■ تواصل تجربة الدولة الوطنية في الجزائر الشد على تجارب أخواتها في الوطن العربي، على شتى المسارات والمناحي، مذ تراسمت الملامح القطرية إبان فترة الاحتلال وصولا إلى مرحلة الاستقلال وفوضى النموذج المجتمعي، الذي تم اتباعه، مرورا بأحداث أكتوبر الشهيرة التي أنجزت نصف مشروع التحول التاريخي، ونأت عن انجاز النصف المتبقي، وصولا إلى الصمت المريب والهدوء العاصف، الذي لزمته البلاد وسط ثوران عات اندلع في الجوار واتجه شرقا، حيث لا يزل عصفه يقتلع القصور الشاهقة والبيوت الواطئة في ليبيا وسوريا واليمن ويعتم سماء المحروسة.
ربيع أبى أن يستقر في الجزائر إلا بالمرادية، أي في القصر الجمهوري، حيث تدور رحى أكبر معركة لحرب السلطة، التي واكبت نمو الدولة الجزائرية المستقلة، منذ أن اغتيل عبان رمضان، الذي كان أول من سعى إلى تمدين السلطة، بجعل الأولوية في القيادة المجتمعية للسياسي على العسكري، فهل تتجه الأمور حقا نحو هذا الحلم المغتال في المغرب سنة 1958.
بغض النظر عن المرامي المتنافرة المتناحرة، التي تسكن نفوس أبطال قصة الصراع الأخير حول هرم السلطة، الذي بدأ منذ نحو عقد من الزمن، وتحديدا مذ أعلن بوتفليقة عن نية ترشحه لعهدة ثانية سنة 2004 وقوبلت حينها بالرفض من جهاز الاستخبارات، الذي قاده بقوة وجبروت الفريق المقال محمد مدين المدعو توفيق، الرجل نفسه الذي أتى ببوتفليقـــة إلى الحكم، ما يظل محل إجماع الصامت والصادع بالرأي والتحليل من متتبعي المشهد السياسي الجزائري، إن السلطة في الجزائر انصرمت من قبضة جناح طواها في كفه عقود من الزمن وهي الآن تُزف إلى طرف في قصر آخر، لن يكون بالضرورة الشعب، على اعتبار أن هذا الأخير لم يرق إلى مستوى الصراع عليها، وعيا ومطلبا، وهو ما يعني أن حلم تمدين السلطة سيظل مؤجلا.
فإذا كان الكل قد اعتقد خطأ أو صوابا أن الفريق محمد مدين، المدعو توفيق، كان هو صانع الرؤساء في العقدين الماضيين، مستندا في ذلك إلى الوسائل الكبرى والخاصية التاريخية لجهاز الاستخبارات، الذي تميز عن كل الأجهزة في العالم باستقلالية تصرف مريبة وغريبة عن قيادة الأركان كسلطة عسكرية فوقية، وعن السلطة المدنية، بل أضحى هو مصدرا مهما لانبثاق قيادتهما، أكثر من ذلك امتلك قوة التعيين في المناصب المدنية والمديريات التنفيذية للمؤسسات العمومية بالبلاد، ما مكنه من السيطرة التامة ليس على المسرح السياسي فحسب، بل المجتمع برمته – إذا كان هو ذا الاعتقاد – فإنها لتظل حرية بالطرح الأسئلة عن مستقبل حقول المسؤولية تلك بعد تنحية صنمها الكبير الفريق توفيق، هل ستتحرر وظيفيا؟ أم أن الطرف الغالب في معركة كسر العظم الأخيرة هو الذي سيتولى مهمة ما كان يشغله خارج القانون والخصوصية الوظيفية الفريق محمد مدين؟ ومن تراه يكون هذا الطرف؟
الإجابة عن تساؤلات كهذه، تلزمنا حتما بالالتفات إلى الطرفين المستفيدين من هزيمة قائد الاستخبارات في معركة كسر العظم، وهي الرئاسة وقيادة الأركان، وكلاهما استفاد بطريقته وبقدر ما يستطيع من قوة الآخر، الرئاسة استغلت بشكل كبير قوة أركان الجيش العسكرية، خاصة الإرادة في الانتهاء من ملف الاستقلالية غير الطبيعية لجهاز الاستخبارات عن رأس قيادة الجيش، واستفادت قيادة الأركان من شرعية الرئيس، خاصة الدعم الخارجي الذي بات يحظى به، لاسيما بعدما حدث الهجوم الإرهابي على حقل الغاز بمنطقة «تيقنتورين» سنة 2013 الذي خلف ضحايا من الرهائن الأجانب، ما اعتبر وقتها فشلا لجهاز الاستخبارات في مهامه، الأمر الذي أغضب دول وحكومات الضحايا من الرهائن الذين أبدوا انزعاجهم من تصرف المسؤولين الجزائريين مع الحدث.
لكن ثمة إجماعا لدى كل المتتبعين للشأن الجزائري بأن الرئاسة اليوم، وفي ظل الحالة المرضية المتقدمة للرئيس بعد العزيز بوتفليقة، قد تداعت السلطة فيها لشقيقه السعيد الأستاذ السابق للرياضيات في جامعة الجزائر، قبل أن يتوج أخوه ملك الجمهورية سنة 1999 ويلتحق به كمستشار خاص، إذ تؤكد مصادر عدة أن هذا الأخير هو فارس معركة تحرير الرئاسة من سلطة الاستخبارات، وتهديــــداتها له بالكشف عن كل الملفات المتعلقة بالفساد، التي يدرك الخاص والعام أنها حقيقة وصحيحة في ضخامة حجمها ونسبها، وهي المعركة التي بدأها بإبعاد المكلف بالإعلام والاتصال في جهاز الاستخبارات، ومست بعدها المدير المركزي لأمن الجيش، ثم قائد مجموعة مكافحة الإرهاب، لتطال بعدها رأس الجهاز الجنرال محمد مدين المدعو توفيق.
وبالحديث عن عملية تحرير الرئاسة، حتى لا نقول الرئيس من الشراكة المستترة والمفروضة في صنع القرار مع المخابرات، التي قادها سعيد بوتفليقة، كما تؤكد جل المصادر، في ظل العجز الصحي التام لشقيقه الرئيس، يمكن الحديث عن تخلص مشترك من هذا الجهاز مع قيادة الأركان، ولعل هذا ما يشكل دائرة المصلحة بين الطرفين في معركة السلطة والاستحواذ على مصادر القرار فيها، التي بدأت كما أسلفنا منذ 2004، قبل أن يشتد وطيسها مذ أعلن بوتفليقة عن نيته الترشح لعدة رابعة، ولو على كرسي متحرك، استعملت فيها كل الوسائل الإعلامية منها والقضائية والدبلوماسية، لتصل إلى الميدان عبر الشروع في تجريد جهاز الاستخبارات من كل مصادر قواه وآليات دفاعه الذاتي، قبل الإطاحة بقادته ورمزه الفريق محمد مدين، بيد أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم من سيستحوذ على تركة هذا الجهاز في بسط النفوذ وتوجيه المجتمع الوجهة التي تخدمه؟
كل التخمينات تذهب إلى أن شقيق الرئيس سيكون أكبر المستفيدين من هذه النهاية التي آلت إليها معركة الحسم في صراع السلطة مع الاستخبارات، الدائرة منذ عهد الحركة الوطنية إلى اليوم، على اعتبار أن ذلك سيمهد له الطريق لوراثة أخيه، وإن ليس بالطريقة المباشرة التي قامت عليها تجربة الربيع العربي في كل من تونس، مصر وليبيا، ولم تعد وسيلة لحفاظ الأسرة الحاكمة المالكة على السلطة وما يتبعها من امتيازات، بل سيكون توريثا على مستويات أخرى وبشكل آخر، وفق التحول الكبير الذي عرفه جهاز الحكم بالجزائر نخبويا وأيديولوجيا وعصبويا، وهو التحول الذي حرص بوتفليقة على تكريسه بشكل جدي وكلي مذ رأس البلاد سنة 1999 والمتسم خاصة بلبرلة المجتمع، وبناء بورجوازية جديدة غير مؤدلجة وغير مثقفة حتى، معظم أصحابها ممن ولدوا في فترة ما بعد الاستقلال وينحدرون من عائلة بسيطة وفقيرة في كثير من الحالات.
كل ذلك يعني أن المجتمع سيتحول من هيمنة الاستخبارات إلى هيمنة رجال المال الذي لاحت هواجس تغولهم على المجتمع منذ مدة، وشروعهم في بسط قواهم ونفوذهم على العديد من مفاصل المجتمع، في انتظار أن ينهي السعيد بوتفليقة معركة الهيمنة على مفاصل الدولة، فالكثير لاحظ تأثير أصحاب المال السهل على توجيه الرأي العام من خلال الإعلام، وقبضة الإشهار الاقتصادي، وعلى سير الانتخابات بتوظيف «المال السياسي» لغزو المؤسسات النيابية والتنفيذية معا، الأمر الذي يؤكد أن البلاد بصدد التحول من الدولة الأمنية إلى الدولة المالية التي يتحكم فيها رجال الاستثمارات، بدل رجال الاستخبارات، ما يعني الاقتناع بأن الشعب لا يزال أبعد ما يكون عن القدرة في تحقيق نصف الحلم الذي هب من أجله في ربيع الجزائر عام 1988 وهو استعادة سيادة الشعب لإرادته في حكم نفسه بنفسه، بعد أن كان قد حقق الحلم الأول ولو بشكل رمزي وهو كسر الأحادية المقيتة التي جثمت على صدره لثلاثة عقود متتالية.
٭ كاتب وصحافي جزائري
بشير عمري