تدخل بوتين في سوريا… سليماني !

حجم الخط
8

ليست «إخفاقاته» على الأرض هي التي «عزلته» عن الملف السوري الذي تسلمه منذ إندلاع «الأزمة السورية»، فقائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني اللواء قاسم سليماني الذي لا ينازعه أحد في قربه من المرشد الإيراني آية الله علي خامنئي، ظل قريباً من هذا الملف بحكم مسؤوليته الجديدة عن «ملف القدس» والصراع مع «النظام الصهيوني» وهي الترجمة الحرفية لـ»ريجيم صهوينيستى»، وهي وظيفته الحالية التي تجعله في خضم ما يجري في سوريا وما حولها.
في الشهور الأخيرة من عهد الملك الراحل عبد الله بن عبد العزيز، اتخذت إيران قرارا بحل خلافاتها مع المملكة العربية السعودية، والتعاون معها لحل أزمات المنطقة الراهنة: في العراق ولبنان والبحرين وسوريا، وكانت البداية لاعادة الدفء إلى العلاقات العراقية السعودية، وحل أزمة الفراغ السياسي في لبنان، وإحياء الوفاق في البحرين تمهيداً لإنهاء الصراع الدموي في سوريا.
وعقد سليماني لقاءات سرية مع الأمير بندر بن سلطان الذي كان يمثل الملك عبد الله، بعضها تم في جزيرة «كيش» بحضور مسؤول أمني خليجي بارز وتم الاتفاق حينها على عدم التجديد لرئيس الوزراء العراقي السابق نوري المالكي الذي كانت السعودية تتحفظ عليه، وترفض تطبيع علاقاتها مع العراق في عهده.
وكان يُفترض أن ترد الرياض بايجابية على تأثير الجمهورية الإسلامية «الايجابي» في العراق، للمضي قُدما في التعاون نحو إزالة التوتر في علاقاتهما، وتحويل الصراع بينهما على النفوذ إلى تعاون لحل أزمة الفراغ الرئاسي في لبنان والانطلاق منه نحو البحرين وتدشين نوع جديد من الأداء الدبلوماسي في الاقليم بين الرياض وطهران، خصوصاً وأن المرشد خامنئي كان «حوَّل» ملفي سوريا والعراق من سليماني إلى الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي اللواء علي شمخاني «التميمي» وتحت إشراف رئيس المجلس، الرئيس حسن روحاني.
ومنذ منع المالكي من تسلم ولاية ثالثة في العراق، وقد تم ذلك بزيارة لافتة قام بها إلى بغداد والنجف، انحصرت مهمة سليماني بتنسيق الجهد العسكري في سوريا والعراق، فيما بات هامش المناورة السياسي للملفين بيد شمخاني، وبالتالي بيد الرئيس»المعتدل» حسن روحاني، وكلاهما يؤمنان بالحلول الوسط، ويُقران بدور سعودي في حل أزمات المنطقة!.
وبعد وفاة الملك عبد الله، وتدهور العلاقات بين الرياض وطهران أكثر من أي وقت مضى، إنتصرت كما يبدو – حتى الآن – إرادة الأعضاء المتشددين داخل المجلس الأعلى للأمن القومي، وهم القيادات العسكرية البارزة، وعاد سليماني ليقوم بدوره السابق في سوريا والعراق بشكل خاص، لكن دون ضجيج خصوصاً وأن صورته على تخوم تكريت وهو يشرب الشاي، أثارت باتجاه سلبي، خصوم إيران ومنافسيها الاقليميين، رغم أنها كشفت أن الوجود العسكري الإيراني في العراق يجري تحت مرآى الأمريكيين، بل وبالتنسيق معهم في الكثير من الأحيان وذلك عبر الحكومة العراقية.

الكتمان

بدا واضحاً أن المبادرة الإيرانية لحل الأزمة السورية التي قدمتها إيران بعد نجاح «الصفقة النووية» الكبرى، تحفظت عليها سوريا، وأيضاً كان لروسيا رأي فيها برغم أنها قبلتها، خصوصاً في الفقرة الأخيرة التي لم تشر صراحة إلى دور الرئيس السوري بشار، وتردد حينها، من تسريبات خاصة، أن إيران الرئيس روحاني «المعتدلة» لم تصر على بقاء الأسد، كما لم تقترح رحيله كمرحلة أخيرة من الحل الذي يفترض به أن يحصل في سنوات، ما أثار حفيظة الحرس الثوري واللواء قاسم سليماني بوجه خاص، الذي يعتبر ـ ومن فوقه خامنئي ـ أن بشار خط أحمر في أي تسوية سياسية.
وتردد أن سليماني زار موسكو مرتين مبعوثاً عن المرشد خامنئي لبحث تدخل روسي مباشر في الأزمة السورية تحت غطاء الحرب على الإرهاب وتنظيم الدولة على وجه الخصوص، ونفت موسكو الزيارتين، ليس لأنها لا تريد أن تظهر وكأنها غير مكترثة بقرارات مجلس الأمن ولا تقيم وزناً للقرارات الدولية نظراً لوضع سليماني على لائحة العقوبات الدولية، بل لأن سليماني نفسه نصح بابقاء زياراته سرية على قاعدة «واستعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان».
وأثناء زيارة وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف لموسكو، لبحث تلك المبادرة، نفى صحة الأنباء التي تحدثت حينها عن زيارة سليماني لموسكو. كما أن الرئيس الإيراني حسن روحاني بدوره وصف تلك الأنباء بالدعاية الأمريكية المغرضة. وقال ظريف حينها: «شاهدنا خلال الفترة الأخيرة نشاطات دعائية مغرضة من الجانب الأمريكي بهذا الخصوص، واعتقد أن هذا بسبب الأوضاع السياسية الداخلية وما يشهده الكونغرس من خلافات حول الملف النووي الإيراني». أما موسكو فانها وإن نفت رسمياً الزيارة، غير انها سربت عبر مقربين من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، أن زيارة سليماني لها، إن حصلت، لا تتعارض مع القرارات الدولية، من واقع أن «الصفقة النووية» التي شاركت هي في الوصول لها، تقضي برفع هذه العقوبات خصوصاً على الشخصيات المدرجة مثل قاسم سليماني، ولو بعد حين أي بعد تدشين «الاتفاق النووي»!.
ولوحظ في هذا السياق أن موقعاً الكترونياً روسياً دافع عن الزيارة الأولى التي قيل إنها تمت في تموز/يوليو، وبشدة، وقال الموقع «إذا كانت الأنباء التي تم تناقلها خلال الفترة الماضية صحيحة عن زيارة سليماني لموسكو فهي بهدف إقناع القادة الروس بضرورة تسليح نظام بشار الأسد والجيش العراقي».
وجاء في الموقع: «لو فرضا قبلنا بحقيقة أن سليماني قام بهذه الزيارة السرية، ما سبب هذا الكم من الإرباك في الجانب الأمريكي حول هذه الزيارة؟».
وأضاف الموقع: «إن السبب الرئيسي وراء الإنزعاج الامريكي من زيارة قاسم سليماني هو أن الأخير تمكن من إفشال مخططات أمريكا وحلفائها في تقسيم المنطقة. وهم يخشون بأن يتمكن خلال لــقـائه بالـقــادة الــروس أن ينقل تجاربه في مـكــافـحـة الإرهــاب في المنطقة، وقد يخشون من نقل معلومات تتعلق بتحركات الدول الغربية في المنطقة للجانب الروسي».
ويكشف الموقع أيضا: «يحتاج كل من النظام السوري والجيش العراقي في الوقت الحالي لتسلح خاص ومختلف نوعا ما، وقد امتنعت الولايات المتحدة في الفترة الأخيرة من تزويد الجيش العراقي بها ومنعت كذلك وصوله للجيش النظامي السوري. ومن المحتمل أنهم يخشون من أن سليماني يتمكن من إقناع الروس بضرورة تسليح الجيش السوري والعراقي حتى يتمكوا من إغلاق ملف الإرهاب في المنطقة».
وتجدر الإشارة أيضا أن وكالة «فاكس نيوز» قالت في أب/أغسطس الماضي بأن قاسم سليماني زار موسكو في تموز/يوليو الماضي والتقى بكل من الرئيس الروسي بوتين ووزير دفاعه.

تحالف رباعي

تدرك موسكو أن الولايات المتحدة ليست جدية في محاربة تنظيم الدولة وعموم الإرهاب في المنطقة، برغم أن «الصفقة النووية الكبرى» مع إيران يجب أن تفتح الباب على مصراعيه للحرب على التنظيم وعموم الإرهاب بمشاركة فاعلة من إيران. وحتى لو لم يقم سليماني بزيارة إلى موسكو فان قنوات الاتصال بين موسكو وطهران العسكرية والسياسية حول سوريا لم تنقطع يوماً، ولهذا فهي تلقفت المبادرة الإيرانية بضرورة التدخل المباشر على الأرض في سوريا والعراق أيضاً لمحاربة الإرهاب، لكي تُحرج واشنطن وتكشف نواياها للرأي العام: أما أن تكون واشطن مع تنظيم الدولة والإرهاب، ولا فرق بينها وبين التنظيمات الإرهابية الأخرى مثل جبهة النصرة، أو أن تتعاون مع روسيا وتترك لها ولإيران العمل مباشرة لكنس التنظيمات الإرهابية من سوريا، وكذلك من العراق.
وتنقل مصادر مطلعة أن موسكو مقتنعة تماماً أن إيران بواسطة قاسم سليماني، هي من تدير فعلياً القوى التي تقاتل تنظيم الدولة وجبهة النصرة وغيرهما في سوريا «ولكي تتواجد على الأرض فلابد من التعاون المباشر مع سليماني، فله خبرة طويلة في سوريا».
وفي الاتصالات السرية والعلنية بين واشنطن وموسكو، وبعضها حضرته سلطنة عمان وساهمت فيه، كان وزير الخارجية الأمريكي جون كيري قلقا حيال زيارة سليماني، إلا أن نظيره الروسي سرغي لافروف نفى صحة هذه الأنباء، وعرض في الوقت نفسه عليه فكرة أن تتولى روسيا مع تحالف يضم إيران وسوريا والعراق وأيضا حزب الله، إنهاء تنظيم الدولة في سوريا والعراق في فترة زمنية قياسية. وتسرب أيضاً أن واشنطن أبلغت موسكو أنها مستعدة لمناقشة تنسيق هذه الهجمات على تنظيم «داعش»وباقي التنظيمات الارهابية، مع موسكو في سوريا والعراق، ولم تعارض فكرة تحالف جديد تنضم له هذه الدول مع حزب الله، من واقع أن الحل في سوريا لن ينجح قبل القضاء على هذه التنظيمات، وهذا لن يتم من دون مشاركة سوريا.

تعاون ثنائي

وبالفعل ..يجري في طهران تنسيق عالي المستوى بين رئيس «معتدل» محسوب على الاصلاحيين أكثر مما هو أصلاً في خانة المحافظين، والحرس الثوري حول جميع الملفات الخارجية خصوصاً سوريا والعراق، عشية الانتخابات التشريعية وانتخابات مجلس الخبراء المصيرية، وأوفدت طهران حسين أمير عبداللهيان، نائب وزير الخارجية، إلى موسكو لمتابعة «مبادرة سليماني» حول تكثيف موسكو تواجدها على الأرض في سوريا والحرب على تنظيم الدولة وعموم الإرهاب، وأعلن عبد اللهيان في موسكو الثلاثاء «أن موسكو وطهران ستفعلان كل ما هو ممكن للمساعدة في حل الأزمة السورية» وأن «طهران وموسكو تعتزمان استخدام كل الإمكانات والاحتمالات لمساعدة سوريا على الخروج من هذه الأزمة». وشدد بشكل لافت على أن بشار الأسد «سيكون جزءاً من الحل السياسي في سوريا، في إطار أي مبادرة»، وهذا يعكس بالضبط أن تدخل روسيا في سوريا ليس إلا مبادرة إيرانية، وهو تدخل لا يمكنه أن يخرج عن سياق التواجد الإيراني الفاعل ..على الأرض بقيادة قاسم سليماني!.

نجاح محمد علي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية