«منتدى العائلة الدستورية» في تونس… هل هو استهداف للحزب الحاكم من منافسيه؟

حجم الخط
0

تونس ـ «القدس العربي»:جدل كبير يدور في تونس داخل الحزب الفائز بالمرتبة الأولى في الانتخابات التشريعية الأخيرة (حركة نداء تونس) وداخل العائلة الدستورية بسبب مبادرة تأسيس «منتدى العائلة الدستورية» الذي أثار اهتمام المتابعين للشأن السياسي في تونس على امتداد الأسبوعين الأخيرين. فقد اعتبر البعض أن تأسيس هذا المنتدى من قبل قيادات في حركة نداء تونس هو شق لصفوف الحزب الذي لم يعقد مؤتمره التأسيسي بعد من قبل ما يسمى بـ»التيار الإصلاحي» الذي وقع إستثناء أغلب عناصره من تركيبة المكتب السياسي للحزب. ولعل ما يثير هلع بعض قيادات نداء تونس من اليسار والنقابيين وخوفهم من هذه المبادرة هو أن الدساترة والتجمعيين (أبناء الحزب الحاكم السابق قبل الثورة) هم أغلبية القواعد داخل حركة نداء تونس وبالتالي فإن فرضية التحاقهم بمنتدى العائلة الدستورية واردة وهو ما سيعني إفراغ حركة نداء تونس من قواعدها الأساسية. ويتهم أصحاب المبادرة بأنهم يعملون مع حركة النهضة (أعداء الأمس) على استهداف حزبهم لصالح الحركة الإسلامية.
لكن أصحاب المبادرة يؤكدون أنهم لا يستهدفون حركة نداء تونس وأنهم باقون فيها وكل ما في الأمر أنهم قرروا تأسيس منتدى فكري ثقافي. وسيقوم هذا المنتدى أو الجمعية بمراجعات في فكر الحركة الدستورية التي ستحتفل قريبا بمرور مئة عام على تأسيسها على يد الشيخ عبد العزيز الثعالبي في فترة ما بعد الحرب العالمية الأولى وتجديدها لاحقا على يد الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة.
وفي هذا الإطار يؤكد الناشط والمحلل السياسي المتخصص في علم الإجتماع السياسي هشام الحاجي لـ«القدس العربي» أن الملاحظين للحياة السياسية يدركون ان هناك ما يشبه الفراغ الفكري في مواكبة التحولات السياسية وهو ما يفتح الباب أمام مثل هذه المبادرة ويمنحها مشروعيتها. يضاف إلى ذلك، بحسب الحاجي، حضور المعطى السياسي في جانبين، فمن ناحية هناك تحالف غير معلن بشكل صريح بين حركة النهضة وحركة نداء تونس وهذا التحالف يحتاج الى تأصيل فكري يمنحه القدرة على الاستمرار خاصة وأن التيارين ينتميان للمدرسة المحافظة ويمكن ان يزداد تقاربهما في الفترة القادمة، وأما العامل الثاني فيتمثل، في أن التيار الدستوري يواصل البحث عن دوره في تونس ما بعد 14 يناير ويدرك قدرته على التعبئة والإضافة وتأسيس «منتدى العائلة الدستورية «مهم من هذه الزاوية لأنه إشارة قوية على الحضور وأساسا على استرداد المبادرة.
ويعتقد، أن أهداف تأسيس «منتدى العائلة الدستورية» ليست سياسية مباشرة مادام المنتدى هو فضاء حوار وتكوين وتفكير. ولكن حسب الاشارات وتصريحات المؤسسين فان المنتدى غير معني بجزئيات العمل السياسي وبالصراعات التي تؤثث المشهد السياسي اليومي علاوة على ان المؤسسين هم قياديون في حركة نداء تونس ومتمسكون بهذا الانتماء. ويضيف الحاجي قائلا: «حين نضيف إلى ذلك أننا لا نعيش حاليا تحت ضغط استحقاقات انتخابية قريبة فان المنتدى قد ينجح في الدفع نحو توحيد الدساترة وربما الانفتاح على حساسيات أخرى بما من شأنه ان يوسع من القواسم الوطنية المشتركة التي تعتبر الدعامة الأساسية لكل نظام ديمقراطي».
ويضيف: «من ناحية أخرى فإني حين أنظر للمسألة من ناحية سياسية اعتبر أن أسباب التقارب بين الدساترة تفوق كثيرا أسباب التباعد ولا ننسى أن كل الاحزاب الدستورية قد ساندت الباجي قائد السبسي في الدور الثاني للانتخابات الرئاسية. وهناك دور فكري يمكن لمنتدى العائلة الدستورية الاضطلاع به وهو انجاز ما يمكن اعتباره المصالحة داخل العائلة الدستورية ذاتها وهنا تأتي أهمية إشارة المؤسسين لعبد العزيز الثعالبي من ناحية وإلى ايمانهم بالتواصل من الثعالبي إلى قائد السبسي مرورا ببورقيبة وهو ما يعني تجاوزا لكل العقد و التجاذبات التي أضعفت العائلة الدستورية.
أما عن حظوظ نجاح المبادرة فيعتبر هشام الحاجي أن نجاح كل مبادرة يرتبط بالسياق العام من ناحية وبشخصية المبادرين من ناحية أخرى. وحين يتم التحليل في السياق العام يمكن أن نجد في رأيه عوامل دافعة لهذه المبادرة، فقد تخلص الدساترة من ضغط مرحلة «الغليان «الذي أعقب 14 يناير 2011 وتجاوزوا مرحلة الاضطراب ورد الفعل التي انعكست سلبيا على عدة مبادرات توحيد.
وهناك بحسب الحاجي جانب النقد الذاتي بما يعنيه من تشخيص للأخطاء وسعي لعدم تكرارها وهو عامل مهم في رأيه. وفيما يتعلق بالذين يقفون وراء تأسيس «منتدى العائلة الدستورية»فان ما راكموه من تجارب ونجاحهم في عدة مجالات يمنحهم، بحسب محدثنا رصيد ثقة في أنفسهم وفي ثقة الاخرين بهم وهي عوامل مهمة في تحديد مستقبل المبادرة بحسب الحاجي.
وعن تهمة تآمر مؤسسي المنتدى على حركة نداء تونس مع حركة النهضة يقول: «انا لا أميل كثيرا للتفسير التآمري أو للقراءات التي تقوم على محاكمة النوايا وعلى هذا الأساس لا أرتاح للقراءات المتسرعة التي ترى في منتدى العائلة الدستورية محاولة لضرب حركة «نداء تونس» وما يزيد تصوري صلابة هو أن مؤسسي المنتدى متمسكون بالإنتماء إلى نداء تونس وحريصون على أن يواصل دوره في المشهد السياسي وعلى أن يواصلوا التعبير عن مواقفهم صلب هياكل الحركة ومؤسساتها وبالتالي فإن المنتدى يمثل رافدا من روافد حركة نداء تونس وعنصر إثراء له.
التقارب بين الدساترة والإسلاميين (أعداء الأمس القريب) يتم منذ مدة إذ لا ننسى موقف حركة النهضة من قانون الإقصاء وكيف تصدت له علاوة على لقاءات راشد الغنوشي والباجي قائد السبسي والتي ساهمت في توفير أرضية ملائمة لانتخابات اكتوبر 2014 هذا دون أن ننسى المساندة التي قدمتها حركة النهضة -حتى وإن كانت محتشمة- للباجي قائد السبسي في الدور الثاني من الانتخابات الرئاسية. وبالتالي فإن عوامل التقارب متوفرة ويمكن للمنتدى أن يلعب دورا في نقلها من المستوى السياسي الآني إلى المستوى الاستراتيجي عبر حوار صريح بين الطرفين يؤدي إلى تجاوز ما كان سببا في الماضي في سياسات مواجهة ونفي متبادل انعكست سلبيا على البلاد. وهذا ينطبق على اليسار أيضا لأن الحوار هو أداة للتلاقي وللبحث عن المشترك أكثر منه مدعاة للإقصاء والإلغاء. وأعتقد أن الدساترة في حاجة إلى كشف جوانب التعدد والثراء في هويتهم وتجربتهم وهو ما يمر عبر الحوار مع الجميع والاشارة الى الثعالبي وحشاد وبن يوسف وبن صالح وغيرهم من زعماء الحركة الوطنية التونسية».
وعن نفي أطراف تونسية لعلاقة ما قد تربط بين الشيخ الثعالبي مؤسس حزب الدستور وحركة النهضة الإسلامية رغم إصرار النهضويين على وجود هذه العلاقة يعتبر المختص في علم الإجتماع السياسي هذه النقطة معقدة نسبيا وتقتضي النزاهة الفكرية، فالحركة الإسلامية التونسية اعتبرت نفسها منذ تأسيسها في علاقة تأثر واستلهام من حركة الإخوان المسلمين وتبنت منطقها ومنهجها وهذا لم يمنع ان محاولات التأصيل في التربة التونسية عبر البحث عن رموز محلية كانت موجودة منذ التأسيس ولكنها كانت، بحسب الحاجي، عرضية وضعيفة ولم تكن تمثل خيارا استراتيجيا. ولكن واقع الحال يختلف، بحسب محدثنا، فقد راكمت حركة النهضة في تجربتها السياسية ما يسمح لها بالإبتعاد عن المدرسة الإخوانية وقد أصبح التنظيم الدولي للإخوان المسلمين في حالة وهن لا تغري بالانتماء إليه. علاوة على أن تجربته في حكم مصر أظهرت، بحسب الحاجي، عجزه. وبقدر ما يعتبر أن سعي حركة النهضة للتونسة مهم ومفيد لها ولتونس بقدر ما يعتبر أن النجاح في هذا المسعى هو رهين إحداث قطيعة مع مقولات الإخوان المسلمين حتى تنتقل الحركة من فضاء التقليد إلى مجال الحداثة والابتكار.
وفيما يتعلق بحركة نداء تونس يختم هشام الحاجي حديثه بالقول: «يمكن لحركة «نداء تونس» أن تؤجل عقد مؤتمرها التأسيسي إلى ما لا نهاية لأن ذلك يعني ببساطة السير في طريق التحلل البطيء. وهناك بكل تأكيد عدة شروط يجب أن تتوفر لنجاح المؤتمر لعل من أهمها خلق مناخ ثقة بين القيادات وحسن إدارة التفاعل بين مختلف الحساسيات الفكرية التي تكون النداء. المهمة صعبة ولكنها ليست مستحيلة ومن حقنا أن ننتظر مفاجأة إيجابية من الندائيين في هذا الاتجاه.

روعة قاسم

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية