عززت روسيا من حجم قواتها المسلحة في سوريا بشكل ملحوظ خلال الشهور الأخيرة. وهذه العملية تدخل في إطار المحافظة على النظام الحليف القائم حاليا في دمشق، لكنها جزء من استراتيجية عسكرية شاملة لموسكو لتعزيز تواجدها في مختلف مناطق العالم ومنها البحر الأبيض المتوسط للرد على الانتشار الأمريكي الذي يحاصرها. وفي الوقت ذاته، ترجمة فعلية وعملية لهدف روسيا من أجل عالم متعدد الأقطاب. إذ بدون انتشار عسكري من الصعب الحديث عن عالم متعدد الأقطاب.
والعلاقات بين موسكو ودمشق تاريخية على مستوى التعاون العسكري والتنسيق السياسي. وتعتبر سوريا من الدول القليلة في العالم الحليفة الحقيقية للكرملين منذ عقود، حيث لم تتأثر العلاقة نهائيا بالتطورات الدولية ومنها تفكك الاتحاد السوفييتي ونهاية الحرب الباردة. ويمكن تسمية سوريا بـ «كوبا» العالم العربي ليس بسبب حكم الحزب الواحد بل بسبب الحفاظ على العلاقات مع موسكو رغم التغييرات التي شهدها العالم.
ونتيجة هذا الوفاء، بقيت روسيا محافظة على دعم النظام الحاكم في دمشق أكثر بكثير من شخص الرئيس بشار الأسد لأن سوريا توفر لروسيا القاعدة العسكرية الوحيدة المطلة على البحر الأبيض المتوسط، قاعدة طرطوس. بينما باقي دول المنطقة وإن عززت علاقاتها مع الكرملين فهي لن تقدم تسهيلات هامة للجيش الروسي في انتشاره في العالم، وذلك لتفادي المشاكل مع الولايات المتحدة.
وتزامنت الأزمة السورية واحتمالات سقوط نظام بشار الأسد مع استمرار الولايات المتحدة في مخططاتها العسكرية الرامية لتحجيم الدور الروسي، وذلك على مستويين، الأول وهو برنامج الذرع الصاروخي المتمثل في نصب صواريخ في سفن راسية في مناطق محددة وقواعد برية قادرة على اعتراض الصواريخ المعادية، وهذه القواعد كلها في أوروبا تستهدف المنظومة الصاروخية الروسية عكس الادعاءات باستهداف صواريخ إيران وكوريا الشمالية. بينما المستوى الثاني هو تحويل الولايات المتحدة جزءا كبيرا من اهتمامها المستقبلي نحو المحيط الهادي لمحاصرة النفوذ الصيني ومعه الروسي بحكم أن هذه المنطقة مرشحة لتتحول لأكبر منطقة تجارية في العالم.
وخلال السنوات الماضية، كانت روسيا مترددة في الرد على التحدي الأمريكي واقتصرت على تصريحات نارية ولكن بدون عمل ملموس في الميدان باستثناء في أزمة جيورجيا. وانشغل الرئيس فلاديمير بوتين بترتيب البيت الداخلي وأرجأ مواجهة الغرب بل مفضلا في الكثير من الأحيان الحوار حتى لا يتم إنهاك روسيا اقتصاديا وتنهار كما انهار الاتحاد السوفييتي. لكن الأحداث تسارعت وعلى رأسها رغبة الغرب في الإطاحة بنظام بشار الأسد، الحليف التقليدي لموسكو. ثم امتداد وجود البنتاغون إلى الحدود الروسية عبر بوابة أوكرانيا بعدما كان قد نفذ السيناريو نفسه في أوروبا الشرقية بعد انهيار سور برلين، وأخيرا نقل عدد هام من حاملات الطائرات إلى منطقة المحيط الهادي الذي يعتبر المستقبل التجاري للعالم. وأكدت وثيقة صادرة عن البنتاغون خلال شهر تموز/يوليو الماضي أن كل هذه التحركات ترمي إلى مواجهة روسيا والدول التي لا تحترم القوانين الدولية.
وأمام هذا الوضع، لا يمكن لروسيا التي ترغب في استعادة دورها أن تبقى مكتوفة الأيدي. وبدورها، تنهج استراتيجيىة الانتشار العسكري منذ سنوات ولكنها كثفت منها خلال الشهور الأخيرة وتتجلى فيما يلي:
– تعزيز القوات العسكرية في سوريا لمنع سقوط بشار الأسد، وهو قرار يعود للصيف الماضي وبدأت في تطبيقه منذ آب/أغسطس. ونقل الكرملين إلى هذا البلد 28 طائرة مقاتلة من الطراز المتفوق وطائرات بدون طيار ودبابات ومصفحات وجنود، يجهل عددهم، وبينهم بدون شك كوماندوهات متدربة على العمليات الخاصة لاستهداف انتقائي لكوادر تنظيم الدولة. ومن شأن هذا الدعم العسكري منح تفوق ميداني للجيش السوري في مواجهة تنظيم الدولة وبالتالي تقليص تحرك هذه الحركة المتطرفة في الأراضي السورية. ولن يكون مفاجئا اي تراجع لتنظيم الدولة وتقدم للجيش السوري. ولا يمكن استبعاد أن يمتد مخطط ضرب هذه الحركة إلى العراق في حالة الاتفاق بين موسكو وبغداد.
– الرفع من تواجد الأسطول الروسي في منطقة البحر الأبيض المتوسط ومضيق جبل طارق. ضمن تطبيق الدرع الصاروخي، نشر البنتاغون في مياه قاعدة روسيا العسكرية في اسبانيا وعند المدخل الغربي لمضيق جبل طارق السفن التي تدخل ضمن «الدرع الصاروخي». وردت روسيا برسو سفن وغواصات بشكل دائم عند مدخلي مضيق جبل طارق. بل امتد الأمر إلى مناورات روسية- صينية خلال ايار/مايو الماضي في المنطقة نفسها. وتجري البحرية الروسية مناورات جديدة هذه الأيام شرق البحر المتوسط، ونقلت عددا من سفنها الحربية التي كانت في البحر الأسود إلى البحر المتوسط.
– محاولة التواجد العسكري في منطقة أمريكا اللاتينية، حيث زار وزير الدفاع الروسي سيرجي شووغو فنزويلا وكوبا ونيكاراغوا خلال شباط/فبراير الماضي لدراسة التعاون العسكري على مستوى تقديم تسهيلات للأسطول الروسي.
ويكتب الخبير ألكسي فيننكو من معهد الدراسات الأمنية الدولية في موسكو «تواجدت الولايات المتحدة عسكريا في بعض الجمهوريات المنحلة عن الاتحاد السوفييتي، فمن الأحسن أن نرد نحن الروس بتواجدنا في أمريكا اللاتينية». وتعمل روسيا على تعزيز تواجدها في أمريكا منذ سنوات، الأمر الذي دفع الولايات المتحدة إلى إعادة العمل بالأسطول الرابع الذي لم يعمل منذ بداية الخمسينيات بحكم أن أمريكا اللاتينية كانت حديقة خلفية لواشنطن ولكنها لم تعد منذ سنوات.
– التنسيق المتين مع البحرية الصينية في المحط الهندي لمحاصرة النفوذ العسكري الأمريكي- الياباني. وتعالج المجلة الرقمية المتميزة في الدراسات الاستراتيجية «ذي دبلومات» بشكل دوري سباق النفوذ العسكري في المحيط الهادي بين روسيا والصين في مواجهة مخططات البنتاغون.
العقيدة الروسية الجديدة تقوم على اعتبار الحلف الأطلسي العدو الأول كما تقوم على حماية الحلفاء التاريخيين، وهنا يجب فهم التحرك الروسي العسكري في سوريا، لا يقتصر فقط على دعم بشار الأسد بل يدخل ضمن استراتيجية انتشار دولية، ويبقى الملف السوري رفقة الاوكراني العنوان البارز حتى الآن لهذه الاستراتيجية.
د.حسين مجدوبي