يجلس ضيفان في استديو قناة التلفزيون الاكثر مشاهدة في القاهرة، ويدير النقاش يجلس فيما بينهما. واحد هو بروفيسور محترم في التاريخ، ماجد فرج، جاءوا به فقط كي يضربوه بالبث الحي والمباشر، بسببنا. والثاني، حمدي قنديل، صحافي قديم مرن الحياة المهنية وهو يعرف كيف بالضبط ينبغي خدمة مشغليه المتغيرين. موضوسع البحث: مكانة، دور وحق وجود، إذا كان لها مثل هذا، للسفارة الإسرائيلية في القاهرة. وللتذكير، فان إسرائيل ومصر موقعتان على اتفاق سلام منذ 36 سنة.
البروفيسور للتاريخ الذي زار قبل اربعة اشهر القدس وخرج متفاجئا ايجابا، يدافع عن إسرائيل بحماسة. وهو يصر على الدعوة إلى اقامة تعاون اقتصادي وتجاري يخدمان مصر. وبينما هو يتحدث، نسمع الضحك الشرير للضيف الثاني، ومدير الجلسة لا يفلح في ضبط النفس. هو الاخر يسخر من احلام البروفيسور. مرة في السنة ينهض المجنون الدوري في مصر ويدعو إلى منح السلام مضمونا ايجابيا. يجلسونه امام الكاميرات ويشوونه على سيخ اللحم.
غير أن هذه المرة، سمح رجل الإعلام قنديل لنفسه أن يسير شوطا بعيدا حين أعلن بان المقر الجديد هو الاخر لن يجدي السفارة الإسرائيلية نفعا. فهو الاخر سنهاجمه، مثلما فعل مئات الشبان المتحمسين قبل أربع سنوات. احذر، يوصيه مدير الندوة، انت تحرض. لا يهمني، يعلن الصحافي. أنا أعبر عما يفكر به ما لا يقل عن 80 مليون مواطن في مصر. ويكاد يكون في نفس اللحظة يدعو رئيس البرلمان الاردني إلى طرد السفير الإسرائيلي (ولعلمه، فهذا باتت سفيرة وليس سفيرا) وإعادة السفير الاردني من تل أبيب.
صور معقدة. هوة عميقة تفتح فاها بين قصور الحكام وأجهزة الأمن وبين التحريض منفلت العقال الذي يصعد من الشارع العربي. هؤلاء يعملون معنا بتعاون وثيق، واولئك جاهزون ومستعدون للانقضاض علينا. في الوضع الناشيء منذ «الربيع العربي» الذي خيب الامال، فان الحاكم ملزم بان يحس نبض الشارع ويهديء الجماهير. وفي ظل عدم وجود حلول اقتصادية، يسمحون للمحتشدين في الميادين بالتنفيس ضد نتنياهو، يعلون و«العدو الصهيوني». الحاكم، حتى في الدول التي لا توجد فيها لإسرائيل اتفاقات او علاقات علنية معها، سيعمل معنا باياد متشابكة من تحت الطاولة. لا يوجد تعليم للسلام، لا مجال للحديث عن التطبيع. عندما تكون مادة استخبارية حمراء واخطارات أمنية، تعرف المصالح.
انظروا ما حصل في حينا: الحكام يضعفون، الحدود تتشوش، الدول تتآكل امام منظمات الإرهاب. السعودية داخل اليمن، إيران تسترق إلى داخل العراق، الاكراد يسيطرون على مناطق واسعة في سوريا، ودون أن يتردد، يطلق الاردن طائرات قتالية إلى الدولة الاخذة في التقلص ومصر تدير مطاردات في داخل سيادتها المشتعلة في سيناء. الحدود بين ليبيا ومصر سائبة، السودان يحاول أن يعزو لنفسه مناطق لدى الجيران.
الإيرانيون يطلقون اياد طويلة نحو الخليج، سوريا، لبنان. جنود روس في داخل سوريا، والاسد يفضل أن يتمترس على طول قاطع الشاطيء بين طرطوس واللاذقية.
يوم الغفران ويوم السنة للحرب الفظيعة اياها هو زمن حساب النفس عندنا. في تشرين الاول 1973 خفنا من مناورة التضليل على ضفاف قناة السويس والتنسيق الوثيق مع سوريا الذي هدد بشطب دولة إسرائيل. الحروب هو موضوع عزيز للنفس، للممتلكات ولاستقرار كل حكم. الاسد الجيل الثاني لن يبقى بدون الروس، الإيرانيين وحزب الله. السيسي يدشن المشروع الطموح لقناة السويس التوأم. الإسلام الجهادي هو الكابوس الاخذ في الانتفاخ.
وهاكم العبث: رغم أننا لم نصعد إلى جدول أعمال داعش، ورغم أن الشارع العربي يبصق علينا من خلف انعدام الحدود، فان مصلحتنا هي الحفاظ على الحياد، وعدم اخذ جانب في الحروب الخطيرة التي دور فيه.
يديعوت 21/9/2015
سمدار بيري