ماذا يعني دخول الروس للحرب الأهلية السورية؟ وما هي أهداف الرئيس فلاديمير بوتين من إرسال ما يقرب من 2.000 جندي روسي، مقاتلات ومعدات عسكرية متقدمة؟ هل يرغب الرئيس الروسي بتعزيز نفوذه العسكري في الشرق الأوسط، حماية نظام الأسد من التداعي أم قتال تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام؟
لا تزال الخطوة الروسية في سوريا محلا للتحليل وتثير مخاوف حلفاء المعارضة السورية والولايات المتحدة الأمريكية خاصة أنها ستضع ضغوطا على الرئيس الأمريكي باراك أوباما للإنخراط بشكل أعمق في الأزمة السورية ولأنها تعطي أعداء الرئيس الأمريكي فرصة للحديث عن فشل سياسته في سوريا. ويحمل التورط الروسي الكثير من المخاطر وقد يؤدي لتورط طويل الأمد في حرب طاحنة لم يعد أي طرف فيها قادر على تحقيق النصر الحاسم.
تغير اللعبة
ومن هنا فقد تغير الخطوة الروسية قواعد اللعبة في سوريا أو ربما زادتها سوءا. وعليه يعتبر التدخل الروسي من أهم التطورات على الحرب التي بدأت كانتفاضة سلمية تطالب بالحرية والعدالة ثم دخلت مرحلتها العسكرية وأصبحت سوريا محلا لصراع الإرادات بين داعمي النظام السوري لبشار الأسد- إيران وروسيا، وداعمي تغيير النظام وهم السعوديون والأتراك وحلفاؤهم. وأدت سنوات الحرب الطويلة لتقسيم سوريا إلى دويلات أصبح فيها نظام الأسد مجرد لاعب واحد من عدة لاعبين على الساحة، فهناك الأكراد وتنظيم الدولة الإسلامية وجبهة النصرة (القاعدة) وجماعات المعارضة السورية الإسلامية وغير الإسلامية. ومع أن النظام السوري يسيطر على ربع البلاد إلا أن غالبية سكان سوريا الذين لم يرحلوا يعيشون فيها. وعانى النظام منذ بداية العام خسائر فادحة أدت لخروجه من إدلب وجسر الشغور وأريحا وتدمر وتراجعه مستمر وهو ما دعا الرئيس الأسد للإعتراف بالخسارة. وأثر حرب الإستنزاف الطويلة واضح على جيشه الذي تناقص عدده من 250.000 إلى 125.0000 جندي، بشكل جعل النظام يعتمد أكثر على قوات الدفاع الشعبي وميليشيا حزب الله والميليشيات الشيعية (من العراق وأفغانستان والباكستان) التي تقاتل في صفوفه. ورغم احتكار النظام للأجواء السورية واستمراره في رمي البراميل المتفجرة إلا أنه لم يكن قادرا على وقف تقدم المعارضة السورية التي وإن عانت ضعفا وتشرذما إلا أن قاعدتها الشعبية السنية الكارهة لنظام الطائفة العلوية منع من هزيمتها. ولم يكن التفوق العسكري الجوي أيضا فعالا في تقديم الدعم التكتيكي للقوات البرية السورية بقدر ما بدت فاعليته بتدمير البنى التحتية وترويع المدنيين وبالتالي خلق موجات من اللاجئين باتوا يدقون أبواب أوروبا. ومن هنا فالمساعدة العسكرية الروسية تأتي في الوقت المناسب حيث يعاني النظام من حالة ضعف معنوي ومادي.
حياة جديدة للنظام؟
ولهذا السبب فالحشود العسكرية التي أرسلتها روسيا من قوات ودبابات وعدد من المقاتلات العسكرية والمروحية المقاتلة «كي إي- 52» وطائرات استطلاع دون طيار وأجهزة إشارات قد تعطي نظام الأسد تقدما في عدد من المحاور العسكرية، خاصة ان الحشد العسكري الروسي مستمر في اللاذقية وطرطوس. وقد يسهم الطيران الروسي المتقدم في وقف تقدم المعارضة في سهل الغاب وكذا تنظيم الدولة في دير الزور ومناطق تدمر، وربما وفر الطيران الحماية لممرات نقل الإمدادات الباقية للنظام. ويرى إميل هوكاييم أن «دخول روسيا قد يغير معالم اللعبة العسكرية على بعض الجبهات» و «لكن هل سيعطي الأسد الفرصة لاستعادة السلطة الكاملة؟ لا». وقد يطيل التدخل الروسي أمد الحرب من خلاله منح حياة جديدة للأسد.
الحرب على الإرهاب
وفي الوقت نفسه يحاول بوتين تحسين علاقاته مع الغرب بعد ضمه القرم واحتلاله شرق أوكرانيا والطريق الوحيد لتطبيع العلاقات هي الظهور بمظهر الشريك الحقيقي للغرب في الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية. وعليه فقد أطر بوتين حشوده العسكرية عبر منظور محاربة الإرهاب الإسلامي وتحدث عن هدف تعزيز الحكومة السورية «الشرعية» وتصحيح أخطاء السياسة الأمريكية «الصبيانية» وحماية المسيحيين الأرثوذكس في سوريا. وهناك دافع آخر يتعلق بالمتطوعين المسلمين من القوقاز الذين تقدر المخابرات الروسية عددهم بحوالي 1.700 مقاتل. ولا ريب فالتدخل الروسي ترك الولايات المتحدة والدول الغربية في حالة من الضعف. فالجرأة التي تميز بها بوتين تتناقض بشدة مع الجهود الغربية المترددة في دعم المعارضة المعادية لنظام الأسد يضاف إلى هذا الفشل الواضح في برنامج البنتاغون لتدريب المعارضة السورية والذي لم يؤد إلا لتخريج عدد محدود من المقاتلين معظمهم سلموا سلاحهم لجماعات موالية للقاعدة أو أصبحوا أسرى أو انشقوا. ويضاف إلى هذا فشل التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة ضد تنظيم الدولة الذي لا يزال قويا رغم عام من الغارات الجوية على مواقعه في العراق وسوريا. وما ساعد بوتين في استراتيجيته للتدخل في سوريا هو حالة الإحباط في الغرب من المعارضة ومن سوريا بشكل عام حيث أصبحت مصدرا للاجئين. وترى مجلة «إيكونوميست» (26/9/2015) أن تمسك الروس بالنظام السوري كانت وراء تخفيف عدد من الدول لهجتها من الأسد وهذا ما ورد في تصريحات جون كيري، وتعليقات عدد من المعلقين الذين طالبوا بالتركيز على «العملية السياسية» في سوريا وليس الأسد (جدعون رتشمان/ فايننشال تايمز 22/9/2015) و (كون غولين، ديلي تلغراف- 23/9/2015). ورحب دبلوماسيون أوروبيون، مثل وزير الخارجية الألماني فرانك وولتر شتاينميير بالخطوة الروسية. وأعربت إسرائيل التي ظلت قلقة من التحركات الإيرانية في سوريا عن استعدادها للتعاون مع بوتين وتوصلت معه لبروتوكول تعاون يمنع التصادم بين قواتها والقوات الروسية، وذلك أثناء زيارة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو لموسكو يوم 21/9/2015.
موقف المعارضة
وبعيدا عن الترحيب الدولي فدخول الروس اللعبة العسكرية سيؤثر على المعارضة السورية التي ستعاني من آثارها. كل هذا في ظل تحولات داخل المعارضة نفسها التي أجرت مفاوضات مع الإيرانيين في الزبداني وإدلب وقامت 29 جماعة معارضة بتوقيع اتفاق في بداية هذا الشهر يدعم خطة الأمم المتحدة لإنشاء مجموعات عمل تبحث عن طرق لإنهاء الحرب. وتعتقد «إيكونوميست» أن بوتين قد يلعب دورا إيجابيا إن قام بالضغط على الأسد للتفاوض بدلا من تعزيز قواه. ويمكن للدول الغربية لعب دور بناء آخر بدلا من ترك بوتين يملأ الفراغ من خلال الضغط لوقف البراميل المتفجرة. وينبع الخطر حال قررت روسيا تأكيد الخيار العسكري مما يورطها في حرب طويلة. وفي المحصلة تهدف السياسة الروسية في سوريا إلى الحفاظ على الوضع القائم في دمشق بشكل لا يمنع من سقوط الأسد وتكرار المشهد الليبي حيث تشهد البلاد حالة من الفوضى العارمة (فايننشال تايمز- 24/9/2015). والإبقاء على الأسد لمدة حتى يجد الكرملين بديلا عنه (نيويورك تايمز 22/9/2015). وتهدف روسيا من عمليتها إلى حماية نفوذها في البلاد والمنفذ البحري الوحيد لها على البحر المتوسط أي القاعدة في طرطوس. كما أن التحرك العسكري هو جزء من محاولة لتعزيز الوجود الروسي في البحار الدافئة. ومن هنا فسقوط القاعدة البحرية في طرطوس سيكون خسارة لبوتين الذي أعلن العام الماضي عن توسيع الأسطول البحري الروسي في البحر الأسود. والأهم من كل هذا فدعم نظام الأسد، بعيدا عن العلاقات التاريخية بين البلدين منذ الحرب الباردة يتناسب مع طموح موسكو لتعزيز موقع روسيا في العالم كقوة عظمى تنافس الغرب (فورين بوليسي، 16/9/2015)، وهناك من يرى في الإندفاع الروسي نحو دمشق محاولة للحد من النفوذ الإيراني هناك (الغارديان- 23/9/2015). وما يهم بوتين في المرحلة الحالية هو تحييد الولايات المتحدة وهو ما دعا الجنرال ديفيد بترايوس، مدير المخابرات الأمريكية السابق للتعليق على النشاط الروسي الأخير بأنه دليل ضعف الجهود الأمريكية والحاجة لبذل المزيد من ناحية تحقيق مناطق آمنة في شمال سوريا ومنع البراميل المتفجرة. وعلق أمام لجنة القوات المسلحة بالقول إن الحشد الروسي «ما هو إلا تذكير بأنه عندما لا تبادر الولايات المتحدة يقوم الآخرون بملء الفراغ بطريقة تضر بمصالحنا».
حليف
وهو ما أعطى الرئيس الروسي الفرصة ليس لتأكيد حضوره بل ومن موضعة نفسه كحليف قوي في محاربة الإرهاب. وتترقب الإدارة الأمريكية الخطاب الذي سيلقيه بوتين يوم 28/9/2015 أمام الأمم المتحدة والذي سيعلن فيه عن خطة «دولية» وتحالف جديد لمحاربة تنظيم الدولة يدخل فيه حليفاه الأسد وإيران. ويرى مدير مركز كارنيغي ـ موسكو ديمتري ترينين إن «بوتين يريد أن ينتهز مبادرة العلاقات العامة/السياسية من أجل إرجاع الموجة في سوريا/ العراق لصالحه ويريد أن ينسى الغرب موضوع أوكرانيا». وفي هذا السياق تشير صحيفة «فايننشال تايمز» (24/9/2015) إلى أن بوتين ربما كان يرغب بالمضي أكثر من هذا وتقديم عرض للغرب: تعاونوا مع موقف روسيا في سوريا مقابل اعتراف من نوع ما لمزاعم موسكو في أوكرانيا. ولم تكن مصادفة أن تتزامن الحشود العسكرية في اللاذقية مع تراجع مد العمليات العسكرية في شرق أوكرانيا. ويبدو أن «مقامرة» بوتين قد نجحت، فعلى خلاف قمة العشرين في استراليا العام الماضي التي وجد بوتين نفسه معزولا فيها فسيحظى بوتين في الأمم المتحدة بلقاء الفرنسيين والألمان، ووافق الرئيس الأمريكي باراك أوباما على لقائه. ودعت صحيفة «نيويورك تايمز» الرئيس أوباما الموافقة على لقاء بوتين لاعتقادها أن حل الأزمة في سوريا يحتاج لتوافق أمريكي- روسي، رغم شكها في نواياه ووصفته بـ «البلطجي» وحملته مسؤولية الدمار وبقاء الأسد في السلطة. وكل هذا لا يمنع من امتحان نوايا بوتين خاصة في ظل فشل الحرب الأمريكية ضد تنظيم الدولة. وسيتم التحاور ضمن «أرضية مشتركة» والتوصل إلى حل سياسي. وهذا يعني نجاح بوتين بتأجيل النقاش حول موضوع تنحية الأسد عن السلطة، وهو مطلب المعارضة والولايات المتحدة وحلفائها الدائم. ولاحظت مجلة «إيكونوميست» (22/9/2015) أن تعزيز حشود موسكو العسكرية جاء في ظل المخاوف من سقوط الأسد ولهذا تريد أن تتفاوض في نيويورك على حل سياسي تكون هي راعيته ومن موقع قوة. وهي بهذه المثابة ليست مهتمة ببقاء الأسد بقدر ما تريد الحفاظ على ما تبقى من الدولة السورية. فالمسؤولون الروس يعرفون أن عودة الوضع لما كان عليه قبل 2011 مستحيل ولكنهم يريدون تحولا في السلطة منظما لا يكرر دروس العراق وليبيا. وتظل مقامرة بوتين في سوريا محفوفة بالمخاطر، فقواته ستقاتل في ارض بعيدة وغريبة ثقافيا وعرقيا على خلاف الحروب التي خاضتها في جورجيا وأوكرانيا والقوقاز، وهناك احتمالات لتورط طويل الأمد يعيد التجربة السوفييتية المهينة في افغانستان عام 1979 وما بعده. وفي غياب الحل السياسي قد تجد موسكو نفسها تتورط أعمق في الشأن السوري، فهل يتحمل الكرملين حربا مكلفة بشريا وماليا في ظل الأزمة الإقتصادية التي تواجهها روسيا بسبب العقوبات الإقتصادية وتراجع أسعار النفط العالمي والغاز؟ سؤال مفتوح على كل الإحتمالات، وما يهم بوتين في المرحلة الحالية ليس سوريا ولكن إقناع الغرب بفتح أبوابه له ومعانقته من جديد كما ورد في تقرير «واشنطن بوست» (25/9/2011) والمفتاح لقاء أوباما وخطاب نيويورك.
إبراهيم درويش