دمشق ـ من عبد الوهاب عاصي: مثلت حادثة غرق الطفل السوري إيلان شنو، نقلة واضحة في سلوك المجتمع الدولي إزاء قضية اللاجئين السوريين؛ لما أحدثته وسائل الإعلام الغربية والعالمية من ضجة حيال ذلك في الأوساط الشعبية، الأمر الذي يعني أن المواقف الدولية جاءت نتيجة ضغوط مدنية وإعلامية، وقد يؤكد ذلك المسيرة التي نُظمت في لندن وشارك فيها ما يقارب 100000 متظاهر، تعاوناً مع الأزمة الإنسانية التي يتعرض لها اللاجئون السوريون.
لكن رحلات هجرة السوريين التي تتم غالبيتها عبر بحر إيجة التركي باتجاه الجزر اليونانية، أغرقت عشرات اللاجئين، من دون أن يتطرق العالم إلى اشتداد الأزمة الإنسانية من قبل، إذ أن رقم الوفيات غرقاً وصل وفقاً لمنظمة الهجرة الدولية إلى حوالي 2000 شخص منذ بداية عام 2015 حتى منتصفه.
وحينما عمّت مواقع التواصل الاجتماعي ووكالات الأنباء والصحف العربية صور الطفل الغريق أيلان، رافق ذلك انتشار لمجموعة من الأدبيات الشعرية التي وصفت حالات الغرق التي يتعرض لها السوريون:
يـا أيـهـا الـبـحـر لا تـبـكـي وتـبـكـيـنـا
وابـلـع دمـوعـك إن الـدمـع يـؤذيـنـا
مـتى سـتـعـرف أن الـموج مـوطـننـا
فـليـس مـن بـلـدٍ فـي الـبـرّ يأويـنـا
يا أيـهـا الـبـحـر لا تـبـكـي عـلـى شـعـبٍ
أبـكـى الـصـخـور ولـم يـبـكِ الـسـلاطـينا
كـل الـبـلاد بـوجـه الـضـيـف مـقـفـلـة
إلا الـسـمـاء أراهـا رحـبـت فـيـنـا
«القدس العربي» أجرت لقاءً مع الشاعر خالد القاسم، الذي كتب هذه الأبيات قبل حادثة غرق الطفل، حيث يخبرنا أن «الكثير من الأشخاص والشعراء قاموا بتبني هذه القصيدة ونشرها على صفحاتهم ومدوناتهم، لافتاً إلى أن النظام السوري بدوره استغل هذه الأبيات فقام بعرضها، وكذلك قام دريد لحام الفنان المؤيد للنظام بعرض الصور مدّعياً تباكيه وحزنه على الحادثة».
خالد القاسم استنكر ما قام به الكثير من الشعراء بادعاء كتابتهم لهذه القصيدة التي كتبها منذ تاريخ 24-4-2015، حينما غرقت سفينة صيد تقل 800 مهاجر، بينهم سوريون قبالة سواحل صقلية، وأعيد نشرها من خلال صفحته على «فيسبوك» حين غرق الطفل. كما استنكف الشاعر السوري ما وصفها بازدواجية المعايير عند الكثير في التعاطي مع الأحداث المأساوية، في إشارة منه إلى الأعداد المهولة من الذين يقتلون بأبشع الطرق، إن كان غرقاً أو قصفاً عبر براميل النظام أو ذبحاً على يد تنظيم «داعش».
وندد القاسم بقيام إعلام النظام السوري ومؤيديه وعلى رأسهم دريد لحام، بإستخدام القصيدة وعرضها بأسلوبه الرخيص الذي يكذب فيه على نفسه أولاً قبل متابعيه من السوريين، حيث أن الشاعر السوري أتبع الأبيات السابقة بأن أضاف إليها بيتاً جديداً يهجي فيه النظام الذي هو سبب هجرة غرق ومقتل مئات آلاف السوريين بقوله:
يا أيها البحر أغرقنا أبو جهل
وراح من شعرنا للناس يرثينا!
ومعتبراً أن دريد لحام أو غوار كما يُعرف، سرق القصيدة كي يوظفها في صنع دعاية إنسانية زائفة وهابطة لنفسه، هاجياً إياه أيضاً بقوله:
سرقوا القصيدة كي يقال إنهم
شعروا ولكن مثلهم لا يشــــعر!
وتساءل القاسم عن الذي صنعه العرب لإنهاء مأساة السوريين بعد حادثة الطفل الغريق إيلان الذي اعتبر رمزاً للمعاناة، وفي إجابة استهزاء ممزوجة بالغصة بعد استطراده بالحديث عن التغاضي العربي عن قضية لجوء السوريين قال: «هم صنعوا هاشتاغاً!»، لافتاً إلى منع التقييد الذي تفرضه هذه الدول على السوري من دخول لأراضيهم أو حتى الخروج، وأن أقصى ما قامت به هذه الدول من خطوات للحد من مشكلة اللاجئين بعد فاجعة الطفل هو:
نظر الأعراب
إلى صورة الطفل
باستغراب!
فقرروا أن يحققوا
في الفاجعة
ومعاقبة المجرم بأشد العذاب
فحكموا بالإعدام على البحر
بتهمة الإرهاب!
وكما استفسر عن دموع حكام العرب حين مقتل آلاف الأطفال السوريين عبر براميل الأسد، هاجياً إياهم بقوله:
وتداول الأعراب صورة طفلنا
يبكونها عن سائر الأرواح
إن كان ثمة ما يثير دموعكم
فالقتل يفرز دمعة التمساح!
وفي ختام حديثه مع «القدس العربي» أكد الشاعر السوري خالد القاسم على أن الشعر هو أداة يستطيع السوريون عبرها نقل معاناتهم إلى جميع شعوب العالم، مستدلاً على الأثر الذي أحدثه شاعر المقاومة الفلسطينية محمود درويش، وفي الوقت نفسه طالب القاسم بضرورة وجود طريقة لحماية الأشعار من السرقة واستخدامها أيضاً من قبل أشخاص لا يعرفون الإنسانية إطلاقاً.