أناندا ديفي من مواليد 23 اذار/مارس 1957 بجزيرة موريس، روائية وشاعرة، تشتغل مترجمة، حاصلة على دكتوراه في الأنتربولوجيا الاجتماعية من جامعة لندن. تكتب باللغة الفرنسية وتجسد كتاباتها التنوع الثقافي والإثني القائم في هذه الجزيرة الضائعة في المحيط الهندي. أسلوبها الغنائي الشعري العميق والنافذ يمنح للفرنسية أبعادا ثقافية ولغوية جديدة تمتحها من هذا التعدد الثّرّ الذي تتميز به جزيرتها.
تعدّ أناندا ديفي وجها بارزا وعلما من أعلام كتاب المحيط الهندي. حصلت روايتها ‘حواء تنهض من حطامها’ على جائزتين أدبيتين، وهو عمل يؤكد رسوخ قدمها في فضاء الكتابة الأدبية الفرنكفونية. أعمالها الأدبية ذات طابع مأساوي وشعري، مثخنة بالمرارات والخيبات، تحبل بقضايا الإقصاء والنزعة الغيرية والانحراف والمكابدات، إنها تدين الجو الخانق الذي يجثم على مجتمع تتعدد أشكال انغلاقه، وبقوة الكلمات وعنفها تناهض جميع ضروب الرفض وتختار التزاما حقيقيا بمخيال الجزر قصد الاعتراف بالنزعة الغيرية واقرارها .
تهتم في كتاباتها بالمسائل الكبرى التي شغلت وتشغل كل كتابة حقيقية، كالتفكير في الزمن والموت وهذا الوجود الذي يجابه فيه الشخوص وحوشا داخلية وخارجية، كتابتها رحلة في أغوار الذات الإنسانية لنقل أوجالها ووساوسها وانكساراتها وخلاصاتها.’لجزيرتها موريس دين جسيم عليها وأثر هائل في أعمالها. تقول في حوار عن علاقتها المتينة بها: ‘كتبت دائما عن جزيرة موريس لكونها معينا من الإلهام الذي لا ينضب، تشمل هذه الأرض عوالم لا تنتهي… وإن كنت غادرت وطني، فإني لا أشعر بالمنفى، المنفى لفظة لا أطيقها، أعتقد أني أحمل وطني وكتابتي أينما حللت وارتحلت، فحتى في فرنسا أحيا دائما في ذاكرة موريس.. وما أدري أنني سأكتب يوما ما عن مكان آخر ..’
المنزع النسوي في النص:
صدر كتابها ‘الرجال الذين يحادثونني’ عن دار غاليمار الشهيرة عام 2011، وهو سيرة ذاتية وليس رواية، كما كتب على غلاف ترجمتها العربية التي ظهرت عام 2012. يتأمل هذا النص القلق الجريء صدوع الذات ويستبطن شروخها، يسبر علاقتها بالآخرين (الزوج والابن والعائلة..) ينفصل عن الذات بما هي آخر، كيما يراها في أعماقها، يجلو أسرارها ومناطقها المعتمة. هي رواية امرأة تجأر بصوتها رافضة العتمة، تصدع بعقيرتها في وجه من يحجب حريتها أو يسعى إلى الحديث باسمها.
المرأة في هذه السيرة الذاتية تهدم الأسوار، تركض في براري الجرأة وسهوب الحرية الشاسعة كظباء طليقة نقية لا يعيقها شيء، أو كطيور بحرية تحلق عاليا في سماوات زرقاء لا يكدرها شيء . بهذا النص تسعى المرأة إلى أن تخرج من صحراء الذات التي يبست أراضيها وتشققت بفعل الخواء والنضوب والملوحة، تبحث’عن سهول خضراء جديدة تعيد إلى الروح الظمأى بعضا من ماء وعشب، فتحيا حياة ثانية لا تنتصب فيها الكوابح أو الموانع..
تتحرر الذات من ذاتها القديمة، تفككها لا لتركبها من جديد، بل لتخلق ذات أخرى جديدة.. عنوانها الحرية. تتأمل السيرة في مفهوم الأمومة فتتحدث عن العلاقة الناشئة بين الوليد وأمه من خلال ثنائية الاتصال والانفصال، في الاتصال تشعر الأم بفرح الابتسامة الأولى وفرح التثاؤب وفرح النقطة الأولى التي تنبجس من الثدي، غير أن في الانفصال يبدأ التمرد على الآباء، ‘هل نقوى على تحمل إنجاب أطفال لمثل هذا الطريق؟’ ص 184 .
تقارن بين ذاتها وعبيد جزيرتها موريس: ‘نحن مستعبدون، بطريقة أو بأخرى، من رجل أو من أهلنا، أو من أطفالنا، أو من مستخدمينا، أو من أنفسنا، نحمل فينا، في صورة مؤكدة، استعباد الأجيال السابقة..’ ص 210 .
تطرح الكاتبة سؤالا مؤلما يشي بحالة الانشطار التي تكابدها: ‘كيف تكونين كاتبة وأنت أم؟ هل هذا ممكن؟ ص 185، ثم تقدم مثالين، الأول لفرجينيا وولف الكاتبة من دون أولاد، والثاني للشاعرة المنتحرة سيلفيا بلاث (بزوج وأولاد وجنون). وقصة معاناتها مع زوجها الشاعر تيد هيوز باتت معروفة، وما يتحمله من نصيب كبير في دفع زوجته الشابة إلى الانتحار..
بعد مخاض عسير تنتصر الكاتبة فتتجاوز ألم الجمع بين الوضعين، تقرر الانسحاب من كل شيء، لأجل الكتابة وحدها: ‘سأنسحب من كل شيء من أجل أن أهب نفسي للكتابة. رجاء، ألا يزعجني أحد’ ص 185 .
الكتابة بوصفها خلاصا
في ظل هذا الوجود الذي تعيشه الكاتبة بما هي امرأة مرهونة بوضع مخصوص، وما ينجم عنه من اختلال في العلاقة بالآخر زوجا أو ابنا، لن تجد المرأة بما هي كاتبة طريقا للخلاص أجدى وأنسب من الكتابة.. في عزلتها أضحت تلوذ بها من بؤس الواقع وتفاهة الوجود ‘العائلي’ الذي صار رديفا لانعدام المعنى .
في هذا الليل المعتم الذي يرخي سجوفه عليها، تلجأ الكاتبة إلى منارات سامقة في عالم الكتابة، تحتمي بمن تعتبرهم أساتذتها ومنيري دروبها الضيقة الحالكة، يستحضر النص ويتصادى مع كتاب ‘ملاعين’، حوكموا بسبب جرعات جرأتهم الزائدة وجسارتهم على انتهاك مواضعات عديدة، ثقافية واجتماعية وأدبية.. نحو فلوبير وجيمس جويس وفرجينيا وولف وفرديناند دي سيلين وجوليان كراك، تقول عنهم: ‘إن الكتاب يتخطون حدود الجنس، إنهم كتبوا، كتبوا لنا، إنهم هنا، حولنا … مادام أنهم هنا، فإن شيئا لن يضيع’ ص 160 .
تبدي إعجابها الكبير بالكاتبة الأمريكية توني موريسون، وبروايتها ‘جاز’ التي كانت العمل الأدبي الذي قادها إلى اكتشاف عالم هذه الكاتبة، ‘أنا مجنونة بهذه المرأة ‘ ص 192 . تتأمل في شعر سيلفيا بلاث وشعر زوجها الشاعر تيد هيوز، ‘سيلفيا هي الرقيقة، هي الضعيفة إنسانيا، صوتها يتكلم في الحيز الضيق لما هو حميمي ومؤلم، بينما كان تيد هيوز، زوجها، لا يتوانى عن التوغل بينها وبيني. إنه خارق، أرتجف عند قراءته.. شعره غير إنساني، مصنوع من تناغمات مرعبة..’ ص 197 .
لا يعدم هذا النص السيرذاتي تأملا في الكتابة وتفكيرا في همومها، تقتنع بأن ‘الكتابة مستحيلة’ وهذا كلام مأثور عن الكاتب والمفكر الفرنسي المعروف موريس بلانشو، أو تستدعي قولا للمسرحي أوجين يونسكو: ‘مصاعبي تزداد مع الكتابة’. تخلص إلى المآل الذي تؤول إليه كل كتابة، فهي إما نجاح فجني ثمار، وإمّا خيبة فقسوة ضياع، كما تفكر في لا جدواها أحيانا: ‘أعتقد أننا نقضي على أنفسنا أحيانا في الكتابة. ولكن لكي نتوصل في النهاية إلى أن هذا كله لم يجلب أي فائدة.. ماذا نكون قد غيرنا في العالم؟ لا شيء’ ص 181 . الكتابة ماء يخصب أو نزيف يقتل .
بالكتابة تحتمي الكاتبة، هي ما يمنح لوجودها معنى، فيها خلاصها وانعتاقها، تتمنى لو تعانقها حتى آخر رمق: ‘لو كان الأمر يعود لي، لكنت اخترت الموت والقلم في يدي. لو كان في استطاعتي أن أشيخ مع الكتابة’ ص181. تعترف بأن ما تكتبه في هذا النص هو سيرة ذاتية وتعتبره جنسا لا ينبغي استسهاله أو التهوين من شأنه، لأنه ‘يتطلب مزيدا من الانتباه والدقة، الخوف من الوقوع في الخواء’، وتنتقل إلى عقد مقارنات طريفة بين الرواية والسيرة الذاتية: ‘إن أنحس المصائر وأكثرها خرابا تنتظرنا في الرواية. نتأرجح فوق ضفاف هذه الحيوات المنتظرة، متسائلين ما إذا كانت لنا شجاعة الغطس فيها. ولكن حين يتعلق الأمر بحياتنا نفسها، حيث نوجد، فلماذا ندخل إليها كما في نفق غير نافذ؟ على الرغم من أننا نعرف كل محطة فيها، فإنها تبقى سرا تاما. لماذا؟ هنا تكمن المسألة..’ ص183 .
تعيش الكاتبة حياتين: الأولى حياة زوجة وأم .«’وهذه الحياة تأسرها، تشعرها بثقل الوجود وضغط اليومي.. والثانية حياة الكتابة والكلمات، وفيها تلقي الخلاص والانعتاق من ربقة جميع الآلام. هذه السيرة تستبطن الذات وتسبر أغوارها الدفينة السحيقة، تتأمل في الكتابة بوصفها ترياقا وتحريرا. تختتم الكاتبة سيرتها بإعلان اعترافها: ‘ها قد قلبت الصفحة، من أجل أن أبدأ صفحتي الجديدة’ ص 211 .
الكتاب تأمل في الحب (عشق هؤلاء الكتاب، سارقي النار، الذين أناروا ليل الإنسان)، وتأمل في الكتابة والعزلة وفي المعنى الحقيقي للوجود، والتمرد بما هو طاقة للخروج من النفق إلى الأفق والمدى، لذا يفهم سبب استهلالها الكتاب بجملة من نص ‘الإنسان المتمرد’ لألبير كامو.
نص صادم وعنيف، نزول إلى جحيم الذات، صيغ بلغة شعرية متدفقة ونبرة غنائية حزينة تجعل من هذه الكاتبة صوتا متفردا جديرا بالاكتشاف والقراءة .
ملحوظة: كل الاستشهادات مأخوذة من الترجمة العربية للكتاب بقلم الشاعر اللبناني شربل داغر والصادرة عن ‘ابداعات عالمية’ الكويت، ديسمبر 2012 .
– من ضمن الاستشهادات الكثيرة التي يحفل بها هذا النص، مقطع شعري للشاعر الكبير محمود درويش من قصيدته ‘بيروت’ ص 169 .
باحث ومترجم من المغرب