باريس ـ من مها حسن:
للمرة الثانية يسحرني خالد الصاوي، ثم سرعان ما يُحبطني.
المرة الأولى كانت في «خاتم سليمان» والثانية، للتو أغادرها من «الصعلوك».
ينجح خالد دائماً في أداء دور البطل الإيجابي، الطيب، النبيل، الذي يصارع قوى الشر. الصورة النمطية للبطل الذي عهدناه في القصص الشعبية والخرافية والأسطورية المتغلغلة في الأديان القديمة، قبل التوحيد وبعده.
الحكاية الشعبية التي ربما لا تزال تتسلل إلينا، نحن الجيل الناشئ بين الحداثة والأصالة، وصعوبة تطبيق قيم الأصالة على الحداثة، خاصة بنسختها العربية، إذ خذل معظم الأدب الحداثي الشعوب، وانحاز بدلا من الأصالة إلى الأصولية الذهنية، أي التعصب لوجهات نظر فردانية ونرجسية.
البطل الشعبي لا يزال يلعب دور المخلص النبيل، يداعب مشاعرنا ومخيلاتنا، طالما لم يطرح الأدب والفن والدراما أنماطاً مفاجئة لنموذج بطل إيجابي نبيل ومخلّص ولكنه حداثوي.
لهذا على الأغلب تحدث هذه الصدمة وأنت تشاهد خالد الصاوي، إذ يسحرك البناء الشعبي بداية، من وجه الطبيب في خاتم سليمان، المنتمي إلى الحارة، الجدع بالمصرية، والقبضاي بالشامية، الذي كلما أضعته وجدته في بيته الشعبي القديم، وسط أولاد الحارة، ثم الدرويش محروس خادم ضريح العدوي في مصر القديمة وكل ذلك السحر الشعبي الأخاذ الذي تطرحه قصص الأولياء والأضرحة، وانسحارنا ربما مجدداً نحن الجيل الذي وُلد في حضن الحداثة الغربية المتضاربة مع التراث الشعبي الشرقي، الذين كدنا نرضع سارتر وولسون ومفاهيم السريالية والضياع الوجودي والانهمام بالبحث عن الذات، وكل تلك الحقبة الأدبية التي أخذناها من أمنا الروحية أوروبا، وعاصمتها فرنسا، ونحن نلهث وراء الكتب المترجمة، في عز انتشار الوجودية والسريالية والدادائية والبوهيمية في بلادنا، بينما كانت البلاد المنتجة لهذه المدارس قد خرجت من المرحلة. وذلك الانزياح الزماني سببه طبعاً الترجمة، حيث فارق كبير بين زمن ترجمة الكتاب الذي يصلنا متأخراً، نحن أبناء ثقافة تلقّي الفكر المُترجم، فنعيش متأخرين عن تلك الحقبة…
المهم أننا وسط صراعنا الجمالي بين الموروث والرغبة في التعرف على عوالم أخرى، تأتي هذه الأعمال الدرامية التي تداعب قليلاً أجواء الأدب العربي الواقعي والمدرسة المحفوظية، فتشكل متعة خاصة لضحايا النوستالجيا الشعبية، جيلنا، جيل الستينيات والسبيعينيات، نموذجاً.
ألق البدايات
بدأ كل من مسلسل «خاتم سليمان» و«الصعلوك»، بداية ساحرة، متماهية مع الأسطورة والأدب الشعبي، عبر الخاتم الذي عثر عليه الطبيب سليمان، والذي حمل حكايته وسحره وأثره المحوّل للطبيب، وعبر ظهور الشيخ العدوي صاحب الكرامات في أحلام محروس ليدلّه على الطريق الأخيَر له. في الحالتين، كان مستند البطل الذي يجسده الصاوي، الأسطورة والمخيال الشعبي، ثم يبدأ الخلل في النصف الثاني من المسلسل.
يأتي السؤال المهم الآن كما نتصور: لماذا تنجح البداية ثم يتعثر العمل بعد منتصفه؟ غالبا عبر الدخول في أزمة مفتعلة لخلق التشويق، ثم نهايات محبطة، ترتهن لواقع ممل وباهت، منفصل تماماً عن البدايات المتماهية مع الإرث الجمالي؟ هل السبب في فقر الواقع في مدّ النص البصري، بإحالات وحلول جمالية؟ هل ثمة عجز عن فهم الواقع وتأويله جمالياً؟
موت البطل
يأتي العملان ببطل إيجابي، طبيب في الأول، ودرويش في الثاني، تجمعهما قيم المحبة والشهامة والأخلاق والعطاء والتضحية من أجل المجموع، ووهب الذات…الخ من هذه القيم المفقودة الآن على أرض الواقع. لكن البطل سرعان ما يتحول وفق وجهة نظر صناع العمل الدرامي، الذين يعتقدون أنهم يكملون مسيرة البطل الإيجابية، غير منتبهين إلى وقوعهم في الكليشيهات التقليدية، وفقدان البطل رونقه وهو يتحول إلى نجم يظهر في الإعلام.. لماذا يُعتقد أن نجاح البطل مرهون بشهرته وظهوره الإعلامي؟ لماذا تحوّل الدرويش الطيب الذي بالكاد ينجح في الحلقات الأولى من العمل، في لفظ جمل دقيقة وواضحة ومتماسكة، إلى نجم تلفزيوني يتحدث ببراعة ويجذب الجمهور؟ لماذا يُقسر الطيب التلقائي ليظهر بمظهر العارف الكلي بغتة، فيفقد بداهته ومعدنه الأساسي، بل ويعطي الدروس على أنه مالك المعرفة؟
هذا الهوس لدى الدراميين، والتشبث بالسلم الإعلامي، يعني أن النجاح مرهون بالشهرة، وأن القيمة الإيجابية للبطل، تتحدد في كمية معرفة الناس له، وهنا تدخل اللعبة التجارية في مسح البطل، من كونه هامشيا يعيش التجربة الغنية إلى وجه يشبه «البيست سيلر»، حيث لهاث الإعلام عليه. هذه النهاية غير القصدية لصناع العمل، لتحويل مسيرة الدرويش من بطل عارف مُلهم من دون أن يعرف، إلى نجم عارف متصنع وموزّع المعرفة، تعني الانحياز إلى قراءة سيئة ومحوّلة للواقع، بأن النجاح والبطولة، لم تعد في القيمة التي يحملها الشخص، بل في انتشار هذا الشخص، وهكذا لا تصبح المعرفة هي المهمة، بل الشخص الذي يحملها.
سقوط البطل
عبر مسيرة متدرجة متنقلة لصورة البطل في الأدب، من نموذج البطل الإيجابي التقليدي، إلى البطل السلبي الذي طرحه الأدب بعد الحروب خاصة، وانهيار القيم، ربما نستطيع أن نحوّل بقعة الضوء عن البطل الفرد إلى المجموع، حيث في ظل الثورات المعاصرة، وما يدعى بالربيع العربي، وبغض النظر دائما عن السجال حول المصطلح، فإن هذه الانقلابات الشاملة في دور الشعوب من متلقية وراضية إلى ثائرة ومتمردة ومتظاهرة، فإنه يمكن المجازفة بأن الشعب هو البطل اليوم، في الواقع العربي خاصة، الذي هو النواة المركزية في الحدث العالمي اليومي، السياسي والاجتماعي، حيث لم ينحصر أثر الاحتجاجات العربية في المنطقة بل تعداها إلى خلخلة أنظمة العالم عبر تدفق الهجرات وعبر تفاقم مشكلة التطرف الديني، الناجمة عن هذه الاحتجاجات والانقسامات في تعريفها وتحليلها، بين أسباب للفشل وبين كونها نتائج للفشل.
لكن الدراما العربية، لم تتمكن بعد من خلق نموذج إيجابي مقارب لهذا البطل، حتى بصورته السلبية المهزومة، المتحولة من قيم الأمل والإيمان بالنجاح إلى الفشل والهجرة، وتفاصيل كبيرة تحملها مسيرة البطل، إذ حاولت طرح نموذج هذا البطل، المتحوّل في مثالنا، من النموذج الشعبي، إلى نموذج العارف، الذي يحارب الفساد.
البطل يحارب الفساد، يخضع هنا لراهن سياسي متقلّب، حيث الفساد المُحاول فضحه، بل والمفضوح حسب نهايات المسلسلات عامة، والصعلوك خاصة، هو الفساد المترسب من الفئة السياسية السابقة، وهنا يتحول هذا البطل، الذي كان ملك الشعب ـ الحارة نموذجاً ـ إلى بطل يوظّفه الدراميون في خدمة الزعيم الآني.
يسقط الدراميون إذن، في بؤرة البطل الغبي؟ البطل المكرس من الإعلام، المرئي خاصة، هذا الإعلام الذي يصنع نجوما من دون قيمة على الأغلب.البطل العارف الذي يحارب الفساد، وينجح، فيطرح بطلاً سطحياً منجَزاً بعيداً عن صورة البطولة القديمة، حيث الفارس الدونكيشوتي مثلاً لا يزال يتابع مشروعه الإصلاحي في محاربة الشر. حين يتحول محروس الطيب، الساذج، المُلهم، إلى نجم يستعمل مصطلحات عدوانية مهنية يوبّخ لائميه ومنتقديه، فهو يتحول إلى بطل أحمق، يقلّص أداءه في تقديم الحكمة، بدلاً من عيشها والتشكيك بها. وهذا ليس بطلاً سلبياً حتى، بل قتل صورة البطل الإيجابي، والسلبي، لزجّها في كليشيه البطل السياسي، أو المسيّس.
قد يعود في نهاية المطاف، تأرجح النص الدرامي وهبوط مستواه إلى عدم القدرة بعد على قراءة الواقع المتغير من يوم لآخر في الآونة الأخيرة، وعدم تبلور المشهد بعد الثورات التي لم تتضح نتائجها تماماً بعد ولا يزال العالم العربي في ضبابية مستقبلية؟ وربما عدمية لسنوات مقبلة.
كاتبة سورية