واشنطن ـ «القدس العربي»: لم تكترث إسرائيل بتاتا للموقف الدولي أو الأمريكي على وجه الخصوص بشأن اعتداءاتها المستمرة في القدس المحتلة، وهو على أي حال، موقف هزيل يقترب من الاهمال لا يتجاوز عبارات الإدانة المعلبة والتعليقات الروتينة الحريصة على عدم تصاعد التوتر.
لنتمعن قليلا في ردة الفعل الأمريكية الأخيرة على الاعتداءات الإسرائيلية في القدس حيث قالت وزارة الخارجية الأمريكية انها تشعر بقلق بالغ إزاء أعمال العنف الأخيرة وتصعيد التوتر وانها تدين بشدة جميع أعمال العنف كما قالت الحكومة الأمريكية انه من الأهمية بمكان على جميع الأطراف ضبط النفس والامتناع عن الأعمال الاستفزازية والخطابة، والحفاظ على الوضع الراهن التاريخي في الحرم الشريف قولا وممارسة.
وقد حرصت وزارة الخارجية في بيان هزيل على إرفاق مصطلح «جبل الهيكل» إلى جوار الحرم الشريف في خطوة تؤكد الإنحياز الأمريكي التلقائي للمزاعم الإسرائيلية الدينية والتاريخية والسياسية، وكما هو واضح، فقد استخدمت واشنطن عبارة «القلق العميق» في تكرار ممل تستخدمه الولايات المتحدة بشكل روتيني لانتقاد الإجراءات الإسرائيلية، والأهم من ذلك كله، ان جميع الإدانات تجاهلت بشكل صريح الإشارة إلى ان إسرائيل هي القوة المحتلة والمعتدية بل وصلت الامور إلى حد مطالبة جميع الأطراف بما في ذلك الطرف الفلسطيني بالامتناع عن الأعمال الاستفزازية والخطابة في لغة تحتال على الواقع.
وقد جاء هذا البيان بعد ان حذر العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني إسرائيل من ان أي استفزاز آخر من شأنه ان يلحق الضرر بالعلاقات بين البلدين، كما أدانت المملكة هجوم الجيش الإسرائيلي على المسجد الأقصى بعد اشتباك الشرطة الإسرائيلية مع المحتجين الفلسطينيين الذين اصروا رغم القمع على حماية ثالث أقدس موقع إسلامي، ولكن إسرائيل كالعادة ما زالت تختبر قدرتها على تجنب العقاب على الساحة الدولية.
ووفقا للبيت الأبيض فقد دعا جو بايدن نائب الرئيس الأمريكي خلال مكالمة هاتفية مع العاهل الأردني الذي أعرب عن قلقه مما يحدث في المسجد الأقصى، إلى ضرورة ممارسة ضبط النفس من جميع الأطراف والامتناع عن الأعمال الاستفزازية والتمسك بالوضع الراهن في الموقع المقدس كما دعت الإدارة الأمريكية بعد الحاح عربي إسرائيل إلى عــدم رفــع القيود عن زيارات اليهود الاستفزازية، وكما هو ملاحظ فان تعليقات بايدن لا تختلف قطعيا عن النسخة الروتينة لوزارة الخارجية مما يشير إلى عدم استعداد واشنـطن للتقدم خطوة إلى الأمام بعيدا عن الإدانة التقليدية.
وتجنب الخطاب الرسمي الأمريكي بشكل واضح التعليق على حقيقة محاولات الجماعات اليهودية بتشجيع من الحكومة الإسرائيلية على تحدي القيود المفروضة على الزيارات من أجل فرض واقع جديد، وهي قيود تشمل اعداد اليهود الذين يمكنهم الزيارة في ساعات معينة أو حقيقة تزايد أعدادهم بشكل مطرد في السنوات الأخيرة، ورغم نفي رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو المعروف بالخداع عن عدم وجود خطط لفرض واقع جديد إلا ان الحقائق تشير إلى ان هناك مخططات لتغيير الوضع الراهن.
ومن المستبعد ان يزعج الرئيس الأمريكي باراك أوباما ضيفه اللدود نتنياهو أثناء الزيارة المتوقعة للأخير إلى واشنطن في 9 تشرين الثاني/نوفمبر بالحديث عن التجاوزات الإسرائيلية في القدس المحتلة بطريقة تتجاوز البيانات الرسمية رغم قول جوش ارنست السكرتير الصحافي للبيت الأبيض بان أوباما يتطلع لمناقشة الخلافات بين الإسرائيليين والفلسطينيين و»حل الدولتيين» حيث ينصب اهتمام أوباما في الوقت الراهن على إجراء محادثات حول سبل المضي قدما بالاتفاق النووي مع إيران وتطهير العقبات في الكونغرس ناهيك عن تعهد الرئيس الأمريكي بإيجاد سبل لتعزيز الجيش الإسرائيلي ومنع أي جهود تبذلها إيران لتقويض إسرائيل إضافة إلى مواضيع الأمن القومي الإقليمي.
وسائل الإعلام الأمريكية بدورها تجاهلت بشكل مألوف الاعتداءات الإسرائيلية في القدس المحتلة، وعلى النقيض من ذلك، لاحظت «القدس العربي» في الآونة الأخيرة اعتماد المزيد من الصحف المحلية والوطنية الأمريكية على وكالة أنباء يهودية أمريكية هي وكالة «تلغراف» في تغطية الحدث مما يعني نقل الخبر بطريقة غير نزيهة تماما، فلا ذكر مثلا للحرم الشريف في الخبر بل جبل الهيكل. كما تناولت الصحافة الأمريكية القضية مع اتهامات مبطنة لجماعات فلسطينية بالتحريض على العنف مع تركيز حول قضايا جانبية مثل حملات المقاطعة الدولية للبضائع الإسرائيلية تحت عناوين مثل «بركان الكراهية».
الموقف الأمريكي، في الواقع، لا يختلف كثيرا عن الإهمال الدولي لقضية بهذه الخطورة، حيث أصدر الاتحاد الأوروبي بيانا هزيلا لا يشير البتة إلى مسؤولية إسرائيل الرئيسية عن الأزمة باعتبارها قوة محتلة ومعتدية على المقدسات الدينية. وفي لغة وديعة لا تليق بوحشية الممارسات الإسرائيلية، قال المتحدث الإعلامي للمفوضية الأوروبية في بروكسل ان العنف والتصعيد في المقدسات الدينية يشكل استفزازا وتحريضا مؤكدا على ضرورة إظهار احترام الهدوء وضبط النفس من جميع الأطراف للحفاظ على الوضع الراهن للأماكن المقدسة. أما منسق الأمم المتحدة لعملية السلام في الشرق الأوسط نيكولاي ملادينوف فقد حذر مجلس الأمن الدولي بالقول ان الأحداث الأخيرة قد تكون قادرة على اشعال العنف إلى ما وراء أسوار البلدة القديمة في القدس.
ووصف السفير الفلسطيني في الأمم المتحدة رياض منصور الوضع بانه خطير للغاية واتهم المتطرفين على الجانب الإسرائيلي بالسعي إلى فرض وجود يهودي في الموقع كما حذر من ان مثل هذه الخطوة قد تؤدي إلى مواجهة دينية سيكون لها تداعيات في جميع أنحاء الشرق الأوسط وخارجه.
هل ستذكر هذه الأحداث الولايات المتحدة بان السلام لن يعم الشرق الأوسط دون حل عادل للقضية الفلسطينية أو على الأقل إيقاظ عملية السلام من حالة الغيبوبة؟ الإجابة لا بالطبع، إنحياز الولايات المتحدة لجانب إسرائيل قاعدة أساسية في علاقاتها الخارجية واستراتيجيتها في الشرق الأوسط، وسلوك إدارة أوباما لن يختلف عن العهود السابقة، وعلى حد قول ارنست، العلاقات بين الولايات المتحدة وإسرائيل عميقة ودائمة والتعاون الأمني في الوقت الراهن غير مسبوق والمشاورات على قدم وساق لزيادة تعزيز أمن إسرائيل.
رائد صالحة