إيران بين عجزها عن فرض الرقابة على 7000 مؤسسة مالية غير شرعية والتضحية بالعملة الوطنية لسد عجز الموازنة

حجم الخط
0

لندن ـ «القدس العربي»:سجل سعر صرف الدولار في السوق الحر الإيراني أرقاماً قياسية خلال الأسبوعين الأخيرين وتجاوز 35 ألف ريال مقابل الدولار الواحد لأول مرة منذ بدء فترة حكومة حسن روحاني. وفي هذه الأثناء وفي وقت تعاني فيه الحكومة الإيرانية من ضغوط كبيرة بسبب قلة المصادر المالية، أعلنت أنه سيتم زيادة السعر الحكومي لصرف الدولار الناتج عن الإيرادات النفطية بنسبة 9 في المئة، ليصل السعر الحكومي لصرف الدولار الأمريكي من 28 ألف و500 إلى 31 ألف ريال إيراني. وما يفسر ذلك وضع نهاية لوعود الحكومات المتتالية في إيران منذ أكثر من عقدين لتوحيد سعر الصرف للعملات الصعبة.
وانتقد بعض الخبراء الاقتصاديين الإيرانيين سياسة حكومة حسن روحاني لزيادة السعر الحكومي لصرف الدولار، واعتبروها أسلوباً خاطئاً لسد عجز الموازنة العامة، وأن الحكومة اعتمدت هذه السياسة بسبب يأسها بشأن التحسن السريع لوضع اقتصاد البلاد. وفي واقع الأمر، تواصل إدارة روحاني سياسة «التضحية بالعملة الوطنية لسد عجز الميزانية» بدلاً من التركيز على النمو الاقتصادي وزيادة الإنتاج، التي اعتمدتها الحكومات السابقة بشكل رفع السعر الحكومي لصرف العملات الأجنبية، فضلاً على طبع النقود والاقتراض من البنك المركزي. ووضعت هذه السياسة لسد عجز الميزانية ضغطاً هائلاً على الطبقات المتوسطة والضعيفة اقتصادياً خلال العقدين الماضيين، بحيث أظهرت إحصائيات البنك المركزي الإيراني أن متوسط الاستهلاك السنوي من المواد الغذائية انخفض بنسبة 30 في المئة خلال السنوات الـ10 الماضية لدى الإيرانيين، بسبب تفشي الفقر.
ومن جانب آخر، يعتبر منتقدو النظام الإيراني أن الكمية الهائلة للفساد الاقتصادي والتمويل الكبير الإيراني على مشاريعه الطموحة والجماعات الموالية له وحلفائه في المنطقة تشكل الجزء الأكبر من عجز موازنة البلاد. وخلال العام الأخير كشف الإعلام إيراني عن ملفات كبيرة للفساد الاقتصادي للمسؤولين الإيرانيين وبأرقام قياسية عالمياً، حيث كان مبلغ إحدى هذه الملفات يقارب 10 مليارات دولار. ووجهت وسائل الإعلام الإيرانية ومنها وكالة «إسنا» للأنباء انتقادات حادة للبنك المركزي الإيراني بسبب عجزه لفرض الرقابة على أكثر من 7000 مؤسسة مالية غير شرعية. وحسب الموقع الرسمي للبنك المركزي الإيراني فقط 4 من هذه المؤسسات تمتلك الترخيص للعمل وتخضع لمراقبة البنك نفسه. وكشف نائب رئيس البنك المركزي الإيراني لشؤون الرقابة، حميد طهران فر، أنه فقط 2 من 7000 مؤسسة مالية موجودة في إيران حصلت على الترخيص القانوني حتى نهاية عام 2014. وهذه المؤسسات المالية غير الشرعية تدعم من قبل مراكز القوة والحرس الثوري، ولها حصة كبيرة في الفساد الاقتصادي المتفشي في البلاد.
وطرحت منظمة الإدارة والتخطيط الإيرانية ثلاثة سيناريوهات لسعر النفط في الموازنة العامة المقبلة أي 42 أو 45 أو 50 دولارا لكل برميل، ونظراً لزيادة 9 في المئة في السعر الحكومي لصرف الدولارات النفطية، ستربح الحكومة الإيرانية ما يقارب 680 ألف مليار ريال إيراني أي 22 مليار دولار أمريكي، لسد عجز الميزانية، ما يفضي بالمزيد من الإنهيارات في العملة الإيرانية ووضع ضغط أكبر على المواطنين. ويتحكم البنك المركزي الإيراني بشكل غير مباشر على السوق الحر للعملات في إيران من خلال مجموعة من الشركات الخاصة ذات صلة بجهات حكومية وكمية ضخ العملات الصعبة من قبل البنك في السوق. ومن هذا المشهد، تعتبر القفزة الأخيرة في سعر صرف الدولار في السوق الحر الإيراني، «تمهيدا مدبّرا» لزيادة السعر الحكومي لصرف العملات الأجنبية في الموازنة العامة للعام المقبل.
وانتقد المتحدث باسم لجنة التخطيط والميزانية في مجلس النواب الإيراني، فلام رضا كاتب، قرار الحكومة الأخير بشأن رفع سعر صرف العملات الصعبة، وقال إنه يجب على الحكومة أن تخفض سعر صرف الدولار لتقوية العملة الوطنية وتطبيق سياسة توحيد سعر صرف العملات الأجنبية في البلاد. بينما سيتم الإفراج عن ما يقارب 150 مليار دولار من الأرصدة الإيرانية المجمدة في البنوك الخارجية بعد تنفيذ الاتفاق النووي بين إيران ودول مجموعة 5+1، ومن المفروض ان يسبب إدخال هذه الكمية الكبيرة من الأموال في تخفيض سعر صرف العملات الأجنبية في البلاد. لكن الحكومة الإيرانية تسعى لتعويض انخفاض إيراداتها النفطية بسبب هبوط السعر العالمي للنفط من خلال زيادة سعر صرف الدولارات النفطية، فضلاً على سد عجز ميزانيتها.
ويقدر الخبراء الاقتصاديون الإيرانيون أن الزيادة في سعر صرف الدولار هذه ستسبب بزيادة سعر السيارات بنسبة 20 في المئة في أدنى تقديرات، فضلاً على تأثيراتها الأكبر على باقي القطاعات الاقتصادية للبلاد.
وواصلت العملة الإيرانية خسارتها مقابل العملات العالمية منذ ثورة عام 1979 بشكل مستمر، وعلى الرغم من الارتفاع التاريخي في أسعار النفط خلال السنوات الماضية وإيرادات إيران الهائلة من تصدير النفط خلال السنوات الـ10 الماضية التي حسب الإحصائيات الرسمية تجاوزت مجموع الإيرادات النفطية منذ اكتشاف النفط، لكن الريال الإيراني تكبد خسائر فادحة خلال فترة 2005 إلى 2015، بحيث سقطت قيمة العملة الإيرانية مقابل الدولار الأمريكي بنسبة 400 في المئة خلال هذه الفترة، وكانت 350 في المئة من هذه الخسارة الهائلة خلال السنوات الـ5 الماضية فقط. واحتل الريال الإيراني المرتبة الـ8 بين أضعف عملات العالم عام 2005، وسقط إلى المرتبة الـ3 عالمياً في عام 2010.
وحسب تحليل الخبراء وبعض المسؤولين الإيرانيين، يمكن اختصار الأسباب الرئيسية للسقوط المدوي لقيمة العملة الإيرانية على عوامل مثل التضخم السنوي العالي بنسبة 20 إلى 25 في المئة، وحجم الفساد الاقتصادي الكبيرفي البلد، والسياسات الخاطئة وعدم الانتظام بين المؤسسات الاقتصادية والحكومة في إدارة اقتصاد البلد، وركود قطاع الإنتاج، وارتفاع حجم السيولة النقدية، والعقوبات الغربية على بنوك إيران.

محمد المذحجي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية