فيلم «سبات شتوي» للتركي نوري جيلان: أسئلة الوجود المتكررة على وقع جماليات المكان

حجم الخط
0

استنبول ـ من حسام السعد: يكتشف المتتبع لخريطة الرؤى السينمائية المعاصرة تَقدّم التجارب الجديدة من ثقافات لم تعتد على وضع بصمتها في مسار هذا الفن. ربما يبرر البعض ذلك بتلك الرغبة في تصدير فلسفة ورؤى حياتية مختلفة عن العالم والنفس والعلاقة مع المكان والإنسان بتصور جديد مغاير لما تم تكريسه في السينما العالمية، هوليوود بشكل خاص. اقتضى ذلك الذهاب نحو تصوير «النظرة إلى الحياة» وفق رؤى إخراجية وبصرية مختلفة فتحت الباب أمام التجريب السينمائي.
هكذا اطّلع المشاهد على السينما الآتية من دول كانت مجهولة سينمائيا مثل إيران وتركيا وتايلاند وأوزبكستان وفلسطين وغيرها. من ضمن تك الرؤى كان صوت السينما الجديدة في تركيا مع زكي ديميركوبوز وسميح قبلان أوغلو وأوزار كيزلتان ونوري بيلج جيلان الذي نطل بقراءة لتجربته الفذة في فيلمه الأخير «سبات شتوي».

السينما كسرد شعري

منذ إطلالته في أفلامه الأولى»ثلاثة قرود، مناخات» اتخذ جيلان خطا سرديا يقارب سرديات القصيدة الشعرية من حيث مونولوج الشخصيات والتعبير عن ذاتها والعلاقة بينها وبين المحيط، مؤكدا من خلال منطوق شخصياته فلسفة الحياة التي توجه الشخصية في سلوكها وقراراتها، غير مغفل الصراعات الإنسانية المتشابكة وموقع الفرد في المجتمع الحاضن له وموقفه منه كذلك.
في «سبات شتوي» فيلمه الأخير (حائز على سعفة كان الذهبية 2014) يسير الإيقاع بنا على وقع رؤية الشخصيات الرئيسية الثلاثة في الفيلم لذاتها وموقفها من العالم (صاحب فندق في الأناضول وزوجته الشابة وأخته المطلقة). فلسفة متناقضة بين شخصيات أجبرتها رتابة الزمن على عدم القدرة على اتخاذ قرار بالانعتاق من ظرفها أو الرحيل بعيدا عن جغرافيا المكان البعيد عن ضجيج مدن تركيا الكبيرة.لا يكتفي جيلان هنا بالسرد بل يتعداه إلى مرحلة «الكشف» وكأنه يصدّر خطابا يشرح به النفس البشرية بكل هواجسها حول الوجود. يجهض الزمن، في هذا الفيلم، أحلام الشخصيات الثلاث، «آيدن» الممثل المسرحي المعتزل الذي لم يحقق شهرة تذكر، فانزوى في فندقه يكتب المقالات الأسبوعية لصحيفة محلية يكاد لا يقرأها أحد، وأخته «نجلاء» التي انفصلت عن زوجها تغرق في وحدة واغتراب عن محيطها وسط فشل ذريع في النجاح بأي عمل. أما «نهال» الزوجة الشابة فلا تملك خيار الرحيل بسبب عدم قدرتها على مواجهة الحياة وحيدة رغم تسلط آيدن عليها وتبخيسه لمقدراتها وشعورها المستمر بالعجز. وسط هذا تتناحر الشخصيات محاولة كسر طوق الاستلاب المخيم على حياتها، غير قادرة على الانعتاق. وكأن هذا هو واقعنا في عصر فقد الإنسان فيه تلك القيم المطلقة عن العدالة والحرية والفاعلية الفردية. عزلة لا تفرضها ظروف الطبيعة والطقس «الأناضول» بل تبدو في لحظات كثيرة من الفيلم أن العزلة الشخصية هي التي أسبغت مزاجها على المنطقة الجبلية البعيدة بفعل تراكم الثلوج وانقطاع التواصل مع المناطق الأخرى. يظهر هذا بوضوح عندما يذهب آيدن إلى محطة القطار ويجد حجزا لمدينة استانبول لكنه يحجم عن السفر فتبدو المحطة فارغة وسكة القطار وحيدة من غير حقائب المسافرين.

سؤال وجودي

ثمة محاولة لفهم ماهية الوجود الإنساني في هذا الفيلم. قد يبدو التحليل يذهب إلى مداه الأقصى هنا، لكن
خطاب الفيلم يدور حول تلك المعضلة الفلسفية حقيقة. لماذا نحارب الشر؟ وماذا يحصل لو استسلمنا لفعل الشر من الآخرين؟ ولماذا يقوم البشر بأفعال الشر تجاه بعضهم؟ أليست هذه الأسئلة هي جوهر حياتنا الفردية والاجتماعية. يدور النقاش طويلا حول هذه النقطة بين الشخصيات الثلاث، وفي حين تقف نهال إلى جانب رأي نجلاء فإن آيدن يحارب بشدة هذه الفكرة. إنها جوهر هذه الشخصيات. نجلاء التي تصرح بأنها لو تحملت معاملة زوجها القاسية وتقبلتها لكانت حررته من شره، ونهال التي تحاول الانعتاق من العنف الرقيق من قبل آيدن تذهب في نهاية الفيلم لتقابل «اسماعيل» المستأجر السكير وتعرض عليه مبلغا ماليا ضخما.
في كل الأحوال، يبدو أن الشر لا ينتهي، فلا نجلاء عادت لزوجها ولا نهال حررت اسماعيل الذي ألقى بالنقود في موقد الحطب وجعلها تحترق أمام ناظريها. إن العلاقات الإنسانية يجب أن تقوم على الاتفاق والتكافؤ حتى تستطيع تجاوز نوازع الشر، وهو ما لا يتحقق في الفيلم وفي الواقع الذي نعيشه كذا الأمر.

السينما فرجة

أتى نوري جيلان من ثقافة التصوير الضوئي، وهو ما طبع نهج الصورة السينمائية في كل أفلامه دون استثناء. وتكاد الجرعة الجمالية هي ما يميز أعماله على المستوى الفني. إننا هنا، كما في أفلام «بعيد، مناخات، حدث ذات مرة في الأناضول» أمام مشهدية سينمائية تركية خالصة. تتكون الذائقة الجمالية من العلاقة بين الفنان وبيئته، ويبدو أن جيلان قد حقق المعادلة الصحيحة بأن الصورة هي انعكاس رؤية الفرد لمعنى الحياة. هنا، جماليات التفاصيل العادية في حياتنا، تلك التي لا نلتفت إليها: صورة بالأبيض والأسود على جدار مكان الاستقبال، زينة ريفية لرفوف المطيخ، ومدفأة قديمة في محطة القطار وغيرها. إنها التفاصيل الجمالية التي نتعايش معها لكننا نفتقدها هي بالذات في غمرة الحنين.
على مستوى الصورة الفنية، يبدو واضحا تأثير «الفرجة» كما هي موجودة في الفنون الأخرى وبشكل خاص المسرح، بل إن شخصياته تبدو وكأنها تتحرك على خشبة مسرح أكثر من إحساسها بالوقوف أمام الكاميرا. لا تمر لحظة من الصورة السينمائية بشكل مجاني، فعلى مدى ثلاث ساعات و 16 دقيقة (مدة الفيلم) تبدو تلك الحساسية العالية في الرؤية البصرية لجيلان، إنه التماهي مع الطبيعة كما جسدتها حرفية الممثلين بشكل يدعو للدهشة. وبين اللقطات الخارجية بكادرها الواسع واللقطات الداخلية «الطويلة» تبرز مهارة جيلان في أدق تفاصيل حركة الوجوه وتنقّل الشخصيات ضمن مساحات ضيقة بمرونة قلما نجدها في السينما. فكيف يتم تصوير رتابة الحياة اليومية والمونولوجات النفسية الخالية من الكلام بشكل متكرر دون أن تعاد الكوادر بنفس الصورة البصرية؟
يبقى «السبات الشتوي» على مستوى الصورة والخطاب فرصة لنا، كشخصيات مشاركة رغما عنا في الفيلم، لاتخاذ قرارات بشأن ما يدور حولنا من تناقضات، وربما يحدّث أحدنا نفسه: هل سأطلق الحصان المأسور لدي كما فعل «آيدن» في نهاية الفيلم، في مشهد يحتمل التأويل بلا مبالغة أو إسراف؟

كاتب فلسطيني ـ تركيا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية