجال توزيعها محدود.
ولا يتجاوز توزيع «الأهرام» و»المصري اليوم» اللتين تعدان من كبريات الصحف المصرية عن مئات الآلاف من النسخ في بلد يتجاوز تعداد سكانه 83 مليون نسمة. ومع ذلك لا يقدم التلفاز أو الصحف نقدا عمليا لسياسات الدولة. وهذا النقد متوفر على وسائل التواصل المحدود المجال في مصر.
تركيع الإعلام
وعن الطريقة التي فرضت فيها الحكومة إرادتها على الإعلام تشير تشانغ لإغلاق الصحف والقنوات التابعة للإخوان وسجن أكثر من 20 صحافيا اتهموا بالتحريض على العنف، فيما تم توقف مقدمي برامج مشهورين مثل باسم يوسف بعد أن لم يعد لديهم حرية للحديث. وتنقل عن ليليان داود التي تعمل في تقديم البرامج التلفزيونة قولها إن السلطات تنشر كل عدة أشهر قائمة بأسماء الأشخاص الممنوعين من الظهور على التلفاز من محامين وناشطين وغيرهم. وتتدخل السلطات أحيانا وتحقق وتصادر أعدادا من الصحف التي تجاوزت الخط. وترى تشانغ أن المزاج العام ليس مذعنا بقدر ما هو احتفالي – حيث اختفى «الإخوان» وأصبح الجيش يسيطر بقوة. وتنقل عن الحسسيني قوله «أي قائد يجب أن يسأل الصحافيين بنشر الأمل. وفي الوقت الذي دعا فيه الكثيرون أثناء عهد مبارك لمنح «الإخوان» مكانا في الحياة السياسية إلا أن الحسيني يرفض استضافة أي منهم لأنهم «إرهابيون ارتكبوا خيانة ضد البلد» فلا حاجة له بأن يهتم بهم. وفي العادة ما تشير القنوات التلفزيونية المصرية الكبرى للإخوان بـ «الفاشيين» و «أولاد الكلب» و «الحشرات والبراغيث». وتعلق الكاتبة على قرار مدراء الصحف ومدراء قنوات التلفزيون الخاصة عدم انتقاد الدولة بشكل يؤثر على الأمن وعمل القضاء بأنه لا يعبر عن رقابة أو رقابة ذاتية، بل دعم نشط لنظام قمعي.
ونقلت عن جمال عنايت، أحد مقدمي برامج التلفزيون والإذاعة المعروفين «أدعم السيسي في كل شيء وأنا متحيز له». وعندما سألته عن الأخطاء التي ارتكبها السيسي أو يمكن أن يكون قد ارتكبها قال بعد صمت «كنت أود لو كان أكثر شدة ضد الإخوان المسلمين». ما يعني أن السيسي كان «لينا معهم». وزعم أن وزارة الكهرباء مليئة بمؤيدي الرئيس المخلوع – مرسي- ولم يفعل السيسي أي شيء. ولكنه يرى أن الوقت ليس وقت توجيه الانتقاد.
فعندما يشعر الناس بالأمن ويستطيعون الذهاب لأي مكان يريدون وتتوقف الولايات المتحدة عن الدفاع عن «الإخوان» فعندها سيحين وقت توجيه النقد للسيسي. ومع أن الإعلام يؤيد الحكومة بشكل كامل إلا أنه يعكس ما تراه الكاتبة التحول في المزاج العام حيث تشير للسنوات التي تبعت الإطاحة بمبارك والفوضى التي تبعته.
تعليم الصحافيين
وتقول إن السيسي يقوم بإدارة الإعلام كوسيلة للحفاظ على شعبيته لكنه حدد الطريق التي يصور الإعلام حكومته. فقد أقام علاقة مع مدراء التحرير ومقدمي البرامج عندما كان وزيرا للدفاع. وعلى خلاف اللقاءات الدورية التي يجريها الرئيس الأمريكي مع الإعلام والعلنية الطابع فلقاءات السيسي لم يعلن عنها. وتشير لأمثلة تدخل فيها السيسي ودعا فيها الإعلام التوقف عن إثارة الشكوك بين الشعب. وبعد قراره بزيادة أسعار الوقود طلب من الإعلام التركيز على أهمية التضحية. وفي تشرين الأول (أكتوبر) 2014 طلب من الإعلام أن يكون رفيقا بالناس الذين لم يعودوا تحمل الأخبار السيئة. في تلميح إلى أن الصحافيين كانوا يختارون الموضوعات السلبية للتركيز عليها. وفي لقاء مع رؤساء مجالس التحرير نهاية العام الماضي أخبرهم أن مصر تخوض حربا داخلية وخارجية.
وبعد ذلك بشهر تحدث للصحافيين في الإمارات أن واجب الصحافيين هو تقديم حلول لا التركيز على المشاكل. وتقترح اللقاءات هذه ان الصحافيين يخرجون منها بأهمية الدفاع عن الدولة. فقد اقترح وائل الأبراشي مقدم برنامج تلفزيوني الاجتماع بشكل دوري تحت رعاية السيسي والتوصل لميثاق أخلاقي يمنع نشر أخبار تهدد أمن البلد. وخلقت لقاءات السيسي مع الصحافيين حسا بالولاء فبحسب عنايت فهو «معجب بالسيسي وطموحاته، فهو ليس رئيس ولكنه قائد». وبالنسبة للحسيني فعندما تلتقيه يجعلك «تثق به» ويقول إبراهيم عيسى «يجعلك تشعر بأنك صديقه المفضل».
مآلات الإعلام
وتشير الكاتبة للطريقة التي تحول فيها الإعلام المصري من إعلام مؤيد لمبارك ومفتوح بعد الثورة وسياسات مرسي الإعلامية ودور القنوات الخاصة، لكن التحول الأكبر جرى بعد سيطرة الجيش فمنذ عامين فقد الإعلام الرئيسي انفتاحه. وصار يتحدث خاصة في المناسبات السياسية الكبرى بصوت واحد ويتعرض الصحافيون الذين يخرجون عن السرب للانتقاد والهجوم، ليس من الحكومة ولكن من زملائهم الذين يتهمونهم بالخيانة وبدعم «الإخوان المسلمين».
وفي النهاية تقول تشانغ إن الثورة المصرية علمت العالم أن الديكتاتور يمكن أن يذهب بلحظة واحدة ولكن دروس السنوات الماضية من الفوضى والعنف التي مرت على البلاد جعلت للاستبداد جاذبية خاصة. والسؤال هو عن الكيفية التي يحافظ فيها السيسي على هذه الجاذبية؟ والوسيلة التي يستخدمها في الوقت الحالي هي السيطرة على الإعلام الوطني.
qal
إبراهيم درويش