هل يتكفّل الاصطفاف الخماسي بحل الأزمة السورية؟

حجم الخط
3

يمكننا الآن، بعد الزيارة التي قام رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نيتانياهو إلى روسيا، رسم خريطة خماسية تتكون من بقايا الجهاز البيروقراطي والعسكري لنظام الأسد، روسيا، إيران، وحزب الله، إضافة إلى الفاعل الإسرائيلي الباحث عن ضمانات لأمنه الوطني، والى فاعل صلب يمكنه أن يوفر قنوات أكثر فاعلية للتعاون الاستخباراتي، ولم لا الميداني في المدى المتوسط أو البعيد في مقابل تنظيم داعش، والجماعات المعارضة المسلحة.
إذن، إن الأزمة في سوريا، لم تعصف بالبنية التحتية لسوريا، وبالشعب السوري فقط، بل عصفت حتى بتقاليد ونظم عقدية سياسية أضحت من المسلمات في الفكر السياسي العربي للقرن الواحد والعشرين، منها إمكانية حدوث تعاون امني كثيف بين عناصر حزب الله، مع المصالح الاستخباراتية والجيش الاسرائليين في سابقة الحديث عنها قبل خمس سنوات يعد ضربا من الجنون. كذلك الحال بالنسبة للجمهورية الإسلامية الإيرانية التي قد تجد نفسها – استراتيجيا- مرغمة على الارتماء في أحضان ابنة «الشيطان الأكبر» عقب صفقة الدب مع الدولة الإسرائيلية.
لقد وعى الداخل الإسرائيلي العجز الذي مني به التحالف الدولي لمواجهة «الإرهاب» في المنطقة، والانشغال الداخلي لبعض القوى الإقليمية في قضايا محلية أكثر إلحاحا ربما من الوضع في سوريا. فسارع نيتانياهو لبناء خطة أمنية متعلقة بسوريا، تكون هذه المرة مع فاعل صلب يمكن التعويل عليه لإبقاء الحدود مع سوريا مستقرة، وكذلك لتجنب أي احتكاكات غير مرغوب بها مع الوافد الروسي على ارض الميدان، والمثير في هذا الجانب، ليس المسارعة نحو روسيا، لأنه شيء جد عادي حين يتعلق الأمر بالأمن الإسرائيلي، بل تجاهل صناع القرار الاسرائليين لنظام بشار، وسعيهم للحوار مع بوتين في إشارة إستراتيجية ودبلوماسية إلى أن المؤسسة الأمنية في الداخل السوري أضحت غير قادرة على التحاور استراتيجيا واستخباراتيا مع جيش نظامي بحجم الجيش الإسرائيلي، وان الجيش الروسي في هذه الفترة بالذات هو القادر على تفهم الرؤية الأمنية الإسرائيلية للوضع في سوريا ولإمكانية تعرض امن إسرائيل للعطب.
ودخول إسرائيل كفاعل في الأزمة السورية، ولو عن بعد مؤقتا، بإمكانه زيادة الوضع داخل سوريا تأزما وانقساما، إذ انه ليس بالسر أن النخب داخل إسرائيل مازالت مؤمنة أن الصراع داخل سوريا هو صراع طوائف ومذاهب. فرئيس الحكومة الإسرائيلي السابق شمعون بيريز، في حوار له مع موقع «المصدر» أفاد صراحة أن «سوريا هي خطأ استعماري. لقد اخذوا العلويين والسنة والشيعة، ووضعوا الجميع معا. وعندما انتهى عهد الإمبراطورية بدأوا بالشجار. لقد تفككت سوريا لأنه تم تكوينها مسبقا بشكل غير صحيح».
يحمل هذا التصريح فكرة شديدة الخطورة، إذ انه لو عكسنا منطق كلام بيريز لتوصلنا إلى نتيجة مفادها انه ما كان يجب أن يوضع الثلاثي السني، الشيعي، العلوي في غطاء دولاتي واحد، بل كان من الصحة، أن تكون سوريا مجموعة من الدويلات المبنية على الطائفة تفاديا لأي صراع أو «تشاجر» بينها، في إلغاء ضمني لمفهوم المواطنة والدولة الحديثة، أو ربما الاستخفاف بقدرة الدولة العربية في هندسة ولاءات وطنية تتجاوز الطائفة والدين والمذهب.
إذن حتى في 2015، ما زالت النخب الإسرائيلية مؤمنة بعدم جدوى الدولة العربية، وان الحل هو التقسيمات الجيوسياسية طبقا لمتغير الدين. والمسلم بهذا المبدأ في المنطقة العربية سينتهي بنتيجة مفادها دولة لكل كيلومتر مربع من منطلق الفسيفساء الطائفية والدينية في العالم العربي.
والجدير بالقول إن بيريز -صاحب مركز بيريز للسلام – غير قادر على الإتيان بنفس الحكم في ما يخص النظام الإسرائيلي. فهو ينكر إمكانية بناء المواطنة السليمة في سوريا، ويثبتها في المجتمع الاسرئيلي المتكون من يهود ومسيحيين ومسلمين وبهائيين ودروز وغير ذلك من المعتقدات.
والتعمق في موقف شمعون بيريز، الذي غادر الحياة السياسية الرسمية في إسرائيل، يستقي أهميته من اعتباره مغذ للرأي الرسمي الإسرائيلي، إذ ان الرئيس بوتين استقبله في موسكو شهر يونيو / حزيران الماضي، أي قبل استقبال رئيس الوزراء نيتانياهو.
والمتعمق في هذا الاصطفاف الخماسي، يظهر له جليا، انه ليس مبنيا على إجماع صلب، أو تبلور رؤية مشتركة لحل الأزمة السورية. فنتانياهو ركب طائرته متوجها إلى روسيا من منطلق خوف لديه من ان تتحول الحدود السورية الاسرائيلية إلى منصة لحزب الله المدعم من طرف ايران والاسد لضرب الداخل الاسرائيلي بالصوراريخ. وقد تلقى نيتانياهو جوابا مفاده ان معطيات الواقع لا تتيح للداخل السوري اي امكانية لفتح جبهات ضد اسرائيل.
المثير للدهشة هنا، هو بروز سيناريو غاية في الغرابة، وهو احتمال بروز تعاون بين ايران واسرائيل من جهة، وحزب الله واسرائيل من جهة اخرى، اذ انه يكفي ان يقدم الثلاثة معا (بشار وحزب الله وايران) ضمانا بعدم المساس بالامن الوطني الاسرائلي لتنقلب مشاعر العداوة إلى مشاعر صداقة، وشراكة في سبيل مكافحة الارهاب، ليفتح هذا المجال امام عبور اسلحة اسرائيلية، وموارد استخباراتية إلى الداخل السوري، ومنه إلى قوى حزب الله.
قد لا يتحقق هذا السيناريو. لكن احتمالية حدوثه تبقى مرتفعة خاصة في ظل اصطفاف القوى الثلاثة الايرانية، السورية وحزب الله تحت قيادة اكثر احترافية كالقيادة الروسية.
لكن، لو نعود إلى السؤال المحوري لهذا المقال: هل وجود هذه الفواعل الخمسة كفيل بانهاء الازمة السورية؟ أم انه سيفتح ابوابا اخرى، ويخلق شرعيات وذرائع غاية في القوة لتفاقم الوضع؟ وهل هذا الاصطفاف قادر عل خلق عناوين كالتدخل الروسي الصهيوني الشيعي، والاستعمار، والتحرر؟
الواضح ان المستفيد الاكبر سياسيا من الوضع الراهن هما المعارضة و»تنظيم الدولة الاسلامية» (داعش). فالمعارضة السورية ستقدم نفسها ربما كجماعة سياسية تحررية من التدخل الاجنبي الاسرائيلي والروسي والايراني، بالاضافة إلى حزب الله. وستعمل على تمرير فكرة ان النظام تهاوى، واستبدل نفسه بقوى اخرى ستعمل على تقسيم المجال السوري، واستعمارالدولة السورية.
اما في ما يخص تنظيم داعش فسيطلق حملة تعبئة واسعة لنصرة الاسلام السني من خطر التحالف اليهودي الصهيوني – الشيعي، واستخراج مصطلحات من درج الحرب الباردة كالشيوعية الملحدة وغير ذلك.
كما ان النظام السوري في حد ذاته سيخسر بعض المتعاطفين معه من الانظمة العربية بمجرد تحول ارضه إلى ميدان للجيش الروسي، كالنظام الجزائري ربما، الذي يبدي حساسية مفرطة تجاه الحلول والتدخلات الاجنبية. وحتى الداخل السوري المتعاطف مع النظام سيبدأ في اعادة حساباته، وتجديد قيمه بمجرد البدء بملامسة واقع وجود قوى اجنبية في الداخل السوري.
لكن، في ظل وجود فواعل ظاهرة تقف إلى جانب النظام السوري ميدانيا، هل ستظهر فواعل تدعم المعارضة التي قد تجد نفسها بين مطرقة الاصطفاف الخماسي وسندان داعش؟
في الوقت الراهن الإجابة، هي ان المعارضة السورية ستجد نفسها وحيدة امام تعاظم قوة النظام عسكريا. فتركيا مشغولة بالداخل المتوتر سياسيا وعسكريا. والخليج ملتفت إلى الملف اليمني. ومصر حتما ستوفر امن اسرائيل من جهة سيناء. والمغرب العربي تقتصر ادواره على الادوار السياسية والدبلوماسية او على السكوت. اوروبا تريد حلا يحتوى الاسد.و امريكا تتراجع ببطء لترتب امورها واولوياتها مع ميل إلى الحل السياسي غير المكلف.
الواضح انه، في مدى ابعد قليلا، سنجد انفسنا امام ثلاثة احتمالات:
الأول : نجاح روسيا وإسرائيل في تحييد الصراع لصالح بشار الاسد.. ومن هنا ازالة المعارضة القديمة واستبدالها بمعارضة رشيدة حسب تعبير موسكو. فيكون الاصلاح من جوهر النظام في جو من الزبانية، فيخرج النظام وكأنه المخلص، مع امكانية تكريسه ونخبه لعشرات السنين مستقبلا.
الثاني: سيظهر دعم جدي للمعارضة سوريا، يولد معه ضغطا على روسيا وايران وحزب الله لترك النظام يسقط لصالح المعارضة، ويكون الاصلاح من صناعة المعارضة ومن دون بشار الاسد.
الثالث: سيسعى المجتمع الدولي – خوفا من انتقال الصراع إلى مستويات اكثر خطرا يمس امن العلاقات بين الاتحاد الاوروبي وروسيا من جهة والولايات المتحدة من جهة اخرى – إلى وضع كل من النظام والمعارضة حول نفس الطاولة.. اي صناعة حل توافقي يكون الاسد جزءا منه، والمعارضة كبديل يزكيها انتخاب الداخل السوري لها.
والاهم في حال حدوث اي احتمال، هو الأخذ بعين الاعتبار مسألة العدالة الانتقالية الذكية الضامنة لعدم انفجار الداخل السوري من جديد.

بلقاسم القطعة – باحث جزائري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية