مستنقع الفساد أم مستنقع النظام المصري؟

ليست المرة الأولى التي أقر فيها متعجباً مثل (كثيرين غيري في الحقيقة) بأن مقولة «خليهم يتسلوا» التي أطلقها المخلوع مبارك، إبان مجلس شعب 2010 الهزلي، أثبتت كونها نبوءة، ومن يدري، فقد يطول عمرها أكثر من عمر صاحبها في السلطة والحياة، لتصير مع نظامه المسخ تركته لبلدٍ منهوب في منطقةٍ منكوبة… إذ يبدو أن ربك الذي لا يدرك حكمته إلا هو، إذ يضع الحكمة أحياناً في أفواه الناس الطيبين محدودي الذكاء، يضعها في أحيانٍ أخرى في أفواه المتبلدين ثلمي الذهن من الطغاة.
الأكيد أن عوامل التسلية والإثارة متوفرة، فالعرض مستمر، وأحداثه سريعة بصورة تمنع الملل، إلا أن الدور الأكبر في ذلك العرض من نصيب ذلك النظام الذي يتحرك في شتى الاتجاهات، وتتسم تصرفاته وتصريحاته وما يرسله من إشارات بالتناقض، كثيراً من الوقت، وبالفظاظة بصورةٍ شبه دائمة.
نصحو يوماً على قضية فسادٍ نجمها الأول وزير الزراعة، الذي يتم القبض عليه بصورة مهينة في الشارع، بعد تقديمه استقالته، ثم يلحق به وزراء آخرون، ويتضح ضلوع بعض من ينتسبون إلى مهنة الصحافة، وكانوا ملء الأسماع والأبصار مفروضين علينا في البرامج التلفزيونية كمقررات الحكومة المدرسية… تستقيل الوزارة، وهو أقل واجب، ليتم تعيين وزير عليه علامات استفهامٍ هو الآخر. ونصحو يوماً آخر على قصف وقتل سياح في الصحراء الغربية. في ما يبدو سياقاً آخر، يخرج علينا رئيس الجمهورية ليعبر عن رأيه بأن من كتبوا الدستور «كانت نواياهم حسنة»… بعد التعجب، فأفضل ما يمكن هو أن تأخذ خطوةً للوراء وتهمهم… ثم تكتشف أنه ليس ثمة سياقات، بل هو سياقٌ واحد.
كل الأحداث المسلية السابقة تفتح الباب على المزيد من الشك، وما لا حصر له من الأسئلة، ليتبين عرضاً كم كانت سياسة مبارك في تجميد الصراعات وإيثار السبات على الحركة، محورية في تثبيت نظامه وإطالة عمره. فالتحركات السريعة الحالية، التي فرضها في واقع الأمر حراك يناير الثوري الذي كسر الجمود، عرّت الفجوات وكشفت السوس الذي ينخر النظام. هذه التحركات بطبيعتها تفضح المزيد. من ذلك مثلاً، لماذا أسند منصب الوزارة لرجلٍ علقت بسمعته وذمته الشبهات، وكيف وصل رجلٌ حكم عليه بالسجن في قضية فساد أن يصبح مدير مكتبه؟ وكيف تورط كل هؤلاء الوزراء في الفساد، وأين كانت الأجهزة الإدارية حين اختيروا لتلك المناصب، وعلى أي أساسٍ اختيروا في المقام الأول؟ وكيف غاب التنسيق الأمني حتى أودى بحياة السياح في بلدٍ صدعنا مسؤولوه بأن السياحة مصدر أساسي للدخل وللعملة الصعبة تحديداً. وعلى رئيس الجمهورية نرد: هل من المفترض أن يتحلى كاتبو الدستور بسوء النية؟!
سأتحلى أنا بحس النية وأصفق لمحاربة الفساد من حيث المبدأ، إلا أنني لا بد أن أتساءل عن حجم الفساد الحقيقي في ضوء ما تكشف… الأهم من ذلك، هل النظام بعيدٌ عن الفساد، أي هل هم مجرد حفنة من الموظفين الفاسدين؟ كما هو الحال دائماً، لا بد من العودة للأصول واللجوء إلى شيء من التجريد. الفساد المستشري في مصر ليس حدثاً عارضاً أو ظاهرة طفيلية بلا جذور، الفساد منهجي وركنٌ مؤسس للنظام.. الفساد انحيازٌ هو الآخر، فالنظام الذي انضم مبكراً للركب الأمريكي واتبع سياسة انفتاح «السداح مداح» واقتصاد التوكيلات، ثم تطور بصورة رثة حيث باع أصول القطاع العام بأبخس الأثمان في محاكاةٍ لتطوراتٍ نيوليبرالية في الدول الكبرى، هذا النظام يحتاج إلى الفساد كمبدأ وإلى بطانة وطبقة من الفاسدين ليعيش ويقتات، فهم يسيرون مصالحه، وكل منهم يعلم أنه «ممسوكٌ « عليه العديد من السقطات المالية والأخلاقية، إذ ربما يتجرأ في يومٍ من الأيام ويرفع عينيه في عين ملك الزمان أو يتصور أن له رأياً مستقلاً، حينذاك تفتح الملفات ويكون السقوط المدوي الذي يذهب بالسمعة والكرامة الظاهرية وربما الثروة وينتهي بالسجن في بعض الأحيان. الفساد ليس عارضاً.. لا بد من التأكيد، حين خرج الضباط من ثكناتهم، وتمت «عسكرة المجتمع»، اختزل كل شيء في مؤسسة الرئاسة، ومن ثم في شخص الرئيس كل القدرات، واعتمدت الثقة فوق الخبرة أسلوباً لاختيار المساعدين، حسن النية من سوئها لا علاقة لها بمحاولات التملص من مجلس شعب حقيقي، وإنما هي محاولة من نظامٍ يسعى لترميم نفسه للفكاك من أي فرصة لمراقبة شعبية.
سوف أتحلى مرةً أخرى بحسن النية وأفترض أن الرئيس جادٌ في رغبته محاربة الفساد، لكن كيف سينجح وآلية النظام كلها قائمة عليه، من حيث اختيار الكوادر وغياب أي رقابة شعبية. أنا عن نفسي أتعجب من عجب الناس وحيرة بعضهم أمام ما يحدث، في حين أن العلامات الاساسية للصورة تتضح….
نحن بصدد إعادة ترميم ما تحطم من نظام مبارك، لكن بصورة أكثر قسوة وعنفاً… لقد بوغت ذلك النظام بضخامة حراك يناير، وما حدث من «تجرؤ الناس على أسيادهم» وذكرى ضباط الشرطة وقد خلعوا ملابسهم ولاذوا بالفرار تشعره بالإهانة العميقة. الغرض الآن مزدوج، تثبيت النظام وترميم صورته وثقته في نفسه… والانتقام…ولأن العصاب والبارانويا بلغت بهم كل مبلغ، فهم لا يرون أي مبرر للثورة وإنما مؤامراتٍ في كل مكان.
يجوز أن الرئيس «حسن النية» هو الآخر في محاربة الفساد، لكنه بالتأكيد سيئ النية في ما يتعلق بالديمقراطية والمشاركة الشعبية والرقابة والحريات… وعلى الرغم من استدعاء بعض اللفتات من الماضي، من هنا وهناك، من قبل أنظمةٍ تدمن الترقيع تارةً في محاولة استنساخ للتجربة الناصرية بشعبويتها و»مشاريعها العملاقة»، وتارةً تدين السادات و»زبيبة» صلاته، فإن الجوهر، والقلب الصلب تحت القشرة، هو نظام مبارك بانحيازاته الاقتصادية- الاجتماعية واعتماده على عصا الأمن الغليظة… جداً، مع الاعتماد المتزايد على الأمن الذي فرضه الظرف الثوري كما أسلفنا.
مستنقع هذا النظام مستنقعٌ آسنةٌ مياهه بصورة لا يمكن تصورها، لن يخرج الحل منه، ويقيناً ليس من شخصٍ لا يرى في معطياته الأساسية من انحيازٍ للأغنياء ضد الفقراء وقمعٍ وتهميشٍ وغيابٍ للديمقراطية وتغولٍ للأمن، أي مشكلة. لا بد أن نرحب بمحاربة الفساد، إلا أننا يجب أن نطرح عنا سذاجة تصور حلول دائمة من قبله، لأن شيئاً كذلك سيخلخل وجوده، وحتى لو حدث تحسن، فسوف يكون مؤقتاً لأن القمع سيضمن إعادة إنتاج أخطاء الماضي، وما أكثرها وأفدحها.
كاتب مصري

د. يحيى مصطفى كامل

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية