الخرطوم ـ «القدس العربي»:بعد ربع قرن من الزمان زار الرئيس الاوغندي يوري موسفيني الخرطوم، وصفت الزيارة بالتاريخية كونها طوت حقبة من الخلافات المعلنة والمستترة بين السودان واوغندا.
اكتسبت زيارة الرئيس الاوغندي للخرطوم أهمية خاصة، لمجيئها بعد أكثر من عقدين من الزمان ولتوتر العلاقات بين الخرطوم وكمبالا طوال السنوات الفائتة بسبب مزاعم كلا الطرفين بتسبب كل طرف في التوتر الأمني لدى الطرف الآخر وبسبب موقف الدولتين مما يجري في جنوب السودان من أحداث وصراع دموي.
ومعروف أن السودان ظل يتهم اوغندا بدعم حاملي السلاح من الحركة الشعبية شمال وحركات دارفور، وتتهم كمبالا الخرطوم بفتح أراضيها للمتمردين الاوغنديين، وقضت هذه المعادلة بمساندة كل دولة لأحد طرفي النزاع في جنوب السودان.
ونفى وزير الخارجية السوداني البروفيسور ابراهيم غندور أن تكون الزيارة بضغط من أمريكا أو غيرها وقال إنها مبرمجة منذ فترة. وأضاف في حديثه للصحافيين، أن الخرطوم وكمبالا ستعملان على استقرار جنوب السودان باعتبار أن البلدين يتأثران بما يحدث فيها، حيث تدور حرب، منذ منتصف كانون الاول/ديسمبر 2013، بين قوات الحكومة برئاسة سلفا كير ميارديت والمتمردين الذين يقودهم ريك مشار وهو نائب الرئيس الذي أطاح به سلفا كير.
وقال الرئيس السوداني عمر البشير في المؤتمر الصحافي الذي عقد بين الطرفين في ختام الزيارة، إن المباحثات تناولت سبل الدفع بالعلاقات بين السودان واوغندا، وكذلك الأوضاع في جنوب السودان. وقال إن الطرفين اتفقا على كيفية المساهمة الإيجابية في تنفيذ اتفاق السلام الذي تم التوقيع عليه مؤخرا بين حكومة جنوب السودان والمعارضة بقيادة رياك مشار الذي كان حاضرا في الخرطوم أثناء هذه الزيارة.
وأكد موسفيني وقوف بلاده ودعمها لكل عمليات السلام في المنطقة، وأضاف أن بلاده حريصة على تنفيذ كل شيء تم الاتفاق عليه في هذه الزيارة.
ولم تخرج بيانات تفصيلية عن المباحثات التي عقدها الرئيسان، لكن تفاصيل الزيارة تشير إلى النجاح في طي العديد من الملفات. وأكد الرئيس الاوغندي لدى زيارته لجامعة افريقيا العالمية، إمكانية تحقيق التنمية والاستقرار لشعوب المنطقة.
وطالب أن يتم التخطيط لرؤية شاملة للتكامل الاقتصادي بين شعوب المنطقة كلها، وامتدح الدور الذي تقوم به الجامعة في خلق وحدة بين طلاب القارة الافريقية وما تقوم به في مجال التنمية البشرية لمصلحة مستقبل القارة.
وبمناسبة هذه الزيارة، منحت جامعة أفريقيا العالمية اوغندا 30 منحة دراسية للطلاب الاوغنديين في مختلف التخصصات.
ولم تكن جامعة أفريقيا هي المحطة الوحيدة لزيارة الرئيس اليوعندي، بل زار الكلية الحربية وتعرف على كيفية تأهيل وبناء ضباط القوات المسلحة في السودان وتلقى معلومات وافية عن تاريخ الكلية، كما زار مجمع «صافات» لصناعات الطائرات.
وألقى موسفيني محاضرة قصيرة في قاعة الصداقة في الخرطوم تناول من خلالها تحديات التنمية في منطقة البحيرات وأشار فيها إلى جملة من التحديات أبرزها التوجه الايديولوجي للأنظمة ونظام الطوائف والمعتقدات الشعبية، وتناول أهمية الإنتاج وفتح الأسواق الافريقية وجذب المستثمرين من خلال تقوية البنى التحتية. وقال إن أفريقيا أضاعت وقتا طويلا في البحث عن الهوية وإنهاء الصراعات القبلية وأشار إلى ضرورة مشاركة كل الأفارقة في التنمية والسلام ببلدانهم.
ومن الواضح أن الملفات الأمنية التي تناولها الرئيسان لم يخرج منها شيء مفصل لأجهزة الإعلام. واكتفى الطرفان بالإدلاء بتصريحات عامة ومقتضبة حول هذه الملفات الثنائية والإقليمية، لكن مخرجات الزيارة النهائية تشير بوضوح إلى اتفاقات كبيرة بهذا الخصوص.
وكان موسفيني انخرط منذ وصوله يوم الثلاثاء مع البشير في المباحثات الثنائية التي عقدت في القصر الرئاسي بين الرئيسين بمشاركة الوزراء من البلدين، تناولت قضايا كثيرة لكن لم تظهر نتائج هذه المباحثات بالتفصيل، بل اكتفى الجانبان بالقول إنها كانت ناجحة، ولعل الملف الأمني أخذ جانبا أكبر من المباحثات، وفي هذا الإطار أوكلت مهمة هذا الملف لقادة أجهزة المخابرات في السودان واوغندا.
ويشير بعض المراقبين إلى إرتباط الزيارة بالضغوط الأخيرة التي مورست على فرقاء جنوب السودان وأجبرتهم على توقيع اتفاق سلام في الشهر الماضي، إضافة لما يتم التحضير له من جمع للفرقاء السودانيين وفقا للمتغيرات الدولية والإقليمية التي تصب في اتجاه جمع المعارضة السودانية- بشقيها المدني والعسكري- مع الحكومة على طاولة مفاوضات تنهي النزاع الذي خلق جوا من التوتر في المنطقة.
و رحب الرئيسان بالاتفاق الذي توصل إليه طرفا النزاع في دولة جنوب السودان وأكدا في البيان الختامي، الذي وقعه وزير الخارجية البروفيسور ابراهيم غندور وفليمون ماتيكي وزير الدولة للتعاون الإقليمي في الخارجية الاوغندية، حرصهما على بذل ما يمكن من جهود لمنع العودة إلى مربع الحرب في الجنوب مرة أخرى.
وركز البشير على الآثار المدمرة لهذه الحرب على السودان واوغندا حيث يعانيان من إفرازاتها وتبعاتها على شعبي البلدين.
وأشار البيان الختامي إلى أن الرئيسين البشير وموسفيني اتفقا على استثمار هذه الزيارة في فتح صفحة جديدة في العلاقات وتجاوز كل الصعاب والعقبات التي تلقي بظلالها على البلدين.
وتطرق إلى جلسة المباحثات الرسمية التي ضمت بجانب الرئيسين، كبار المسؤولين في البلدين وأعقبها إجتماع مغلق بين الرئيسين .
وأكد البيان أن البشير وموسفيني أبديا إستعدادهما للعمل جنبا إلى جنب عبر المنظمات الإقليمية، وخاصة تحت مظلة إيغاد والاتحاد الافريقي للحفاظ على السلم والأمن والاستقرار في المنطقة وفي دولة جنوب السودان على وجه التحديد.
وتضمن البيان اتفاق الرئيسين على عدة مرتكزات لتخفيف عبء ديون السودان واشتمل البيان الختامي للزيارة على دعوة الدول الأفريقية والمجتمع الدولي للعمل لإيجاد وسائل لتخفيف عبء ديون السودان والدول الأفريقية الأخرى ولم يخل البيان من الجانب المتعلق بالثقافة الأفريقية حيث تناول الرئيسان العديد من القضايا المتعلقة بالحفاظ على الهوية والثقافة الأفريقية.
ومهما يكن من أمر الجهة التي أسهمت في جلوس الرئيسين السوداني والاوغندي على طاولة المفاوضات والحوار المباشربينهما، فقد أثمرت هذه الزيارة وفتحت صفحة جديدة للعلاقات بين السودان واوغندا تؤسس لسلام مستدام وتطور قيم الجوار والمصالح المشتركة في كل دول المنطقة، خاصة دولة جنوب السودان التي تملك الدولتان مقومات استقرارها ومفاتيح زعزعتها.
صلاح الدين مصطفى