■ تاريخ انحطاط الدولة العربية، هو العلامة الفارقة في انحطاط البنيات المجاورة، بما فيها بنية المؤسسة والقانون والعلم والأدب، إذ يرتبط كل هذا بجنسانية الدولة التاريخية التي تحولت إلى حاكمية وإلى مقدس، وإلى مركز رعوي يملك الثروة والعنف والقانون، ويضع تلك البنيات المجاورة في السياق الاستعمالي القهري للسلطة، وبالتالي إضعاف المكونات الاجتماعية المدنية والنخب الثقافية (الأنتلجنيسيا) من أن تصطنع لها قوة رد أو صيانة لمشروعها الثقافي، كما أن مركزية الدولة التاريخية العصابية (بوصف ابن خلدون) أضعفت أيضا أي تحول سياسي وثقافي واقتصادي داخل بنيتها المغلقة، وعزلت نظام الدولة السياسي عن التاريخ والجماعات، وفرضت بالمقابل نوعا من التشييد الأسطوري للدولة، على طريقة الفيلسوف أرنست كاسيرر، وهي ما تعني رمزيا هيمنة أسطورة القوة والرعب والطاعة، واستحكام الماضي بالحاضر، وإفقاد الهوية القومية أي قوة أمام هوية السلطة ورهاب زيفها، بل عمدت هذه (الدولة) إلى خلق المزيد من الزيف، وعزل الجماعات عن تاريخهم وتطويعهم في النظام الحمائي الأسطوري المقدس لإعطائها الشرعية، ولإكساب وجودها المعنى الغائب.
تاريخ السلطة في العراق لا يفترق عن هذا، إذ كثيرا ما ارتبط بعصابية العرق والمركز والقوة العسكرية والتجارية وحتى الدينية، ولم تستطع دولة التأسيس عام 1921 أن تصطنع إطارا هوياتيا للدولة الجامعة، ولنظامها السياسي والتكويني، بل عمدت إلى سياسة الإدماج، وهو ما أشار إليه الملك فيصل الأول في رسالته المشهورة قبل رحيله عام 1933، كما أن الدولة الجمهورية لم تستطع أيضا تشييد الهيكل الديموغرافي للدولة الحقيقية، ولا إقامة نظام يحترم التراكم التاريخي للجماعات العراقية، بل وضعت الانقلابات العسكرية الدامية منذ عام 1958 الاجتماع العراقي أمام دورة للعصاب الأيديولوجي والعسكري والطائفي والقومي، والذي تفجرت كل أنساقه المضمرة بعد احتلال العراق عام 2003، إذ أعيد إنتاج مركزيات العصاب الطائفي والقومي بطريقة أكثر بشاعة ودموية، وكشف عن هشاشة الهوية الوطنيـــــة مقابل تضخم الحمائيات المرعبة للهويات الفرعية، فضلا عن تعرية التاريخ الزائف للنخب الثقافية العراقية التي عاشت أوهامها عبر أوهام الأيديولوجيا، والأحزاب الماركسية والقومية، مثلما عاشت رعبها وقسرها تحت رعب السلطة ومركزيتها الأيديولوجية والأمنية..
محنة الدولة… محنة المثقف
إزاء هذا المعطى الإشكالي لصورة الدولة الشوهاء، ولصورة المثقف الواهم، كيف ستبدو العلاقة بينهما؟ وما هي طبيعتها؟ وهل أن محنة الدولة هي حقا المسؤولة عن عطالة وجود المثقف النقدي بمعناه العضوي؟ وهل تحوّل هذا الغياب إلى محاولة لاصطناع صورة المثقف الصاخب والاحتجاجي والانفعالي؟
هذه الأسئلة ليست دافعا لتفكيك مفهوم (المثقف) على مستوى التوصيف أو الوظيفة، بقدر ما تعني المسؤولية عن تحديد أسباب غياب دور النخب الثقافية في التحولات الكبرى، وعجز المثقف عن أن يكون فاعلا وتنويريا، وجزءا من معطيات عملية التغيير التي ظلت جزءا من مراثي اليوتوبيا العراقية، وأحسب أن الغياب الثقافي المدني، هو الذي أعطى مبررا لحضور صارخ لأنواع من (الثقافات) التعويضية/ والإشباعية، التي يمكن أن يمارسها البعض باتجاه تغذية ثقافوية المركز السلطوي والعصابي والطائفي، وفرض السيطرة الإيهامية على البعض الآخر، وإعادة إنتاج مستمرة للسلطة العصابية ونصوصها بوصفهما محركات لنظرية السيطرة تلك..
حضور هذا النمط الثقافي بصورته الفقهية أو الإعلامية أو الأصولية العنفية – اليوم- يمثل أكثر العناصر تهديدا لمشروع الدولة المدنية، ولقيم الحداثة والتنوير والإصلاح، إذ يكون هذا (النمط) صانعا للإشاعة، وللعصاب، وللخطاب، ولجزء سري من صناعة وهم الهوية القاتلة، هوية الجماعة والفرقة والطائفة، وهو ما يعني الشك بكل قيم الحمولات المدنية والهوياتية للجماعات والمكونات الأخرى.
المثقف وأسئلة النقد
نقد الدولة/ السلطة والتاريخ هما المدخل لشرعنة وجود النقد الفاعل، ولإثارة أسئلته التي تخص مسؤوليات التأسيس، والمواجهة، لأن هذه المسؤولية تعني حيازة افتراضية للوعي والحرية والإرادة، مثلما تعني وضع المثقف في المجال الحيوي لمفهوم استعمالات الثقافة ولوظائفها الاجتماعية والإنسانية والتعليمية، أي أن يكون المثقف في السياق الإجرائي لفعل المواجهة، وممارسة حريته على أساس أنها إرادة وخيار وقوة للكشف والتغيير والبناء والتواصل، وعلى أساس أنها باعث لفعالية التفكير الحر إزاء ما يمكن أن تحدده السلطة أو الأيديولوجيا أو الجماعة القرابية والعصابية..
فهل مارس هذا المثقف مسؤوليته في المواجهة؟ وهل أن تاريخ الأنتلجنسيا العراقية يملك إرثا عميقا الحراك التاريخي للعراق السياسي والاجتماعي؟ وهل اصطنع هذا المثقف مجالا حيويا مؤثرا للخروج من معطفه العائلي والأيديولوجي والسلطوي والطائفي باتجاه التموضع في فضاء المواجهة والتفكير العلمي والفردية الوجودية الفاعلة؟
أحسب أن مراجعة تاريخ الأنتلجنسيا العراقية عبر هذه الأســــئلة سيضعنا فعلا إزاء الكثير من الشكوك، وأمام الكثير من الأوهــــام، لأن هذه الأنتلجنســــيا لم تصنع صورة واضحة للمثقف الفـــــرد، بل طالما ربطـــت هذا المثقف بالجماعة، أو المثقف بالأيديولوجيا والحزب والأمة، ولعل التفكيك المرعب الذي تعرضت له هذه الجماعات الثقافية والحزبية منذ عام 1963 انعكس بشكل سلبي على صورة هذا المثقف وعلى وظيفته وعلاقته بالمجتمع والأيديولوجيا والدولة، إذ بات معزولا، أو مسجونا أو منفيا، أو متعاليا، أو باحثا عن أمجاد ضالة..
أوهام المثقف العراقي لم تشبه أوهام مثقفي البير كامو، ولا وجوديات جان بول سارتر، لأن نموذجهما الثقافي كان يعيش الاغتراب الواعي، والإرادة التي سحبته من الأيديولوجيا إلى فعل أنوية الوجود الساحر والعميق، بينما المثقف العراقي الذي سحقته الانقلابات المرعبة والأيديولوجيات الضاغطة والحروب والاستبداد تحوّل إلى مثقف انهزامي، أو سلطوي، أو مثقف حزبي أو ديني بمزاج طائفي، وصورة المثقف العضوي ظلت صورة شاحبة ومعلّقة على الحائط الأيديولوجي المتعالي الذي تركته الماركسية اللينينية في فتوتها اليسارية، وبأبهتها الغرامشوية.
اليوم بات صورة المثقف أكثر مدعاة للبحث والانشغال بإعادة توصيف وظيفة الثقافي وسط مهيمنات أكثر رعبا، مهيمنات السلطة الوحشية ومهيمنات الحركات الجهادية ونزعات التكفير والغلو والعنف، وبملامح المثقف المضطرب والعالق بيوتوبيا الخلاص، فضلا عن الانشغال بمتاهة المهجر، إذ ترك لنا هذا المهجر مثقفا ضالا، مسكونا بالحنين السلبي، والكراهية السلبية، وحتى بالوطن الضد، والتعالي السلبي.
السؤال الأكثر مرارة هنا، والذي سيظل مفتوحا: كيف يمكن الحديث عن استعادة الثقافي إلى السياق الفاعل، وإلى مواجهة تاريخ الأوهام؟ وكيف يمكن لهذا المثقف- غير المسلكي- أن يرى الأشياء والظواهر بعيون أكثر اتساعا، وبوعي أكثر ثراء، لكي لا نعيد إنتاج مثقف الطوارئ، ومثقف الحرب ومثقف الحزب ومثقف الطائفة والملة؟
هذه الأسئلة قد تكون مدعاة لرؤية صورة أخرى للتحول الكبير، على مستوى النظر إلى السلطة، والنظر إلى المؤسسة التي تشبه السلطة كثيرا، وإلى الخطاب، لكنها أيضا مدعاة لأن يكون هذا المثقف فاعلا في تأصيل قيم أخرى أكثر فاعلية ومهنية للحداثة، بكل حمولاتها، وبكل رمزيتها وإجراءاتها، وحتى بقوتها على مستوى تأهيل المدينة السياسية/ الثقافية، وعلى مستوى البناء المدني للمجتمع، وتنشيط حركة البحث العلمي، وتعميق المعنى الحقوقي للحريات العامة والخاصة، بما فيها حرية المثقف الفرد المنتمي بوعي وإرادة إلى الحياة والمستقبل.
كاتب عراقي
علي حسن الفواز