الحيتان تتصالح مع الأسماك في تونس

■ «لمن تهدين أغنية البرنامج؟»… يسأل مذيع مطلع التسعينيات سيدة رفعت سماعة الهاتف لتتصل آخر الليل بمحطة الإذاعة الرسمية في تونس. على عكس التوقعات يأتي جوابها صادما ومربكا للسائل والمستمعين. أما السبب فببساطة، هو أنها قالت إنها تهدي الاغنية لزوجها المعتقل.
ما حصل في اعقاب ذلك الرد المفاجئ والمزلزل، أن المشرفين على المحطة وكرد فعل غريزي قطعوا البث لدقائق، قبل أن يعود مقدم البرنامج ليمرر مقطعا غنائيا قصيرا ويطلب بعد ذلك الاعتذار من المستمعين على ما وصفه بالحادث العابر. وبالطبع لم يكن هناك ما يستدعي شرحا أوتفسيرا لسبب قطع البث، أو حتى لمعنى اعتذار المذيع، لأنه وفقا للضوابط والمعايير المهنية الستالينية، التي وضعها النظام ارتكب القائمون على البرنامج ليلتها خطأ فادحا وفظيعا، كان جديرا أن يكلفهم لا الإبعاد من الإذاعة فحسب، بل حتى التتبع القضائي والجنائي بتهم الخيانة والتواطؤ مع اعداء الوطن.
أما السيدة التي فجرت قنبلة صوتية، ولحسن حظ النظام أنها حصلت في ساعة متأخرة من الليل، فقد كانت أخف التهم الجاهزة التي تنتظرها هي ترويج اشاعات واكاذيب من شأنها المس والاخلال بالامن والنظام العام، وهو ما كان يكفي وزيادة حتى تلحق بزوجها الذي ظل النظام يقول عنه وعن آلاف آخرين غيره، إنهم لم يكونوا معتقلين بل فقط مسجونين، وإنهم كانوا يقضون عقوبات عن جرائم ارتكبوها في حق الناس والدولة، لا لمجرد التعبيرعن رأي، أو موقف سياسي مثلما كان يردد الحاقدون على النظام وحساد الأمن والاستقرار التونسي النادر.
في تلك السنوات بدا عاديا وطبيعيا ألا يهتم أحد لما جرى تلك الليلة في الاذاعة الرسمية، وألا تسأل منظمات حقوق الانسان عن مصير السيدة وحال وظروف احتجاز زوجها، ولا تحتج أو تصدر نقابة الصحافيين التي لم تكن موجودة اصلا بيانا يندد بخرق الحقوق والمس بالحريات الصحافية ودوسها بالجزمة، فمجرد الحديث حتى همسا عن فضائح النظام وتجاوزاته لم يكن ليخطر على البال في عقود الرعب والصمت التي اطلت باكرا برأسها لتكشف وجه جنرال وعد التونسيين في الساعات الاولى لإزاحة خلفه ألا ظلم بعد اليوم، ولا رئاسة مدى الحياة ليفعل النقيض تماما. لقد بدأت أجيال باكملها على امتداد أكثر من عقدين من حكمه بالظهور على صورة نمطية واحدة لا مكان فيها مطلقا لأي فكر، أو عاطفة أو ضمير، وترسخ المال وحده كمحرك ومحور تدور في فلكه اهتمامات الناس وتطلعاتهم. كيف يمتلكونه بأقصر السبل وأقل جهد، وكيف يستحوذون على المزيد منه بشتى الطرق والأساليب، تلك كانت كل احلامهم وطموحاتهم في الحياة.
أما ما كان يجري داخل السجون، أو حتى في الشوارع وفيما تبقى من صحافة واحزاب وجمعيات، فهي كلها كانت شؤونا حصرية تعني الحكام وحدهم ولا شأن للجمهور بها، مادام النظام يرمي لمعظمهم بعض فتات القوت الذي يكفي حتى تظل اسماؤهم موجودة في سجلات الاحياء. لقد كانت الاصوات الحرة تخنق وتدفن بدون جلبة وبعيدا عن عدسات الإعلام، إما وراء القضبان، أو في المنافي البعيدة باسم الحرب المشروعة للنظام على الإرهاب. لكن خلف المشاهد الدعائية الجذابة لنسب الرفاه والنمو، ولما وصفها الرئيس الفرنسي الاسبق شيراك يوما بالمعجزة الاقتصادية التونسية، كانت تنمو دولة اخرى داخل الدولة وتتمدد اذرع الاخطبوط العائلي على كل ما تطاله من بشر وحجر، بعد أن جاوز شره النفوذ والسلطة كل تصور أو حد. تلك الدولة الخلفية التي كان يتقلب السادة الكبار في نعيمها ظلت تدار وفقا لمناطق النفوذ وبأسلوب تقاسم الغنائم وتوزيعها، بحسب موازين قوى النافذين. وقد وصف تقرير صدر عن البنك الدولي في مارس من العام الماضي تحت عنوان «الاستيلاء على تونس» بعضا من الأساليب والطرق التي مكنت عائلات مقربة من السلطة من الاستيلاء على اكثر من عشرين بالمئة مما حققه القطاع الخاص من ارباح، في اخر سنة قبل انهياره. أما ما لم يقله أي تقرير محلي أو أجنبي، فهو حجم وقيمة الثروات التي نهبتها تلك الشبكات العائلية، بتواطؤ وتشارك مع ديمقراطيات الغرب، التي استفاقت الان فقط من سباتها الطويل وصارت تتحدث عن دعمها لمسار الانتقال الديمقراطي في البلد. كيف يحصل ذلك الانتقال وبأي شكل وطريقة؟ عبر التوافق أجاب السياسيون، ومن خلال القبول بالعيش مع الحرس القديم تحت سقف واحد. ولعل الفرنسيين هنا كانوا صادقين لما نعتوا الانتفاضة التي هزت عرش النظام بثورة الياسمين. فلا محاكم ثورية ولا عمليات ملاحقة أو تتبع لرموز النظام، ولا شيء مما اخبرت به كتب التاريخ البعيد والمعاصر عما يحصل عادة في الثورات، بل أن العكس تماما هو الذي حدث بفسح المجال امام الاسماء والشخوص التي خدمت الاستبداد ومنحها الفرصة حتى تخلع ثيابها الملوثة بعرق البسطاء ودمائهم وتستبدلها في زمن قياسي بثياب اخرى تناسب العصر الديمقراطي وتطابق شروطه الشكلية والمعيارية. هل كان ذلك كافيا؟ بالقطع لا فقد اعتاد هؤلاء على الشره في كل شيء، كانوا شرهين في الاستبداد وظلوا شرهين في الديمقراطية. وما يعنيهم لم يكن ابدا مجرد البقاء، بل استمرار السيطرة، ولاجل ذلك فهم يحتاجون شعبا جاهلا، والأهم من ذلك فاقدا للذاكرة حتى يواصلوا حصد الارباح والمكاسب من وراء ظهره، ويستمر هو في انتظاره المر والطويل، لان تمطر السماء عليه ذهبا وفضة. ولانهم يقيسون كل شيء بالمال وحده فها هم عادوا الان ليقدموا عرضا جزافيا جديدا يقوم على مبدأ مقايضة آلام التونسيين ومحنهم ببعض الدولارات وسبائك الذهب والفضة، التي هربوها واخفوها في الداخل والخارج.
لقد اطلقوا على تلك المقايضة اسما براقا هو المصالحة المالية، بل زاد بعضهم واقترح أن تضاف إليه عبارة تنمية المناطق الداخلية لاستمالة البسطاء وكسبهم. وهم يقولون ويكررون باستمرار أمام الجمهور ألا جدوى على الاطلاق من حبس المجرمين، وأن الأولى والاهم من ذلك هو الانتفاع ببعض الاموال المسروقة التي استولوا عليها حتى تتحقق التنمية ويعم الرخاء.
بالمنطق ذاته تحول اللصوص في رمشة عين إلى شرفاء ومظلومين وكتبت صحيفة «الشروق» المحلية مثلا في عدد الاحد الماضي واصفة صهر الرئيس المخلوع بن علي، الذي رفض القضاء أن يفرج عنه بانه « رجل معروف لدى الجميع بقوة شخصيته وعناده وعدم استسلامه لأي ضغوطات بسهولة، وتاريخه يشهد على ذلك وهو من الاشخاص المعروفين برفض أي محاولات ابتزاز قد يتعرض لها، ويعتمد فقط على سلطة القضاء وسلطة القانون ايضا». أما فريق المحامين الذي تجند للدفاع عن الصهر المظلوم، فقد اعتبر في مؤتمر صحافي عقده قبل أيام أن موكله «رهينة ومحتجز في السجن» قبل أن يضيف أن «هناك عصابات وحيتانا كبيرة تتلاعب بملف الموكل ولا تريد له أن يحاكم محاكمة عادلة» وأنه، أي الصهر، ابدى استعدادا لإحالة عشرة مليارات من حسابه في سويسرا إلى الخزينة العامة لقاء حريته. وبالطبع لم يسأل أحد التونسيين عن رأيهم أو موقفهم من العرض، إن كانوا يقبلون المبلغ المسروق ويرون أن خروج صهر الرئيس المخلوع من سجنه الفاخر هو افضل الحلول الموجودة أم لا؟
أما السبب فهو واضح ولا يستحق التفصيل، فلا دخل لجمهور الاسماك الصغيرة في معارك الحيتان الضخمة، لأن الاخيرة هي التي تبدأ الحرب دائما، وهي التي تفرض الهدنة والصلح ايضا وفق شروطها. كان ذلك دوما هو منطق الاستبداد الذي فرض قطع بث الاذاعة الرسمية لمجرد أن امرأة قالت إن زوجها معتقل ويبقى ذلك اليوم ايضا منطق الديمقراطية التي سمحت للحيتان بان تلتهم الاسماك ثم تتصالح معها. وتلك واحدة من عجائب الديمقراطية التونسية التي لا تتوقف عن إبهار العالم بسرياليتها وغموضها وغشها وخداعها في الوقت نفسه.

٭ كاتب وصحافي من تونس

نزار بولحية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية