بعد الاتفاق: «الاحتواء» إلى جانب الإنفاذ

حجم الخط
0

بتنا ظاهرا بعد الحسم في الصراع العنيد بين القدس وواشنطن في موضوع الاتفاق بين القوى العظمى والنظام الإيراني، إلا ان إسرائيل واصدقائها يمكنهم مع ذلك أن يسجلوا لانفسهم انجازا هاما: فخلافا لاتفاقات النووي والصواريخ مثلا بين الولايات المتحدة وروسيا، والتي يطلع عليها الجمهور الأمريكي والكونغرس في احيان بعيدة فقط، فان الاتفاق مع إيران يستوجب متابعة ورقابة مكثفتين ومستمرتين من جانب المحافل الدولية، ولا سيما الولايات المتحدة. وإذا امتنعت الادارة الحالية لاسبابها الخاصة عن ذلك، فيمكن الافتراض بان الكونغرس ووسائل الإعلام لن يتراخوا عنه بالتأكيد.
وسيكون الاختبار الحقيقي ليس فقط في تشخيص الخروقات الإيرانية، بل بالخطوات التي ستتخذها أمريكا والاسرة الدولية في هذا السياق، والريح الناشبة من جهة الادارة غير مشجعة من هذه الناحية.
في نظرة إلى الوراء من المهم أن نتذكر الجدال الذي دار في مسألة النووي الإيراني قبل بضع سنوات، حين اعلن الرئيس أوباما المرة تلو الاخرى عن ان الولايات المتحدة لن توافق باي حال من الاحوال على سياسة «الاحتواء» (containment)، أي التسليم العملي بالتحول النووي لإيران في ظل وضع وسائل الردع العسكرية والسياسية في وجه امكانية ان تستخدمه لأغراض عدوانية. وبتعبير آخر: محاولة الامساك بالجياد بعد أن تكون فرت من الاسطبل. كما صرح الرئيس في حينه بان هدفه الواحد والوحيد هو منع إيران من أي امكانية للوصول إلى القنبلة في أي وقت من الاوقات. ويثبت الواقع بان التصريحات آنفة الذكر تبخرت في الهواء، وعمليا تبنت «الخمسة زائد واحدة» سياسة الاحتواء التي عارضتها، زعما.
ومع ذلك، كما أسلفنا، فان الصراع في موضوع النووي الإيراني لم ينتهِ. بل العكس هو كفيل بان يحصل على زخم متجدد، وبالذات من جانب السناتورات واعضاء مجلس النواب الديمقراطيين الذين ايدوا الاتفاق، وبخاصة اولئك اليهود الذين يرغبون الان في ان يتذكرهم ناخبوهم ومؤيدوهم من خلال طرح مطالب متصلبة من الادارة بشأن انفاذ القيود والمحظورات التي فرضت على إيران في اطار الاتفاق، ولاجبارها على العمل على اغلاق الثقوب التي فيه في مواضيع مثل الإرهاب والنشاط التآمري في الشرق الاوسط، السايبر والصواريخ. كما أنهم سيذكرون الرئيس بالتزامه بمعاقبة طهران، بما في ذلك ابقاء العقوبات بل وربما تشديدها، على دورها في الإرهاب، على خرق حقوق الانسان في بلادها وعلى نشاطها في «ضعضعة الاستقرار في المنطقة».
خطوات اخرى يطرحها اعضاء الكونغرس آنفو الذكر هي في المجال الاقتصادي والمالي وتستهدف منع إيران، قدر الامكان، من استغلال قوتها الاقتصادية المتزايدة في اعقاب الاتفاق لتعظيم مكانتها المهيمنة في المنطقة. والاعلان الاخير للزعيم الاعلى خامينئي عن ابادة إسرائيل وبقاء أمريكا «العدو رقم واحد»، كفيل بان يزيد تصميم اعضاء الكونغرس الديمقراطيين وزملائهم الجمهوريين على البروز في شكهم من الاتفاق وخطوات الحكم في هذا الشأن.
إسرائيل، التي حسب أنباء في وسائل الإعلام ستشرع قريبا في مداولات امنية شاملة مع واشنطن حول التعاون المستقبلي بين الحليفتين، ستجري هي ايضا ميزانا اوليا: الانجازات والخسائر حيال تحسن قدرتها على مواجهة اختبارات المستقبل بما فيها تلك الناشئة عن الاتفاق موضع الخلاف.

إسرائيل اليوم 21/9/2015

زلمان شوفال

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية