اللجوء وفقدان الهوية القومية

حجم الخط
3

في ظل الهجرة الجماعية من البلاد التي تسيطر عليها الحروب والقتل والدمار، اضطر الناس إلى الهجرة واللجوء إلى بلدان أوروبا الأكثر أمانا تاركين بلدانهم وممتلكاتهم وقوميتهم.
القومية من أهم المشاعر الجماعية التاريخية التي تربط الإنسان بالجماعات، وتجعله يحبها ويفتخر بها ويعمل من أجلها ويضحي في سبيلها. وما أعنيه بالقومية هنا هو حب الأمة، والشعور بارتباط باطني نحوها. المشكلة أن للأمة تعريفات كثيرة، يحاول كل منها استخلاص فكرة الأمة، إما من أحاسيس الناس أو من ظواهر بيولوجية أو سياسية، أو من التاريخ الاجتماعي، بيد أن تعريفاً بعينه لا يتسيد الحياة، وهي المُختبر العلمي الحقيقي!
الاعتقاد بوحدة الأصل والشعور بالقرابة، والنشوء عليهما، سواء أكان ذلك موافقاً للحقيقة أم مخالفاً لها! فالأمم من وجهة نظري أشبه بالأنهر العظيمة! وكل نهر من الأنهر تجري فيه مياه من منابع ومصادر وروافد مختلفة. والأنهر الكبيرة تكون كثيرة المنابع وعديدة الروافد بوجه عام، وإذا بحثنا عن منبع نهر من الأنهر، فإنما نفعل ذلك بالنسبة إلى ما هو الغالب والأساسي، ولا أعني بذلك أن جميع مياه النهر تأتي من منبع واحد فعلاً!
واللغة هي أهم الروابط المعنوية التي تربط الفرد البشري بغيره من الناس. اللغة والتاريخ، هما العاملان الأصليان اللذان يؤثران أشد التأثير في التكوين لأنها أولاً، واسطة التفاهم بين الأفراد، ثم هي فضلاً عن ذلك، وعاء التفكير. وأخيراً، هي واسطة لنقل الأفكار والمكتسبات من الآباء إلى الأبناء، ومن الأجداد إلى الأحفاد! صفوة القول إن وحدة اللغة تُوجد نوعاً من الوحدة في التفكير وفي الشعور، وتربط الأفراد بسلسلة طويلة ومعقدة من الروابط الفكرية والعاطفية، وهذا ما نخافه الآن من تأثير الهجرة واللجوء بأعداد كبيرة إلى الغرب فهذا يعني فقدان اللغة من جيل كامل. أما التاريخ، فهو بمثابة شعور الأمة وذاكرتها، فكل أمة من الأمم تشعر بذاتها وتُكون شخصيتها بواسطة تاريخها الخاص. وليس المقصود التاريخ المدون في الكتب، بل التاريخ الحي في النفوس، الشائع في الأذهان، المُستولي على التقاليد! إن وحدة التاريخ تُولد تقارباً في العواطف والنزعات، إنها تؤدي إلى تماثل في ذكريات المفاخر السالفة وفي ذكريات المصائب الماضية، وإلى تشابه في أماني النهوض وآمال المستقبل.. ومن العوامل الأخرى التي تؤثر في تكوين الأمم وتميز بعضها عن بعض، عامل الدين! فهو تارة ينضم إلى تأثير اللغة والتاريخ فيقويهما، وتارة يُضعفهما! الدين يُولد نوعاً من الوحدة في شعور الأفراد الذين ينتمون إليه، ويثير في نفوسهم بعض العواطف والنزعات الخاصة التي تُؤثر في أعمالهم تأثيراً شديدا وتظل الرابطة الدينية وحدها غير كافية لتكوين الأمة، وهو رأي قاسٍ بعض الشيء! ومن هنا أرى أنه لا يتغلب عامل آخر على تأثير عاملي اللغة والتاريخ، في تكوين الأمة، سوى عامل الاتصال الجغرافي، لأن فقدان الاتصال الجغرافي قد يؤدي إلى بقاء أجزاء الأمة الواحدة منفصلاً بعضها عن بعض، رغم اتحادها في اللغة والتاريخ. إن ثمة علاقة وطيدة بين مفهوم القومية ـ المُشار إليه تواً ـ ومفهومي الوطنية والدولة! لهذا السبب يتقارب مفهوم الوطنية من مفهوم القومية تقارباً كبيراً، غير أننا إذا أردنا أن نُحيط علماً بماهية هذين المفهومين ـ الوطنية والقومية ـ إحاطة تامة، يجب علينا أن نلاحظ علاقة كل منهما بمفهوم ثالث مُهم، هو مفهوم الدولة. فالدولة في أكثر تعريفاتها شيوعاً هي»جماعة من البشر، يقيمون بصفة دائمة في أرض معينة، وتُسيطر عليهم هيئة منظمة، استقر الناس على تسميتها الحكومة». مفهوم الدولة، وكما نرى، يرتبط بمفهوم الوطن من جهة وبمفهوم الأمة من جهة أخرى، فيكون بذلك خطا واصلا بين هذين المفهومين. إن الأمة قد تؤلف دولة واحدة مستقلة، وهنا تنطبق الوطنية على القومية تمام الانطباق، ولا تختلف مطالبها عن مطالب القومية اختلافاً فعلياً. غير أن الأمة قد تؤلف دولاً عديدة، كل واحدة مُستقلة بنفسها. وهنا تُوجد كل دولة من هذه الدول وطنية خاصة بها، تسعى إلى تقويتها بكل قواها، بينما تكتفي القومية ـ في مثل هذه الحالات ـ ببناء فكرة وطن معنوي مثالي أوسع وأعظم وأعلى من الأوطان القائمة، تصبو نفوس القوميين في هذه الأوطان إلى تحقيقه وإخراجه من عالم الفكر والتمني إلى عالم الواقع. وقد تكون الأمة محرومة من دولة خاصة بها، وتابعة لدولة أجنبية عنها. وهنا يحدث نزاع وخصام بين الوطنية التى تفرضها الدولة الحاكمة وبين القومية. ولكن الأمة قد تكون محرومة من الاستقلال، وفي الوقت نفسه مُجزأة وموزعة بين عدة دول أجنبية عنها. القومية في تلك الأمة المُجزأة ستعارض ذلك معارضة شديدة، وتحمل جميع أفراد الأمة في جميع الدول الأجنبية عنها على مقاومة الوضع القائم، وتدعو من جهة للاستقلال عن جميع الدول الحاكمة، ومن جهة أخرى لتكوين دولة قومية جديدة، تجمع شتات الأمة المُجزأة تحت لواء واحد، على أرض وطن قومي واحد.
«إن العالم يعيش اليوم في جاهلية لا يخفف منها شيء، رغم كل التيسيرات المادية الهائلة، والإبداع المادي.. هذه الجاهلية تقوم على أساس الاعتداء على سلطان الله في الأرض، وعلى أخص خصائص الألوهية.. وهي الحاكمية.. إنها تسند الحاكمية إلى البشر، فتجعل بعضهم لبعضاً أرباباً، لا في الصورة البدائية الساذجة التي عرفتها الجاهلية الأولى، ولكن في صورة ادعاء حق ووضع التصورات والقيم، والشرائع والقوانين، والأنظمة والأوضاع، بمعزل عن منهج الله للحياة، وفي ما لم يأذن به الله.. فينشأ عن هذا الاعتداء على سلطان الله اعتداء على البشر.

٭ كاتبة سورية

فيحاء ستيتية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية